حثّ علماء وفقهاء، الموسرين والمقتدرين ماليا، إلى تقديم موعد زكاة أموالهم، دون انتظار حلول شهر رمضان، وذلك لمواجهة التحديات الاقتصادية لفيروس “كورونا”.

فمن جانبه قال الشيخ عكرمة صبري في فتوى مكتوبة: “نحثّ الموسرين والمقتدرين ماليا، على تقديم موعد زكاة أموالهم، ولا داعي للانتظار حتى حلول شهر رمضان المبارك، فإنه يجوز شرعا إخراج الزكاة قبل موعدها المحدد”.

وأضاف: “في الوقت نفسه، لا يجوز التأخير عن موعد إخراج الزكاة، والمعلوم أن الزكاة هي ركن من أركان الإسلام، وهي واجبة على الموسرين والمقتدرين ماليا”.

وتابع الشيخ صبري “أما عن تقديم موعد أداء الزكاة في هذه الأيام؛ لأننا نمر بوضع اقتصادي حرج نتيجة تفشي وباء كورونا، وتعطيل معظم مرافق الحياة الاقتصادية والتجارية والمالية، وبهذا أُفتي”.

وثمّن الشيخ صبري “جهود المبادرين الطيبين الذين قاموا بجمع التبرعات والمساعدات، للوقوف بجانب المتضررين والمعوزين في هذه الأيام الصعبة القاسية، وبخاصة فئة العمال”.

كما دعا الفقيه المغربي البارز مصطفى بنحمزة الناسَ إلى تقديم الزّكاة قبل موعدها للأسر المعوزة والمحتاجين، وإلى الصندوق المخصّص لتدبير الجائحة.

وقال مصطفى بنحمزة، عضو المجلس العلمي الأعلى، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إنّ الأصل في الزكاة أنّها تجب بعد مرور الحول بالنسبة للأموال، لكن الفقه الإسلامي اعتبر أنّ هناك حاجات تستدعي أن تُقَدَّم الزكاة، وانتهى الفقه المالكي بعد نقاش إلى جواز تقديمها بنحو شهرين.

وأضاف مصطفى بنحمزة أنّ هناك فقها آخر، هو فقه أبي حنيفة وقولٌ لأحمد ابن حنبل بأنّ الزكاة يمكن أن تقدَّم لسنتين، وقال: “قد قدّم النبي صلى الله عليه وسلم زكاة عمّه العبّاس قبل إبّانِها بسنتين”.

وأضاف: “لا نعيش الآن ظرفا عاديا، بل نعيش ظرفا خاصّا استثنائيا، وحالةَ ضرورة، وفقه الضرورة هو غير الفقه العادي، ونحتاج أن نُسْعِفَ النّاس ويجدوا أن الإسلام هو الذي يقدّم لهم يد العون، ولذلك لا بدّ أن نصير إلى الأقوال التي تقول بتقديم الزكاة، وهي أقوال فقهاء مسلمين كبار، ولهذا يجوز إخراجها الآن”.

وذكر الفقيه ذاته أنّ “مع استمرار الجائحة اليوم، هنالك حاجة للمعالجة الفورية، فالنّاس يحتاجون الطّعام، ويحتاجون شيئا مما يَسْتَبقيهِم في بيوتهم”، وقال شارحا: “فُرِضَ على النّاس الحجر وهو مفيد ونافع، ونرى أن تمدّد هذا المرض بالمغرب ليس بالسّرعة التي يتمدّد بها في دول أخرى، وإذا أردنا أن نحافظ على هذا النظام، لا بدّ أن نعطي للنّاس إمكانات البقاء في بيوتهم، وأهمّ ما يطلبه الناس الطّعام؛ فإسْعَافُ الناس يصير واجبا حمايةً لهم وحماية للآخرين؛ لأن كلّ من يخرج من بيته يمكن أن ينقل الوباء إلى جهات كثيرة”.

وشدّد مصطفى بنحمزة على ضرورة “المسارعة إلى إنجاد هؤلاء المحتاجين، مع تنظيم ذلك لأن هناك من سيتطلّع ومن سيستغلّ اللحظة… وهو ما يتطلّب أن ينظر الإنسان إلى الفقراء الذين يعرفهم، ويعرف من وضعِهِم ومن سكنهم ومن أحوالهم أنّهم فقراء، لأنه لا بدّ أن يبقيهم في بيوتهم عن طريق هذا العطاء”، ثم أضاف: “الحمد لله، بعض المغاربة يقومون بذلك في بعض الأسر والأحياء”.

وأوضح رئيس المجلس العلمي المحلي بوجدة أنّ “هذه الزكاة يجب أن يدفعها الإنسان إلى الأقرَب فالأقرب، فإذا وجد أمامه فئة محتاجة فلا يذهب إلى غيرها، لأنه إذا كان يعرف من الواقع ومن تقصّيه أنّ هنالك فقراء يعرفهم بأعيانهم، أو أناسا يعرف أحوالهم من هؤلاء الذين تقطّعت بهم السّبل وتوقّفت مصادر عيشهم، فهم الأوّلون إن استطاع”.

