عمر صديق : الانفتاح اللغوي .. تثمين للرأسمال البشري

بالعودة إلى موضوع لغة أو لغات التدريس في المغرب التي سالت من أجلها الأقلام، وصار لها أكثر من تصريف وتأويل, حيث أن كل جهة فسّرت الموضوع من وجهة نظرها، فيرى البعض مثلا أنه في تطوير تعلم اللغات الأجنبية واعتمادها لتدريس المواد العلمية في التعليم الثانوي، هجوما على اللغة العربية واستهدافا لعروبة المغرب، لصالح تكريس لغات أخرى, وموضعتها كثقافة لا مفر منها، نود هنا أن نتساءل، إن كان كل هذا العشق للغة العربية غير المسبوق موجودا وحاضرا، فما هي الإجراءات الحقيقة والملموسة التي تم اتخاذها لضمان تقويتها وتعميمها على المواطنين؟ ثم كم جامعة وطنية في حوزتنا تدرّس العلوم والتقنيات باللغة العربية؟. إن نجاح المدرسة المغربية وتفوقها رهين أساسا بتنشئة أجيال لا تعاني عسرا لغويا تواصليا تستطيع عبره تقوية روابطها بالهوية الوطنية سواء داخل البلاد أو خارجها، فالمتعلم المتمكن من لغة الانتماء؛ أي العربية، من قراءة/كتابة إلى فصاحة التعبير هي أرضية أولى نحو تثبيت لغة أجنبية أولى وأخرى ثانية…، بشكل تدريجي وسلس، يرى فيها بنفسه سبيلا لإثبات إمكاناته وجدارته داخل مجتمعه المعاش، وكلنا ثقة في قدرة أطرنا الغيورة في تقوية الجوانب التواصلية للمتعلمين عبر تحبيبهم للغة الوطن الرسمية أولا وتيسير استيعابهم لباقي اللغات ثانيا، والذين بفضلهم ستواكب الدولة ركب التنمية المستدامة، فنحن لا نعيش عزلة دولية حتى نتأفف من اللغات الأجنبية ولا ننسى أيضا أن المغرب على بضعة كيلومترات من أوروبا، مما يفرض عليه استغلال هذا القرب لتطوير مردوديته الاقتصادية بنمط تنافسي، والنهوض بسياساته الاجتماعية على المستويين التربوي والمعيشي، ولن يتأتى هذا إلا عبر بناء وتكوين الرأسمال البشري المستقبلي وتثمينه، فشحن المعارف وتكدسيها ثم نبشها إبان الفروض (الاختبارات), وإهمالها فيما بعد, ليس بتعلم تحمد عقباه، وإنما المطلوب ربط ما يتعلم تعلمه داخل المؤسسات التربوية/التكوينية مع ما هو مطلوب في سوق الشغل المتطور بشكل مستمر، وهذا الأخير مرتبط عضويا بما تبرمه الدولة من اتفاقيات استثمارية مع باقي الدول، فما العيب في تعلم لغاتها وإتقان التواصل بها ما دام هذا الإجراء سيقوي قدرات البلاد على جذب أعتى الشركات الإنتاجية، والتي بفضلها سينهض الاقتصاد الوطني وتلقائيا تنقص حدة البطالة ويتغير معها نمط التوجيه المدرسي؟
إن ضرورة الانفتاح اللغوي ليست مادة لخلق الجدل و تبادل إطلاق النار من مسدسات فارغة، بل هي قضية ينبغي أخذها على محمل الجد، وتجسيدها في البرامج التربوية/التعليمية/التكوينية، في سياق مسؤول يساهم كل طرف من مركزه بإنجاحه، بداية بخلق حوار وطني يؤطره المجلس الأعلى للتعليم ووزارة التربية الوطنية… مفتوح أمام الخبراء الوطنيين وحتى الدوليين، كذلك الممارسين للمهنة, والخروج بحلول ملموسة ومؤثرة، ليس لأهداف شخصية، وإنما لهدف أسمى مشتق من الأهداف العليا للبلاد المتمثل في تربية الأجيال على ثقافة الانفتاح والحوار وتقبل الأخر، تحت مظلة وظيفة اللغة التواصلية، ولنا في هذا تزكية من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، في المادة 117 التي تنصّ صراحة على تقوية تعلم وإتقان اللغات الأجنبية في سنوات التعليم الأولى الابتدائية، ثم ضمان استمرارية هذا التمكن في باقي سنوات التمدرس التأهيلية. نضيف أمرا أخر أكثر جاذبية، فمادام دبلوماسيو الدول الكبرى صانعة القرار السياسي يتهافتون على تعلم اللغة العربية بهدف تحقيق تواصل فعال مع الشعوب الناطقة بها وفهم ثقافتها، فلم لا نتعلم نحن كذلك لغاتهم ونتقنها حتى نرتقي بالخطاب التربوي من جهة, ونعلو بالخطاب السياسي قليلا حتى نصنع لأنفسنا سلطة القرار ونصحح بعض المفاهيم المغلوطة المأخوذة سلفا؟
إطار تربوي وممارس بيداغوجي- شفشاون- المغرب

Comments

comments

شاهد أيضاً

حذيفة محمد: تسللتُ للتظاهر بين مؤيدي السيسي.. هذه شهادتي للفضائح التي رأيتها هناك

في مدينة نصر، قلب القاهرة النابض، ومسرح الأحداث الجسيمة بالقرب من ميدان رابعة -طيب الله …