“عين جالوت” … يوم حول السلطان قطز سهول فلسطين إلى مقبرة للمغول


وجدي بن مسعود

هي موقعة من أعظم وأمجد أيام العرب والمسلمين عبر التاريخ، ولا يقصد باستعمال عبارة “يوم” عند هذا المقام الإشارة الى الإطار الزمني الكلاسيكي، بل استحضار المصطلح الذي يستعمله الرواة والمؤرخون في سرد وقائع الحروب والمعارك التي خاض العرب غمارها وسطروا بطولاتها، منذ “يوم ذي قار” في الجاهلية في مواجهة الجيش الفارسي الساساني دفاعا عن شرف هند بنت النعمان أميرة المناذرة، وصولا إلى معارك القادسية وحطين والزلاقة في الأندلس.

لا تقل الأمجاد التي سطرتها ملحمة عين جالوت عن سائر “أيام العرب” الحافلة بالانتصارات والبطولات، بل إن أهميتها الاستراتيجية والنصر الذي تحقق خلالها يفوق بحسب بعض الباحثين ما أنجز على يد القائد صلاح الدين الأيوبي باسترجاع القدس بعد أكثر من قرن على احتلالها.

فالوجود الصليبي بالمشرق العربي والذي استمر طوال قرن ونصف لم يمثل تهديدا وجوديا حقيقيا للحضارة العربية والإسلامية، ولم ترتق جرائم الحرب والمذابح التي اقترفتها بعض الجيوش الصليبية إلى مستوى الإبادة الشاملة للبشر والتدمير الممنهج للمدن والعمران والمعالم الحضارية والمعرفية، مثلما شهدها العالم العربي لاحقا إبان غزو التتار.

سقوط بغداد

كانت “عين جالوت” المواجهة التي حددت مصير المشرق العربي، وأنقذت دمشق أقدم حواضر العالم، وثاني أهم عاصمة إسلامية من المصير المروع الذي عرفته بغداد قبلها بأسابيع قليلة.

هو نصر ولد من رحم النكبة المروعة التي أحاقت بالمسلمين بعد سقوط بغداد قلب الخلافة العباسية، ومقتل الخليفة المستعصم بالله بعد أن جنح إلى الاستسلام وتسليم عاصمته إلى الطاغية المغولي “هلاكو” كنتيجة لاستشراء الضعف والوهن في جسد الدولة، وعجزه عن تجهيز وتعبئة جيش يدفع خطر الزحف الهمجي الذي يتهددها، وبعد أن هيئ له مستشاروه وبطانته أن الركون إلى تعهدات “هلاكو” كفيل بحقن دماء المسلمين في صورة تسليم المدينة طوعا.

سقطت بغداد وخربت البصرة، منبئة أن هؤلاء القادمين من أقصى مرتفعات آسيا كمثل الطوفان المدمر الذي لا يبقي ولا يذر، فلم تسلم أحياء “دار السلام” من الكرخ إلى الرصافة، ولا معالمها الثقافية والعلمية من تنكيل التتار المتعطشين لسفك الدماء والتخريب، حتى حدث الرواة ومن عاصروا تلك الحقبة عن اصطباغ مياه نهر دجلة بلون الحبر الأسود، بفعل ما ألقي فيه من آلاف الكتب والمخطوطات بعد إحراق بيت الحكمة وتسويته بالأرض.

بعد سقوط بغداد ونهبها واصل المغول خطتهم التوسعية التخريبية، والتي ترتكز إلى التقدم السريع باتجاه حواضر الشام وفلسطين، معتمدين استراتيجية الأرض المحروقة وتخريب كل ما يعترضهم بهدف بث الرعب والصدمة في قلوب السكان والحاميات العسكرية المكلفة بحماية المدن، ما يضمن انهيارها سريعا دون الحاجة إلى خوض معارك طويلة تستنزف جهود الجيوش الغازية.

ملحمة قطز المملوكي

لا يذكر عموم المصريين وأهل الشام مرحلة حكم المماليك بكثير من الود، لما قاسوه من النوائب والمحن طوال فترات البعض من سلاطينهم والذين أمعنوا في اضطهاد الناس، فضلا عما تميزت به تلك الحقبة من انعدام الاستقرار السياسي وانحدار حضاري وتشرذم في جسد الأمة العربية والإسلامية.

الإرث التاريخي السيء للفترة المملوكية، لم يحل دون بروز عدد من المماليك العظام الذين دون لهم التاريخ بطولات عسكرية لافتة وانتصارات أعادت الاعتبار للمسلمين والعرب، وعلى رأسهم السلطان قطز بطل موقعة “عين جالوت” بعد أن نجح في توحيد الصفوف وانهاء الصراعات الداخلية بين القادة المماليك، واستنهاض الهمم للجهاد.

اندحار الغزاة

في الثالث من سبتمبر/أيلول 1260 ميلادي الموافق للخامس والعشرين من شهر رمضان، كمن القائد سيف الدين قطز ومقدمة جيشه خلف التلال المحيطة بسهل عين جالوت، في فخ عسكري نصب بإحكام للجيش المغولي قبل أن يبدأ في التحرك باتجاه السهل.

هيئت الانتصارات السهلة التي حققها الغزاة لقائدهم “كتبغا”، إعطاء الأمر بالهجوم والانقاض على مقدمة المسلمين ضنا منه أنها كامل قواتهم.

اندفع المغول الذين كانوا مقاتلين أشداء بالسليقة لكنهم يفتقدون إلى مهارات التخطيط الحربي في محاولة للإجهاز على الجيش الإسلامي، حيث فوجئوا بحصارهم من سرايا الميمنة والميسرة، قبل أن يطبق عليهم قلب الجيش بعد إغلاق المدخل الشمالي للمنطقة، ما أدى إلى إبادة جيش المغول برمته ومقتل قائده لتتحول ساحة المعركة الواقعة قرب مدينة بيسان في فلسطين إلى مقبرة للغزاة.

أبانت موقعة عين جالوت عن تكتيك عسكري فذ للسلطان قطز الذي قاد المعركة، كما أنبئت عن عبقرية وألمعية للقائد الظاهر بيبرس والذي سيكون له شأن كبير لاحقا في التاريخ الإسلامي، لكن أهميتها الاستراتيجية الأبرز تمثلت في إلحاق أول هزيمة بجيش المغول الذي لا يقهر منذ أيام جنكيز خان، ما جعلها إحدى أبرز المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي.

كان للمعركة أثر هام في تغيير موازين القوى في المشرق العربي، فقد تسببت خسارة المغول في المعركة في تحجيم قوتهم، ولم يستطع هولاكو بعدها إيفاد قوة عسكرية جديدة لمحاولة غزو دمشق، بعد أن اندحر قائده “كتبغا” على أسوارها وكان أقصى ما فعله ردا على هزيمته هو إرسال حملة انتقامية أغارت على مدينة حلب.


Comments

comments

شاهد أيضاً

في الذكرى الثامنة لأبشع مذبحة للمصريين .. أول دراسة موثقة للفض الدموي في رابعة ترصد 1014 شهيدا

تحل هذه الأيام الذكرى الثامنة لواحد من أهم الأحداث التي وقعت في العقد الثاني من …