وأضاف المتحدّث أنّ “على الإنسان أن يضع في الاعتبار الصندوق الخاصّ بتدبير الجائحة؛ لأن التبرع له هو تبرّع لعموم النّاس، فقرائهم وأغنيائهم، لأنه صندوق للمواطنين كلِّهِم”، واسترسل شارحا: “لا شكّ أن الجميع يصير في مثل هذه الحالة شبه فقير؛ لأن الغني قد يكون عنده المال لكنّه قد لا يستطيع أن يجد جهازا للتنفّس مثلا، فيصير فقيرا ولا يغني ماله عنه شيئا. وهذا الصندوق يدعم وزارةَ الصحة لشراء هذه الأجهزة التي تتطلّبها اللحظة”.

واعتبر بنحمزة أنّ “المبادرات التي قام بها هذا الصندوق مطمئنة ومشجِّعَة للنّاس الذين رأوا أن التجهيزات وصلت ووُزّعت”، مضيفا: “لا ندري، فهناك دائما نفقات إضافية، والصندوق يعطي الآن للمنقطعين الذين فقدوا أعمالهم، فالمستفيد الأكبر منه هو الفقراء، ولذلك إذا أعطى الإنسان له فإنّما يُعطي للفقراء والمساكين”.

وأصدرت اللجنة الشرعية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية، برئاسة الدكتور ثقيل ساير الشمري رئيس اللجنة الشرعية فتوى بجواز تقديم زكاة المال، وخصوصاً في هذه الأيام التي يجتاح فيها وباء كورونا (كوفيد -19) العالم وقد تضرر كثير من المحتاجين والفقراء.

وفيما يلي نص الفتوى الصادر عن اللجنة ” فالزكاة هي ثالث أركان الإسلام التي بُني عليها، لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي ? قال: “بُني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً”. رواه البخاري ومسلم.

وقد قرن الله تعالى الزكاة مع الصلاة في كتابه الكريم في ثمانية وعشرين موضعاً منها قوله تعالى:” الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ” (سورة البقرة: 4). وقال : الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ”. (سورة الحج:41).”

والزكاة لها في الإسلام مكانة عالية يتم فيها تحقيق العبودية لله وشكر نعمته، وتطهير المزكي من الذنوب ومن الشح والبخل، وتطهير المال المزكَّى وتنميته، وفيها مواساة الفقراء وتحقيق التكافل الاجتماعي، قال تعالى: “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا”. (سورة التوبة:103) وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز لصاحب المال أن يُعجِّل إخراج زكاة ماله قبل موعد الوجوب بشرط مِلك النصاب، وإذا لم يكن عنده مال ولا يملك النصاب فإنه لا يجزئ إخراج الزكاة والحال كذلك لأنه يكون قدمها على سبب الوجوب وهو ملك النصاب ، قال ابن رجب الحنبلي في القواعد : العبادات كلها -سواء كانت بدنية، أو مالية، أو مركبة منهما- لا يجوز تقديمها على سبب وجوبها، ويجوز تقديمها بعد سبب الوجوب وقبل الوجوب، أو قبل شرط الوجوب. ثم قال (ومنها زكاة المال يجوز تقديمها من أول الحول بعد كمال النصاب ) ومعنى ذلك أنه لا يجوز تقديم العبادة قبل وجود سببها لأن السبب هو الموجب، والسبب يعرفه الأصوليون بأنه الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، فتقديم العبادة قبل وجود سببها لا يصح، فلو قدّم الزكاة قبل ملك النصاب فغير جائز، ولكن قبل حولان الحول مع ملك النصاب فيجوز لأن تقديم العبادة على شرط الوجوب جائز قال المرداوي في الإنصاف: (ويجوز تعجيل الزكاة عن الحول إذا كمل النصاب. هذا المذهب وعليه الأصحاب وقطعوا به ، نقل الجماعة عن الإمام أحمد لا بأس به، لحديث علي رضي الله عنه : أن العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعجيل الزكاة فرخَّص له في ذلك). رواه الترمذي وأبو داود.”

“فإن تعجيل الزكاة من مصلحة مستحقيها، وتأخيرها إلى وقت الوجوب من مصلحة صاحب المال، فإذا رضي صاحب المال لنفسه التعجيل فإنه يجوز. وبناءً على ما سبق فنرى: جواز تقديم زكاة المال، وخصوصاً في هذه الأيام التي يجتاح فيها وباء كورونا /كوفيد -19/ العالم وقد تضرر كثير من المحتاجين والفقراء، سيما والمسلمون يستقبلون قريباً شهر رمضان المبارك، فإذا وجدت المصلحة الشرعية في التعجيل فهو مستحب ويُعدُّ من الأمور الفاضلة المطلوبة مراعاة لمصلحة الفقراء وسد حاجتهم لأن ذلك يعتبر من مقاصد الشريعة.”