عودة مفاوضات سد النهضة بعد حديث ترامب عن نسفه وتخوفات من تسويف إثيوبي


في اجتماع مشترك لوزراء الري والخارجية، والوفود المفاوضة، توافق كل من مصر والسودان وإثيوبيا، أمس، على استمرار اللقاءات لنحو أسبوع، في مسعى لصياغة ما يعرف بالمسودة الأولية، التي يفترض أن تمثل نصًا جامعًا لكل النقاط التوافقية اﻷساسية بينهم حول عملية ملء وتشغيل سد النهضة، وذلك بحسب مصدر حكومي مصري مطلع على المفاوضات، التي تتم برعاية جنوب إفريقيا، الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي.

وسيتم العمل على صياغة تلك المسودة من خلال المسودات الثلاث التي سبق وأرسلها كل من البلدان الثلاثة إلى جنوب إفريقيا، في ظل المشاورات التي جرت خلال صيف العام الجاري، والتي توقفت قبل نحو شهرين بعدما اعتبر السودان أنها تسير بلا هدف محدد وواضح، بالنظر لاستمرار تباعد المواقف بين مصر وإثيوبيا.

وتؤكد المصادر أنه لا ضمانات لأن تنجح العملية الحالية في التوصل للمسودة الأولية، بالنظر إلى توقع تبادل الاعتراضات حول عدد من النقاط الفنية، خاصة مع تباين وجهتي النظر المصرية والإثيوبية بخصوص تفاصيل ملء خزان السد خلال فترة الجفاف الممتد، والتباين بين السودان وإثيوبيا حول التشغيل وإخراج المياه من السد في حال الفيضانات المرتفعة.

حيث ستعمل اللجان الفنية والقانونية مع وزراء ري البلدان الثلاث، وبتدخل أكثر فاعلية من الخبراء المراقبين من الاتحادين الإفريقي والأوروبي؛ للمساهمة في جسر نقاط التباين قدر المستطاع، على أن يلي ذلك رفع النقاط الخلافية إلى مراجعة اللجنة الثلاثية المشتركة لوزراء خارجية وري الدول الثلاث، ثم في مرحلة تالية لقادة تلك الدول.

وتواجه هذا الجهود بعراقيل، يتعلق بعضها بتباين وجهات النظر المستمر بين البلدان الثلاثة، إلى جانب عراقيل أخرى تتعلق باختلاف التقديرات حول حقيقة الموقف الإثيوبي، وإن كان يسعى بالفعل للوصول لاتفاق، أو يقبل باتفاق ملزم حول ملء وتشغيل السد، خاصة وأن إثيوبيا قد استطاعت أن تمرر الملء الأولي، صيف العام الجاري، دون اتفاق ودون عواقب كبيرة عدا قرار أمريكي بتعليق مساعدات، ارتبط بالأساس بغضب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من تجاهل إثيوبيا لاتفاق كان قد تم الوصول إليه في واشنطن، نهاية العام الماضي، بعد جولة مفاوضات رعتها أمريكا وتوسط فيها البنك الدولي فنيًا.

وهناك خشية من ألا تذهب إثيوبيا لاتفاق ملزم، وأنها تناور، مجددًا، في مسعى لإضاعة الوقت وصولًا لفبراير المقبل، موعد ترؤس الكونغو للاتحاد الإفريقي بدلًا من جنوب إفريقيا، وكذلك انتظارًا لأي تغيير متوقع في القيادة اﻷمريكية، عقب انتخابات الرئاسة المقرر إجراؤها في 3 نوفمبر المقبل.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي، متابع عن قرب للمفاوضات ولتطورات الوضع الداخلي الإثيوبي، إن رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، لا يبدو مستعدًا «على الإطلاق» للوصول لأي اتفاق ملزم قبل الانتخابات العامة في بلاده، صيف العام المقبل، حتى لا يتهمه خصومه السياسيين بتقديم تنازلات دون الاضطرار لذلك «لأن الرأي السائد في إثيوبيا حاليًا هو أن لإثيوبيا الحق في الاستفادة من مياه النيل كما تريد”.

الدبلوماسي الأوروبي رجح أن يتحرك آبي أحمد نحو الملء الثاني لخزان السد بحلول موسم الأمطار في 2021، والذي قدّر المصدر كمية المياه التي يحتاجها بثلاثة أضعاف كمية الملء اﻷول، الذي تم في منتصف يوليو الماضي، بواقع 4 مليارات متر مكعب، فيما سيحتاج الملء الثاني إلى نحو 13 مليار متر.

وكان أبي أحمد قد أبلغ البرلمان الإثيوبي قبل أيام أن بلاده تواجه بعراقيل تحول دون إتمام أعمال التشييد والأعمال الهندسية للسد ولكنها ماضية وبعزم نحو إتمام المشروع.

في الوقت نفسه قال مصدران مصريان مطلعان على مسار العلاقات المصرية السودانية، إن لقاء رئيس المجلس الانتقالي السوداني، عبد الفتاح البرهان، وعبد الفتاح السيسي، في القاهرة أمس، تطرق، ضمن أمور أخرى، لملف سد النهضة.

حيث أكد البرهان للسيسي أن بلاده ملتزمة باستمرار التنسيق مع مصر في ما يخص ملف سد النهضة، نافيًا ما تردد عن اتجاه «الخرطوم» للقبول بعرض تعاون ثنائي قدمته «أديس أبابا»، يشمل تفاهمات تتعلق بالشواغل السودانية إزاء السد، بعيدًا عن التوقيع على اتفاق ثلاثي.

لكن ملف سد النهضة لم يكن الأوحد، ولا الأبرز، في لقاء البرهان والسيسي، حيث سعى البرهان لاطلاع مضيفه السيسي على تفاصيل تطورات المفاوضات السودانية الإسرائيلية حول تطبيع العلاقات، والتي تجري برعاية إماراتية وأمريكية.

كان البرهان قد أرسل خلال الأسبوعين الماضيين، وفدين لإحاطة المسؤولين في «القاهرة» بقرب الإعلان عن صفقة سياسية تشمل تطبيع العلاقات بين «الخرطوم» و«تل أبيب»، بالتوازي مع القرار الأمريكي برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فضلًا عن تقديم دعم اقتصادي موسع يسمح بمشاريع تنمية في السودان.

كان تقاطع ملف سد النهضة مع ملف العلاقات السودانية الإسرائيلية، قد ظهر في توقع للرئيس اﻷمريكي أن تعمل السودان على تسهيل التفاوض للوصول لاتفاق بخصوص سد النهضة، بعدما تراجعت إثيوبيا عن اتفاق توصلت له الدول الثلاث برعاية أمريكية، معتبرًا أن خطورة الوضع الراهين تمثل تهديدًا كبيرًا لمصر، قد لا تستطيع تحمله بما قد يدفعها لـ«تفجير سد النهضة» في حال تعثر الوصول لتفاهم، وهو الاحتمال الذي وصفه أحد المصدرين المصريين اﻷخيرين، بأنه يثير فزع السودان، حيث يمثل كارثة تتجاوز كارثة الفيضانات التي ضربت البلاد خلال العام الجاري.

في الوقت نفسه، أشارت المصادر المصرية إلى تخوفات في القاهرة من أن تخطو «الخرطوم» نحو مشاريع تعاون مع إسرائيل وإثيوبيا، يمكن أن تعرقل مسار التوصل لاتفاق حول سد النهضة.

وبحسب مصادر إفريقية وأوروبية ومصرية، تسعى إثيوبيا، على مسارات متوازية، لعزل السودان عن مصر في مسألة سد النهضة كما تسعى لحشد دعم من دول حوض النيل لإعادة طرح قضية إسقاط الاتفاقات القانونية التي تم توقيعها في مطلع ومنتصف القرن الفائت، بغية الوصول لتقسيم جديد للمياه ينال من حصة مصر السنوية من مياه النيل، والمقررة بنحو 55 مليار متر مكعب.


Comments

comments

شاهد أيضاً

العفو الدولية: الارتفاع المروع في إعدامات مصر يكشف عمق أزمة حقوق الإنسان

قالت منظمة العفو الدولية إنه في أكتوبر ونوفمبر 2020 فقط، أعدمت السلطات المصرية ما لا …