عمر صديق : لغات التدريس ..نقاش الهوية وتحديات التنمية

لا جدل أن المغرب بلد عربي، وهذا معطى تحكمه السياسة وتؤطره الجغرافيا، إضافة إلى إقراره اللغة العربية في دستوره لغة رسمية أولى، غير أن البعض يتخذ من التنوع الثقافي الإثني وتعدد اللسان الدارج المصاحب له ذريعة لدحر اللغة العربية ونعتها بالدخيلة, ثم العمل بشراسة على تدميرها وطمرها عميقا، حتى وصل الحال إلى المطالبة بعدم اعتمادها لغة لتدبير العملية التعليمية.

لنفترض أننا توافقنا مع هذا الطرح وقبلنا بأعذاره، فكم من لسان دارج تزخر به البلاد؟ ألن تنغلق المؤسسة التعليمية على وسطها وتعيد إنتاج نفس أعراض ضعف التواصل؟ ثم ألن يسهم هكذا طرح في تقديم المغرب على أنه بضع قبائل مشتتة هنا وهناك في ظل غياب لغة خطاب رسمي مفهوم؟ ولنا دليل .. كم مرة تتم ترجمة ما يتردد على لسان بعض المواطنين إلى اللغة العربية عندما تطلب تعليقاتهم أو شهادتهم في برامج ووثائق تنظمها قنوات {شقيقة}.

من هنا نرى أن اختيار اللغة العربية ليس أمرا تفضيليا بل قضية أساسية فحواها الاستمرار ضمن فلك الوجود العربي إن لم نقل الهوية العربية.

نضيف أمرا آخر تمت الإشارة إليه في الميثاق الوطني للتربية والتكوين, وهي الدعامة التاسعة الخاصة بتحسين تدريس اللغة العربية واستعمالها، ثم المادتين 110 و111 ضمن نفس السياق، ونتساءل في الآن نفسه أين نحن مما دعا إليه بواقعية دستور التربية والتكوين قبل ست عشرة سنة؟ فيما يخص التوجه الحالي نحو اعتماد اللغات الأجنبية في تدريس العلوم والتقنيات، نعتبره منطلقا حتميا وتوجها صائبا نحو خلق الانسجام الذي كان سلفا بين الجامعة والثانوية، بدل الشرخ الذي يعيشانه معا الآن، فمن جهة كل المواد العلمية والتقنية المُدرّسة بالمعاهد العليا والجامعات داخل البلاد هي بلغات أجنبية، ومن جهة أخرى فالعلوم ومضامينها المعتمدة عالميا هي موثقة باللغة الانجليزية، ثم بعدها الفرنسية، وبما أن هذه الأخيرة هي اللغة الأجنبية الثانية للبلاد، فاعتمادها في تدريس المواد العلمية والتقنية بشكل مبكر يمكّن أولا من ترسيخ اللغة لدى المتعلم المحلي عبر توظيفها تواصليا وإنتاجيا مما ييسر تأقلمه مع متتاليات التعلم/التكوين داخل الجامعة بمقاربة شاملة لجوانب نظرية وتطبيقية.

ثانيا يتيح خلق جسور تعاون وتكامل وحتى شراكات مع جامعات ما بعد وطنية، تعزيزا للكفاءة المهنية والتربوية، تبادلا فعليا للخبرات والتجارب، يُقدَّم خلالها الطالب المغربي على أنه مكافئ معرفيا ومهاريا ووجدانيا للطالب الأجنبي، له من الملكات ما يمكنه من المنافسة والمبادرة والاقتراح وإيجاد الحلول الملائمة، يشكل رأسمالا بشريا حديث يتماشى مع السياق الحالي لمجتمع المعرفة، وهكذا تُؤهل الجامعة المغربية تلقائيا وتتطور بفعل مشاريع البحث العلمي واستكمال التجارب أو حتى المساهمة فيها مع الجامعات الأجنبية بصفة الشريك الكفء وليس الحضور الصوري، فارضة في الآن ذاته نفسها أمام القطاع الخاص على أنها فضاء استثماري ناجح بامتياز، ومزود أساسي للبلاد بالنخب المؤهلة والكوادر القادرة على إحداث تغيير ملموس في الاستراتيجيات الوطنية للتطوير والإقلاع الصناعي الإنتاجي المُوّجه محليا وحتى المُصدّر منه نحو الخارج.

ما ينبغي التركيز والتأكيد عليه، هو أن التنمية الشاملة تبتدئ بمتعلم متكمن لغويا/مهاريا، يصير بعدها طالبا باحثا،أو مهندسا…بفضل زاده المعرفي/التطبيقي وتكتله مع الأقران، تتضافر الجهود وتتكامل المشاريع فيما بينها، المتفرعة عن رؤية طموحة عنوانها:”مغرب عربي حديث وتقدمي”.

شاهد أيضاً

محمد فاروق الإمام : التوازن سر البقاء

التوازن سر عظمة هذا الكون وجماله، وهو سمة من سماته، قال تعالى في سورة الرحمن: …