في ذكراها الثالثة.. “رابعة” قصة وطن .. مازال الجرح ينزف

“انقلبوا على الرئيس الشرعي للبلاد وأخفوه في مكان غير معلوم، ثم أعلنوا انقلابهم العسكري على مرشح الثورة، لم يكتفوا بذلك بل ضاق صدرهم بهؤلاء المعتصمين السلميين الذين جاءوا من كل فج لا يريدون سوى الحق والعدالة ورفض الظلم وعودة الحق لأصحابه، فقرروا قتلهم وجرفهم بالجرارات”.

“رابعة الصمود والبقاء والجهاد والثبات والتبتل والعبادة، رابعة الريادة والشهادة”..

هكذا يقول المفكر الإسلامي وصفي أبو زيد عن ذكرى رابعة, مضيفًا: “إنها مذبحة القرن التي لم تشهدها مصر في التاريخ، ولا فعل بها أعداؤها ما فعله بها العسكر ومن والاهم في ذلك اليوم، ولا فعله الصهاينة في حروبهم جميعا ضد مصر”.

ويؤكد أن رابعة شمس لا تغيب، وستظل مذبحتها لعنة على من قام بها، ومصدرَ إلهامٍ للأحرار والشرفاء في العالم، حاضرًا ومستقبلا، ولن يُفلت مجرمٌ من القصاص الذي هو آتٍ لا ريب فيه.

أهل رابعة

هم الأحرار؛ أنصار الشرعية, جاءوا من كل محافظات مصر،  سلميين لا يملكون سلاحاً ولا عتاداً؛ ليدفعوا به عن أنفسهم، جاءوا فقط بغية الدفاع عن صوتهم ورئيسهم، لكن غدر بهم الانقلاب الذي لم يألُ جهداً في تصفيتهم وإبادتهم بعدما نجح في شيطنتهم وتحويلهم إلى فزاعة للداخل والخارج.

يوم الاقتحام

وفي صبيحة يوم 14 أغسطس عام 2013، استيقظ المعتصمون في ميداني رابعة والنهضة على أصوات الرصاص من كل حدب وصوب، وقنابل الغاز وخراطيم المياه التي لاحقتهم. ظل المعتصمون يصدون الرصاص والدبابات والعربات المصفحة بأيديهم، حتى خارت قواهم وضعفت أمام هذا السيل المنهمر عليهم من كل مكان.

قتلت قوات أمن الانقلاب المدعومة بالجيش العشرات في يومٍ دامٍ في تاريخ مصر لم تشهد مثله، حيث أزهقت الأرواح وامتلأ ميدانا “رابعة” و”النهضة” بدماء المعتصمين.

تفرق دماء أهالي رابعة

تفرقت دماؤهم بين الأحزاب وتناولتهم وسائل الإعلام  – التي أيدت الانقلاب- بالأذى حتى بعد الوفاة، فسمتهم بقتلى الإرهابيين، وقامت قوات الأمن بإلقاء جثثهم في صناديق القمامة باستخدام الجرافات وحرقت عشرات الجثث بشكل وثقته الصور ولازال محفورًا في وجدان الملايين حتى الآن.

ذكرى لن تمحى

لم تُمحَ هذه المجزرة من ذاكرة المصريين، وأراد النظام محوها فسمى ميدان رابعة باسم ميدان “هشام بركات”، نائب عام الانقلاب الراحل، وغيّر ملامح شكل ميدان النهضة، لكن الدماء التي سالت فيهما لازالت رائحتها تنبعث من بعيد فترسل رسائل صادمة للقائمين على الانقلاب.

من جهته يقول أحمد عبدالجواد، رئيس حزب “البديل الحضاري”، إن “‏رابعة قصة وطن” أصبحت أكبر رمز إنساني عرفته مصر قديماً وحديثاً مهما حاول معدومو الإنسانية والضمير القول بغير ذلك.

وأضاف عبدالجواد في تصريح خاص إن” السيسي ارتكب وعصابته مجزرة رابعة والنهضة، لا ليحمي الوطن من حرب أهلية كما ادعى، ولكن لإنقاذ دولة الفساد التي كادت أن تنتهي”.

أما البرلمانية السابقة عزة الجرف فتقول إن الذكرى الثالثة لمجزرة ‫‏رابعة و‫‏النهضة تمر علينا, وعلى كل منا أن يسأل نفسه: ماذا قدم حتى الآن لنصرة الحق وإعلاء قيمة الحرية؟ والأهم هو ماذا يمكن أن يقدم؟ هل مازالت القضية حية في قلبك تقدم لها أقصى ما تستطيع أم شغلتك نفسك والدنيا بهمومها؟. إن أهل الباطل ظلوا خمس سنوات كاملة لا يكلون ولا يملون كذبا وقتلا ويعيثون في الأرض خرابا وظلما وعدوانا ولم ييأسوا .

وتابعت في تصريح لها: “نريدها ذكرى ننصر بها الحق ولا نريد بكائيات, فالقلب يبكيهم حتى يوم النصر والقصاص, وهذا يكفي. لا تتأخر عليهم فهم ينتظرونك، تحت الثرى، وفي زنازين العسكر، وفي الشتات لا تتأخر عليهم وشارك بما تستطيع، مختتمة: “صامدون .. صابرون .. مرابطون حتى نستعيد مصرنا الحرة”.

الجانب الحقوقي

دماء لم تجف، ودموع مازالت تُسح، ووجوه فارقتها الابتسامة حزنًا على ذويهم المفقودين والمصابين والمطاردين، ظنوا ذات يوم أن الإنسانية تمنع بني جنسهم من إبادتهم فأعلنوا اعتصامهم في “الميادين”؛ لكن حدث ما لم يتصوروه.

قضايا حفظت في أدراج المحاكم، وتحقيقات لم تتم، وحقوق لم ترد، مظلوم يداه مكبلتان، وجانٍ يرتع فوق البسيطة، وذوي قتلى ومصابين خائفين من الشكوى حتى لا تطولهم يد الاتهام.

” 2007 عدد قتلى اقتحام رابعة العدوية، منهم 1250 شهيد في ثلاث أيام من “14-17” أغسطس 2013

772 عدد المقبوض عليهم أثناء الاقتحام طبقا لمحضر اقتحام رابعة

37 مختفٍ قسريا غير معلوم مكانهم حتى الآن

عدد المصابين غير محصور خوفا من الملاحقة وتفرقهم في المحافظات”

كانت هذه إحصائية اللجان الحقوقية المصرية عن القضية التي حملت رقم ١٥٨٩٩ لسنة ٢٠١٣ إداري أول مدينة نصر وتسمي “فض اعتصام رابعة”.

يقول المحامي الحقوقي عزت غنيم إن الأسر لم تتوجه للنيابة العامة؛ خوفا من توجيه اتهامات ضدهم في ذات القضية، وتجنبًا لملاحقات الجهات الأمنية؛ لأنه لا يوجد قانون لحماية الشهود, حسب قوله.

وعن ما وصلت إليه التحقيقات قال غنيم لـ”علامات أونلاين”، إن القضايا والتحقيقات موجودة داخليا؛ لكن الأسر لم تتحرك، والقاتل معروف، النائب العام على علم ولم يتحرك إلى الآن.

لن نستسلم ولن نتراجع

وقد وجه محمد عبد الرحمن المرسي، مسؤول اللجنة الإدارية العليا بجماعة الإخوان المسلمين، رسالة إلى الثوار، بمناسبة الذكرى الثالثة لمذبحة رابعة، قائلا: “لن نستسلم، ولن نتراجع، ولن نفاوض، سنستمر في ثورتنا بإذن الله، حتى يسقط الانقلاب، ولن نتازل عن أي مطلب من مطالب الثورة”.

وقال – في رسالة صوتية له الجمعة- إن “دماء الشهداء وآلام الجرحى والمعتقلين لن تضيع هباءً أبدا، وهذا حكم الله – عز وجل- ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب، ولن يفلت المجرمون من العقاب”، مؤكدا أن “هذه الدماء الزكية التي أراقها المجرمون هي وقود الثورة وصانعة طريق الحرية”.

وأضاف المرسي, الذي يشغل منصب عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان: ” يا شعب مصر العظيم، أيها الثوار الأحرار، يا من قدمتم كل هذه التضحيات هلموا إلى الشوارع والميادين كي نواصل ثورتنا وننقذ وطننا، فإما عشنا أحرارا أو متنا كراما، فلن نترك أمتنا تخضع لحكم “العسكر” ما بقينا أبدا”.

وتابع :” لن ترهبنا سجونكم أو رصاصاتكم أو أدوات تعذيبكم، فكل هذا تحت أقدامنا، صدورنا مفتوحة، وأيدينا ترفع أعلام الحرية، وحناجرنا تهتف بكل قوة: نريد الحرية.. نريد العدل.. و”يسقط يسقط حكم العسكر، نموت فداء أمتنا لتنهض”، نحن فداء لديننا حتى ينعم العالم كله بشريعة الإسلام، شريعة العدل والسلام”.

على الجانب الأخر استطرد قائلا: “لن ننساكِ يا فلسطين، فعلى أرضنا تبدأ خطوات التحرير. لن يهدأ لنا بال أو يغمض لنا جفن أو نستكين حتى نحرر أقصانا (المسجد الأقصى)، ثورتنا مستمرة مادام فينا قلب ينبض، وبإذن الله ستنتصر إرداة الشعب.. إرادة الثورة، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.

واختتم “المرسي” بقوله :” الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.. والله أكبر ولله الحمد”.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …