علاقة معقدة .. ما مستقبل “الإخوان المسلمين” في أفغانستان بعد عودة طالبان؟

عقب وصول حركة “طالبان” لقصر الحكم في أفغانستان، أشاد “الإخوان المسلمون” في كابول، بانتقال السلطة للحركة بشكل سلمي “دون إراقة للدماء أو تدمير للمؤسسات والمرافق العامة”

بيان، “جمعية الإصلاح الأفغانية”، التي تمثل “الإخوان المسلمين” في أفغانستان، 17 أغسطس/ أب 2021 أشاد بـ”التعامل الطيب والإسلامي لحركة طالبان مع مخالفيها”، وتمنى أن يستمر هذا مستقبلا.

ودعا إلى “ضرورة الانتقال السلمي للسلطة بشكل مدني ومعقول”، وطالب بـ”مساهمة مختلف الأطياف السياسية والمدنية والقومية في إدارة البلاد”

بعدها بيوم، هنأت جماعة الإخوان المسلمين الأم في مصر 18 أغسطس/ أب 2021 “الشعب الأفغاني”، لا طالبان، “بانتصاره وتحرير أرضه بكل فصائله”

وأعربت عن دعمها وتأييدها للاتصالات والاجتماعات الدائرة بين القوى والأحزاب السياسية الأفغانية “للاتفاق على النظام والحكومة التي يرتضيها الشعب بكل فئاته”.

وهنأ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين “الشعب الأفغاني” و”قيادته وخاصة في حركة طالبان” على “هذه الخطوات وعلى هذه المرحلة الجديدة التي بدأت أو تبدأ أو تتشكل الآن في أفغانستان”

بيانا إخوان أفغانستان والجماعة الأم، وأحاديث بعض روابط علماء العالم الإسلامي ذات الجذور الفكرية المنتسبة للجماعة؛ بدت متحفظة نسبيا، وتنحو إلى صيغة النصح لطالبان بعدم الحكم منفردة وإشراك الأطياف السياسية.

تاريخيا سبقت جماعة الإخوان المسلمين، ظهور طالبان في أفغانستان، ما جعل علاقتهما معقدة إلى حد ما.

قبل عام 2001، تعاملت طالبان مع الإخوان بوصفها عدو تنظر إليه نظرة المفاصلة بين الكفر والإيمان، وتصف أعضاء الجماعة بأنّهم أشد خطرا على الإسلام من الشّيوعيّين، وكانت تهاجم عناصرها وتغلق جمعيّاتهم.

برغم رفض الإخوان الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2001 الذي اقتلع حكم طالبان؛ استمر فتور العلاقات بسبب أنباء عن دعم إخوان الداخل “جمعية الإصلاح” لأول رئيس متعاون مع واشنطن، حامد كرزاي.

كما أثار منح وزارة العدل الأفغانية في ظل حكم كرزاي للإخوان ترخيصا رسميا بإنشاء “جمعية الإصلاح” عام 2002، غضب طالبان.

لكن، في المنفى وبعد خسارتها الحكم بسنوات، بدأت طالبان في تغيير موقفها من جماعة الإخوان المسلمين، وفتحت بابا واسعا للعلاقة مع “الجمعيّة الأفغانيّة للإصلاح”

ظهر هذا في قيام قيادات طالبان بزيارة الداعية الإسلامي الدكتور يوسف القرضاوي القريب من جماعة الإخوان، 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2020.

وسبق للقرضاوي أن زار أفغانستان خلال حكم طالبان 26 فبراير/ شباط 2001، ضمن وفود إسلامية لإقناعهم بالعدول عن تحطيم تمثالين أثريين لـ”بوذا”، لكن الحركة رفضت هذا الطلب.

وعقب لقاء وفد طالبان الأخير بالقرضاوي 2020، أشادت طالبان بالشيخ القرضاوي ووصفته بأنه “الأب الروحي لجماعة الإخوان المسلمين”.

أيضا زار وفد طالبان في العاصمة القطرية الدوحة، إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” المحسوبة على جماعة الإخوان، ما يؤكد الموقف الإيجابي الجديد من طالبان تجاه الإخوان.

طالبان ستتغير

مصدر مقرب من جماعة الإخوان المسلمين يتوقع أن تتغير حركة طالبان في تعاملها مع الجماعة كما غيرت من تعاملها مع الجميع، وسامحت حتى خصومها الذين قاتلوا مع الحكومة الأفغانية السابقة.

قال لموقع “الاستقلال” أن خلاف طالبان السابق مع جماعة الإخوان سيكون له نصيب من هذا التغيير، لافتا إلى احتمالات أن تتغير طالبان نفسها قائلا: “يمكن أن تقترب أكثر من الإخوان فكريا وعلى مستوى الممارسة”.

ويؤكد أن “كلتا الجماعتين تستهدفان إقامة حكم على قواعد الإسلام حسبما تفهمه كل واحدة، ولكن نقطة الخلاف الرئيسية هي المرونة والتشدد، ولكن تشدد طالبان يمكن أن يكون مقبولا في المجتمع الأفغاني الأكثر محافظة عن المجتمع المصري الأكثر انفتاحا”.

وبشأن احتمالات انتقال معارضين من الإخوان في الخارج لأفغانستان، يعتقد المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه أن “انتقال مهاجرين إلى أفغانستان غير وارد حاليا، لأنه لا يوجد تضييق عليهم في تركيا، وآلاف المصريين يتحركون بحرية حتى بعد وقف برامج 4 إعلاميين”.

ويؤكد أن تركيا الآن الخيار الأفضل، ملمحا إلى أن “فضائيات المعارضة مستمرة، وباقي المصريين الذين لديهم أعمال واستثمارات مستمرون في عملهم”

ويجزم بالقول: “لا أظن أن أحدا من الإخوان على الأقل يفكر في الانتقال لأفغانستان حاليا، خاصة وأن طالبان في مرحلة جس نبض مع المجتمع الدولي”.

قلق السيسي

وفي السياق، بدت الأذرع الإعلامية لرئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، قلقة من أي تقارب ربما يحدث بين الإخوان وطالبان، ولذا اتخذت موقف المحرض من البداية، وأشاعت أن إخوان مصر سينتقلون إلى أفغانستان مع عودة طالبان للحكم.

إعلاميون، زعموا أن أفغانستان ستصبح مقرا جديدا لمعارضين مصريين في الخارج خاصة جماعة الإخوان، حال انتهت المصالحة مع تركيا لمغادرة بعضهم.

الإعلامي إبراهيم عيسى، زعم أن الإخوان سيتوجهون إلى أفغانستان خلال شهور، وربما أسابيع، وستتحول كابول برعاية دول داعمة للإخوان وطالبان إلى مقر لـ”التنظيم العالمي الجديد”

وفي مفارقة مثيرة استضاف المذيع المقرب من أجهزة أمنية مصرية أحمد موسى، المتحدث باسم طالبان محمد نعيم، 16 أغسطس/ أب 2021، عبر برنامجه بفضائية “صدى البلد” المحلية المصرية.

وحرص موسى، على سؤال نعيم، عن إمكانية سماح طالبان باستضافة عناصر جماعة الإخوان المسلمين، فيما رد المتحدث باسم الحركة قائلا: “لن نسمح لأي أحد أن يدخل أفغانستان إذا تسبب في ضرر”

لكن يبدو أن هذه الإجابة لم تعجب الجهات الأمنية التي طلبت من موسى إجراء الحوار، ما دفع الفضائية لحذف الحوار بأكمله من موقعها الرسمي، في وقت لاحق.

حين وقع انقلاب 3 يوليو/ تموز 2013 في مصر، تظاهر الأفغان في كابول ومدن هرات في الغرب، ومزار شريف في الشمال، وقنذر في شمال الشرق، وجلال آباد في الشرق، رفضا لإطاحة الجيش بالرئيس محمد مرسي.

ودشنت جماعة الإخوان في أفغانستان مؤتمرا باسم “التضامن الأفغاني مع الشرعية في مصر”، حضره رئيس الوزراء الأفغاني الأسبق أحمد شاه أحمد زاي.

وشاركت أحزاب بارزة في تظاهرات دعم إخوان مصر، بينها “جماعة الدعوة الإسلامية” بقيادة عبدرب الرسول سياف، و”الحزب الإسلامي”، و”مستشار الرئيس السابق كرزاي للشؤون الدينية، وجماعات أخرى.

الإخوان بأفغانستان

في يونيو/ حزيران 2002، أعلنت 30 شخصية أفغانية تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين تأسيس كيان سياسي يمثل جماعة الإخوان في أفغانستان، تحت مسمى “الجمعية الأفغانية للإصلاح والتنمية الاجتماعية”

نشأت الجمعية رسميا، في منطقة تيمني بالعاصمة كابول، وضمّت 35 فرعا بالولايات الأفغانية، وبدأت نشاطها التربوي والدعوي والتعليمي والإنساني والخيري بقيادة حبيب الله حسام، زعيم الجماعة حاليا في أفغانستان.

وتشير الجمعية عبر موقعها “إصلاح أون لاين” لعدة أقسام ومهام تضطلع بها هي: قسم تنمية المهارات، وتوعية المجتمع بأهداف الاستعمار، ونشر الخير ومنع الشر، ومحاربة التعصب، وانتقاء الأفراد لبرنامج تنمية المهارات.

إضافة إلى أقسام الإعلام، والعمل الخيري، والخدمات الاجتماعية، والعمل النسائي، والشبابي، والنقابات المهنية، والتأليف والترجمة.

وتمتلك جماعة الإخوان داخل أفغانستان مؤسسات خيرية وتعليمية وإعلامية وطبية واقتصادية كبيرة، ومعظم المشاريع التي تنفذها الجماعة، تُطرح بصورة مجانية أو رمزية.

كما ركزت جمعية الإصلاح الأفغانية على مجال العمل الخيري، فأطلقت “جمعية المساعدات الإنسانية” التي تمارس مهام انسانية مثل رعاية الأيتام، والعناية بالأرامل وإعانات منتظمة للفقراء.

وعملت على تقديم خدمات طبية مجانية وبأسعار رمزية، عبر عيادات ومستشفيات تابعة للجمعية يعمل فيها كادر كبير من الأطباء.

أموال هذه الأنشطة كافة تأتي من تبرعات تجار ورجال أعمال ميسورين وتبرعات أعضاء الجماعة، ومؤسسات اقتصادية كبيرة تمتلكها جماعة الإخوان داخل أفغانستان.

ولأهمية التعليم في المجتمع البدوي الأفغاني، أسست جماعة الإخوان 12 مدرسة من الابتدائية حتى الثانوية، و4 معاهد لتعليم الفتيات وتخريج المعلمات.

كما شيدت 8 مدارس لتدريس العلوم الشرعية، وسبعة معاهد متخصصة في تأهيل المعلمين، مثل معهد “الإصلاح لإعداد وتأهيل المعلمات”، الذي أُنشئ عام 2008، ويركز على تدريس اللغة العربية والدراسات الإسلامية.

وكذلك معهد “الإصلاح النموذجي”، الذي أُسس عام 2006 في مدينة جلال آباد، و”دار العلوم الإسلامية” التي أُنشئت عام 2008.

بجانب مدرسة “الفلاح” للبنات عام 2009 بمدينة جلال آباد، والتي تخصصت في إعداد الكوادر القيادية في المجالات الفكرية والعلمية والمهنية، برسوم رمزية.

وبسبب تكالب الاستعمار البريطاني ثم الشيوعي ثم الأميركي على أفغانستان ومحاولات تغيير هوية الشعب، خصوصا عقب غزو واشنطن 2001، سعت جماعة الإخوان الأفغانية لإنشاء منابر إعلامية تتولى التوعية ونشر الحقائق.

الإخوان أول من أنشأ فضائية أفغانية حملت اسم قناة “الإصلاح، ولديها أيضا إذاعة “صوت الإصلاح”، منذ عام 2008.

وأصدرت الجمعية مجلات مثل “إصلاح مللي” الأسبوعية، التي تصدر بالباشتو والفارسية، ومجلة “جوان” بالبشتو، ومجلة “رسالة الإصلاح” (نصف شهرية).

أيضا دشن الإخوان في أفغانستان مجلة “معرفة” الشهرية بالفارسية، و”رسالة الإصلاح” التي يطبع منها 100 ألف نسخة، وتستقطب أقلاما أفغانية مهمة ولها تأثير بالغ في الشارع المحلي.

Comments

comments

شاهد أيضاً

ديفيد هيرست: لقاء سري بين السعودية وحزب الله مهّد لهدنة اليمن

كشف الصحفي البريطاني ديفيد هيرست، عن اجتماع جرى بين السعودية وحزب الله اللبناني لتأمين الهدنة …