عيد النيروز والاحتفال الرسمي بتفتيت المنطقة وإشعالها

حكام إيران ومراجعها “العظام” يعيشون أفراحهم السنوية هذا العام، الذي لن يكون كسابقه. فعيد النيروز وطقوسه النارية الملتهبة، تتزامن هذه المرة مع رفع العقوبات عن طهران، وتتزامن مع التوجه نحو تقسيم المنطقة، وتتصادف مع سطوع نجم الشيعة، الذي بلغ مستوى من الصعود لم يكونوا يحلمون ببلوغه منذ عقود مضت.

وفي هذا العام نجحت إيران بجدارة بإشعال النار المذهبية والطائفية في المنطقة إلى أجل غير مسمى، ومن دون أن تخسر دولة الممانعة “الأم” الكثير من الرصاص والصواريخ، حيث يُحسب لها عدم   توريط حرسها وجيشها النظامي بشكل كثيف؛ في الأزمات الإقليمية، وقد تمكن داعشو نظام الملالي من إشغال المنطقة بالفوضى غير البناءة إلى أجيال قادمة.

ولا يحتاج المراقب السياسي إلى كثير من العناء والجهد ليرى حرص ولي الفقيه ومن لف لفه على تنفيذ حلقات المشروع التفتيتي وتجزئة المنطقة باستماتة غير مسبوقة بالتوازي والانسجام مع الغرب وروسيا وإسرائيل لتحقيق هذا الهدف.

 والمثير للضحك أنه ما يزال هناك من يركز في  إيران على الترويج لموضوع أهمية الوحدة والتكاتف بوجه المشروع التقسيمي، وأهمية  مواجهة الإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية بهذا الاتجاه، وكأن إيران قصَّرت في تقديم الخدمات الجليلة لحكام واشنطن وتل أبيب، لتحقيق هذا المشروع المخيف، وهي التي نسقت ضمناً مع  أمريكا وروسيا وإسرائيل، من خلال إحياء محور ما يسمونه مواجهة السنة تحت عنوان (الإرهاب السلفي التكفيري)، واستحدثت بشكل ممنهج أجواء الحرب الباردة بشكلها المذهبي، وطرحت شعار (كلنا واحد لمواجهة الخطر التكفيري)، والأكثر غرابة أن الجميع على يقين أن ما يعصف بمنطقة الشرق الأوسط هو تطبيق عملي  للمشروعين الغربي والإسرائيلي – الإيراني؛ فإيران حافظت على دورها كأداة مهمة لإدارة الفوضى الخلاقة، ومحاولة تجسيد مفهوم الشرق الأوسط بحلته الجديدة، من خلال تكوين دويلات تشمل أقليات صاعدة وطامحة، ومحاولة التأسيس لكانتونات تحت رعاية دولية وإقليمية.

الغريب فعلاً أساليب الاستهزاء الإيراني بالعقل العربي، من خلال التعامل مع موضوع الإرهاب، وتجاهل الأسباب الكامنة وراءه، ودور إيران الفاعل التي أفضت إليه، فها هي طهران تتحالف مع موسكو، وتل أبيب، وواشنطن لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة، وهندسة تقسيمها وفق رؤية مذهبية –طائفية، بعد أن عصف بها الإرهاب الإيراني بلباسه المذهبي المقيت، وقد أطلقوا عليه صحوة أو ثورة مذهبية ضد الظلم والطغيان على حد تعبير علي لاريجاني، وها هي دولة ولي الفقيه التي أشرفت بمؤسساتها الدموية على تحويل سوريا ولبنان واليمن إلى كرة نار ملتهبة تتدحرج لتآكل الأخضر واليابس في تلك الدول .

فإيران لا تتوانى عن صب الزيت على النار، وإعطاء الضوء الأخضر لأدواتها ووكلائها وخلاياها النائمة، لمحاولة تكرار سيناريو إشعال دول المنطقة، وعلى مقياس متعدد الدرجات، واستهداف أمنها واستقرارها، كما فعلت في العراق وسوريا ولبنان، ومن الخطأ الاستراتيجي أن يظن أحد أنه بإمكان إيران الاستمرار بالعربدة وممارسة دورها التخريبي من دون ضوء أخضر أمريكي- روسي – إسرائيلي، وبالتالي فإن كل ما يتم الحديث عنه عن الاتفاق الأمريكي ـ الروسي الذي تحول إلى إرادة دولية، لوقف الأعمال العدوانية ضد الشعب السوري، قد يتحول في أية لحظة إلى خطة جديدة لتوسيع النفوذ الإيراني متى أرادت ذلك، لأن هدنة إطلاق النار لم تتعرض لها ولعصاباتها ومليشياتها.

الأمر الثاني عدم تعرض الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل، للحد من النفوذ الإيراني المتعاظم من خلال واقع الأزمات الإقليمية عموماً، والسورية على وجه الخصوص، مما يؤكد خطورة غالبية السيناريوهات المحتملة، وما يحاك للمنطقة من مؤامرات، ويعني أن واشنطن وموسكو، وتل أبيب أقرت بضرورة وأهمية المشروع التفتيتي، ودور طهران المحوري به، ولكي تتضح الصورة أكثر لا بد من التوقف عند عدد من النقاط المهمة:

1- التسليم بدور إيران وميليشياتها الإرهابية وعدم استهدافها:

المتابع للسلوك العدواني الإيراني يدرك حجم النتائج الكارثية التي تتمخض عنه، ويعكس مدى الحقد المذهبي والطائفي والرغبة الجامحة بالانتقام، وارتكاب سياسات تعبر عن ذلك من خلال حشد المليشيات الطائفية من كل حدب وصوب لقتال الشعب السوري، الأمر الذي قابلته واشنطن وموسكو وتل أبيب بالرضا والقبول من خلال عدم استهدافها، أو حتى عدم الإشارة إليها في القرار الدولي، مع تصاعد  احتمال اشتعال النار في منطقة الشرق الأوسط عموماً.

وعلى هنا فإننا نثمن السياسة  السعودية لاستصدار قرار من مجلس التعاون بتصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية، آملين أن يتبعها خطوات ضد  الحرس الثوري، وفيلق القدس ومليشيات الحشد الشعبي، وكتائب أبو الفضل العباس ومثيلاتها من مليشيات إيران ووكلائها والمتعاونين معها ومن المسؤولين عن اهراق دماء الشعب السوري والعراقي واللبناني واليمني، وضرورة وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته وتعرية دعاة الإرهاب أمام العالم .

ومن المؤكد أن معطيات الواقع تؤكد حالة الرضا التي أصابت الشارع العربي والإسلامي وحتى الإنساني دعماً للقرار الخليجي  والعربي على اعتبار حزب الله منظمة إرهابية، وإثبات أن فكرة  اعتباره حركة مقاومة باتت كذبة كبرى لا تنطلي على عاقل .

الأمر الثاني أنه لا بد من تصحيح الخلل الاستراتيجي في موازين القوى في الدول التي تنشط فيها إيران، وفي مقدمتها سوريا  ولبنان، ونقل المواجهة مع إيران إلى داخل حدودها، وتفعيل ساحات المواجهة المفتوحة مع دولة ولي الفقيه، وإرغام الأفعى الإيرانية  المتمددة على إخراج رأسها من الجحور التي تتخفى بها، لبث سمومها، مهما تكلف الأمر.

ولا شك أن تكامل الاستراتيجيات الأمريكية – الروسية – الإيرانية  – الإسرائيلية  سيخلف الكثير من  الكوارث والمخاطر، ولا يجوز الركون إلى أن القوى الدولية مهتمة بأمن المنطقة واستقرارها؛ خصوصاً أن صواعق التفجير كثيرة ومستجدة، بدءًا من الأزمات الإقليمية التي يجب أن يتم تصفية النفوذ الإيراني فيها تباعاً، وإلا  سيبقى الباب مفتوحاً على جميع الاحتمالات الجهنمية، وانتهاءً بنقل المواجهة إلى الداخل الإيراني إذا ما استمرت على نهجها المدمر. ومن هنا فإن محاولات إيران للمصالحة مع السعودية وتركيا، يجب عدم تصديقها، وسنكون ساذجين إذا صدقنا حديث إيران وألاعيبها.  

 2- الأزمات الإقليمية وإيران: ضرورة ضمان بقائها برميل بارود مشتعل

الأزمات الإقليمية العربية باتت مسرحًا للعمليات العسكرية، بعد أن تكالبت عليها الجيوش الإقليمية والدولية؛ وهذا يستدعي منا أن نتساءل: لماذا هذا التكالب الإقليمي والدولي، والحرص على بقاء الإقليم العربي” السني” مشتعلاً؟

الجواب على هذا التساؤل بسيط ولا يتطلب دراسات مستفيضة وموسعة، وباختصار يمكن القول إن هناك مؤشرات خطيرة، تتطلب التعامل معها بمنتهى الحرص والجدية بدءاً بالتهديدات الإيرانية،  والحديث المتكرر عن سيناريو الخطة “ب” والفوضى الخلاقة والفيدرالية، ورفع سقف التصريحات من جانب وكلاء طهران باستهداف الدول العربية وأمنها، لا سيما حزب الله ومن شايعه، مع الأخذ بالحسبان طبيعة التحالف للحرب على داعش، وموقف إيران والنظام السوري الملتبس، ودورهما في تقويته ودعمه لوجستياً وعسكرياً ومخابراتياً، وإجماع موسكو وواشنطن وطهران والنظام السوري حتى الآن، ورفضهم تدمير داعش، وسعيهم جميعاً لتحطيم المعارضة ” السنية ” المعتدلة، وإذا أضفنا إلى ذلك المساحات الجغرافية التي أعاد داعش السيطرة عليها في العراق وسوريا بدون إطلاق رصاصة واحدة مرة أخرى وبقدرة قادر؛ أي أن العملية  باتت تسليم واستلام وكأنهم يريدون العودة بالسوريين والعراقيين  والدول العربية وتركيا معهم إلى المربع الأول.

وفي الختام  يمكن القول إن الدول العربية وتركيا تعيش تحديات  خطيرة ومصيرية، ولا يمكن تحت أي ظرف تجنيب المنطقة  تداعيات أي انفجار محتمل في حال التردد ولو للحظة واحدة عن مواجهة إيران وبقوة، لأنها الخطر رقم واحد على الأمن الإسلامي، وهذا يعني أن تبقى هذه الحقيقة قائمة أمام أعين القيادات العربية والإسلامية، فضمان تجنيب الشرق الأوسط مغبة الاشتعال في أية لحظة مرهون بلجم رعاة الإرهاب؛ وفي مقدمتهم إيران، وإبقاء بوصلة الطائرات الحربية، والمدفع والبندقية وأجهزة المخابرات متجهة  نحو دولة ولي الفقيه؛ لأنها السبب الرئيس في كل ما تشهده المنطقة من اضطرابات ومخاطر، والتي يجب عدم الاستهانة بها  مهما حاولت التظاهر بالوداعة واللين.

…………

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Comments

comments

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …