في مصر .. العسكر فوق والشعب تحت

منذ خمسينيات القرن المنصرم، حينما عمد جمال عبد الناصر إلى تثبيت أركان الحكم العسكري الذي جاء بعد انقلاب على الملكية بمصر، والعسكر هم المتحكمون والمنفذون بالبلاد.

 يتزاوجون مع المال والإعلام لخلق مجتمع طبقي بعيد عن اللحمة الأصلية للشعب المصري, ترتبط به قاعدة من المستفيدين من رجال الأعمال والسياسيين وبعض الهيئات الخادمة لهم كالفنانين والقضاة والمؤسسة الشرطية.

بعد قيام ثورة 25 يناير وما تبعها من أحداث أدت إلى الانقلاب على أول رئيس مدني للبلاد والزج به بالسجن, اختلف الأمر .. فقد عمد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي إلى التأسيس الثاني والأقوى لدولة العسكر في مصر؛ هذا التأسيس الذى حاول جاهداً ومازال أن تجعل مفاصل الدولة جميعاً في يد السلطة العسكرية, بل إن الطبقة المستفيدة من العسكر تقلصت وأصبح العسكر المهيمن الوحيد على القرار في مصر، وأصبح هم سلطة الانقلاب الأول كيف ترضي الجيش وقياداته وأفراده, بزيادات في المرتبات والمخصصات والحوافز, إلى تفصيل القوانين والتشريعات التي ترضيهم وتبقيهم أطول فترة ممكنة، والمتاجرة في قوت الشعب والمواد الغذائية إلى التكليف – بالأمر المباشر-  بتنفيذ المشروعات والاستثمارات الضخمة؛ ناهيك عن عدم المساءلة عن أي تصرف.

ويدعى رئيس الانقلاب أنه “مافيش وماعنديش”, فيما هو يزيد مرتبات الجيش كل ستة أشهر، وهو يزيد في فرض الضرائب على الشعب ورفع الدعم في الوقت الذى تُعفىَ فيه مشروعات المؤسسة العسكرية من أية ضرائب.

ونحاول هنا أن نرصد بعض مظاهر دولة العسكر التي تتفن في ” حلب” المصريين وقهرهم وافقارهم.

زيادات الرواتب والمعاشات والحوافز

في مصر؛ تنتشر نكتة سياسية لطيفة تشي بحجم الزيادات الرهيب في مرتبات ومعاشات ومخصصات الجيش حيث يقول النشطاء إن ” السيسي بيزوّد مرتبات وحوافز وبدلات ومعاشات الجيش كل اتنين وخميس”.

ففي الوقت الذى أطلق فيه قائد الانقلاب جملته الشهيرة لمن يطالب بزيادة مرتبات الموظفين قائلا “هتاكلوا مصر يعني؟!“, نجد أنه رفع مرتبات ومعاشات الجيش منذ انقلاب يوليو 2013 وحتى الآن 6 مرات بمعدل مرة كل ستة أشهر غير عابىء بما يزعمه من عدم وجود أموال بالميزانية للزيادة.

ومن هنا يتساءل النشطاء لماذا تنطبق الأوضاع الاقتصادية الصعبة على كل المصريين ما عدا الجيش والشرطة؟  وبالطبع تأتى الإجابة من قائد الانقلاب نفسه بزيادة جديدة لمرتباتهم بما يعني: نعم.. لا تنطبق عليهم.

وما ذلك لشيء إلا لأن قائد الانقلاب يحرص منذ الاستيلاء على السلطة على ضمان ولاء المؤسسة العسكرية بمنحها الامتيازات, التي لا تتوقف, على حساب الشعب الذي يزداد فقراً على فقر.

إعفاءات من الضرائب والجمارك

  في الوقت الذي تسعى فيه دولة العسكر إلى التقشف المزعوم وتطبيق زيادات في الضرائب وتوسيع الغطاء الضريبي لزيادة الحصيلة الضريبية نجد أن وزير الدفاع يصدر قراراً بقانون بإلغاء الضرائب العقارية عن منشآت تابعة للجيش، يتجاوز عددها 600 منشأة.

حيث نشرت الجريدة الرسمية في الثالث من يونيو العام الماضي 2015، قرار إعفاء العديد من المباني والمنشآت التابعة للقوات المسلحة وذلك حفاظا على الأمن القومي كما ذكرت الصحيفة!! وأكد القرار أن هذه المنشآت والمباني لا تخضع لحصر الضرائب العقارية لذلك فهي معفاة من دفع هذه الضرائب.

إلا أن المفاجأة الكبرى أن هذه المنشآت ليست منشآت عسكرية أو وحدات أسلحة أو غيرها ولكنها تحتوي على منشآت ترفيهية مثل دور عرض سينمائي ومسارح ونوادي رياضية وشاطئية وصالات بولينج ومخابز وفنادق واستراحات للضباط وشاليهات ومصايف ومنافذ بيع مواد غذائية ومجازر وكلها تابعة للقوات المسلحة.

وبالطبع هذا القرار لا يؤكد سوى النفوذ الذي تتمتع به تلك المؤسسة منذ تولي السيسي الحكم بعد الانقلاب العسكري.

ولم تتوقف امتيازات الجيش عند هذا الحد بل إن وزير مالية الانقلاب السابق هاني قدري قرر إعفاء الرسائل الواردة باسم وزارة الدفاع أو وزارة الإنتاج الحربي من الجمارك.

ونص القرار المنشور بالوقائع المصرية على تعديل بعض أحكام اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الإعفاءات الجمركية الصادرة بقرار وزير المالية رقم 861 لسنة 2005 ويستبدل بنص البند 1 من المادة 1 من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الإعفاءات الجمركية حسب التعديلات المقررة: أن تكون الرسالة واردة برسم وزارة الدفاع أو الهيئات أو الشركات أو الوحدات التابعة لوزارة الإنتاج الحربي أو لحساب أي منها أو تقديم ما يفيد ذلك من رئيس هيئة تسليح القوات المسلحة، وذلك بالنسبة إلى الرسائل الواردة لوزارة الدفاع أو رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للإنتاج الحربي أو نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للإنتاج الحربي والعضو المنتدب بالنسبة إلى الرسائل الواردة للهيئات والشركات والوحدات التابعة لوزارة الإنتاج الحربى.

بما يعنى أن أي رسائل للجيش سواء أسلحة أو سلع مستوردة بهدف الاتجار أو مواد خام يستخدمها في مشروعاته تكون معفاة من الجمارك بما يخل بمبدأ تنكافؤ الفرص مما تسبب في “تطفيش” رجال الأعمال من مصر.

بيزنس يضرب الاقتصاد ولا يفيده

من مصانع المكرونة وتعبئة المياه المعدنية ومزارع الدجاج والأسماك والمعدات الكهربائية إلى شركات تتخصص في أعمال المقاولات كالطرق والكباري والمباني.

لقد صرح يحيى حامد، وزير الاستثمار بحكومة د. هشام قنديل بأن وزارته بها 100 شركة ترأسها قيادات عسكرية تدر 168 مليار جنيه نصيب الدولة منها مليار واحد فقط والباقي يذهب الى الجيش وقياداته.. وكان هذا تصريحاً كاشفاً عن حجم بيزنس الجيش في البلاد.

بل إن هناك تصريحات لقائد الانقلاب نفسه لوكالة رويترز بأن 4 جهات عسكرية تعمل في مجال الإنتاج المدني وهى: 

 أولا: “جهاز مشروعات الخدمة الوطنية” التابع له عدد من الشركات تغطي مجموعة واسعة من القطاعات، منها شركات: النصر للكيماويات الوسيطة، العريش للأسمنت، الوطنية للبترول، الوطنية لإنتاج وتعبئة المياه “صافي”، مكرونة كوين، الوطنية لاستصلاح وزراعة الأراضي، النصر للخدمات والصيانة “كوين سيرفس”، مصر العليا للتصنيع الزراعي، مصنع إنتاج المشمعات البلاستيك، بخلاف قطاع الأمن الغذائي الذي يتبع الجهاز، وقطاعات السياحة والفندقة.

 ثانيا: الهيئة القومية للإنتاج الحربي التي تملك أكثر من 15 مصنعًا للصناعات العسكرية والمدنية (الأجهزة الكهربائية والإلكترونية بشكل أساسي).

 ثالثا: الهيئة العربية للتصنيع، التي تدير 11 مصنعًا وشركة في مصر تعمل في العديد من المجالات في الصناعات العسكرية والمدنية، ويباع 70 % من إنتاجها بالأسواق المصرية.

 رابعا: الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، التي تعمل في مجالات الإنشاءات العسكرية والمدنية، ومشروعات البنية التحتية والطرق والكباري، وبناء المدارس، ومجالات التنمية السياحية وتطوير المنشآت الرياضية، ومشروعات الإسكان الاقتصادي، والتخطيط العام للمدن.

هذا الحجم الضخم من البيزنس للجيش في الحياة المدينة بامتيازات وإعفاءات جمركية وضريبية, إضافة إلى ترسانة من العمالة الرخيصة الممثلة في مجندي القوات المسلحة الذين يعملون في شركات الجيش بأجور زهيدة, فضلاً عن إسناد المشروعات القومية والكبيرة وحتى المتوسطة والصغيرة لشركات الجيش, أضر بالاقتصاد المصري جداً من حيث غياب التنافسية وشيوع الاحتكار, لأن هذه الشركات لا تدفع ضرائب وتستحوذ على ما يقارب 40 % من حجم الأعمال بحسب مراقبين, وقد أضرت بمنافسيها, وأجبرتهم على مغادرة السوق, لأن شركات الجيش تتلقى المشروعات الكبيرة بالأمر المباشر.

تفصيل القوانين والتشريعات

لم تكن موافقة برلمان العسكر منذ أيام قليلة على مشروع قانون تعديل بعض أحكام قانون التقاعد والتأمين الخاص بالقوات المسلحة والذى نص على أنه يجوز بقرار من رئيس الجمهورية, إذا رأى ضرورة لذلك, مد الخدمة بعد السن المقررة للإحالة إلى التقاعد فى رتبة اللواء لمدة سنتين لمن يشغلون وظائف هذه الرتبة بالقوات المسلحة, لم يكن هذا التعديل وليد إجراء طبيعي أو حاجة ماسة لدواعي الأمن القومي بل كان من باب الزيادة في امتيازات كبار ضباط الجيش للسماح لهم بالبقاء أربع سنوات بعد سن المعاش يتمتعون فيها بمرتبات مجزية ومناصب كبيرة.

وقد جاءت الموافقة عليه من قبل النواب بعد يوم واحد من لقاء وزير الدفاع؛ صدقي صبحي، عددًًا من النواب للعشاء بأحد فنادق القوات المسلحة وهو اللقاء الذى طالبهم فيه  بتمرير القرارات بقوانين الداعمة للجيش بدعوى الحرب على الإرهاب، بحسب مصادر حضرت اللقاء.

القانون السابق وغيره الكثير من القوانين التي أصدرها قائد الانقلاب و”بصم” عليها برلمان العسكر كلها جاءت لتقنين فساد دولة العسكر والحفاظ على امتيازاتهم في وقت تعاني فيه أغلب فئات الشعب المصري من إفقار متعمد وإذلال لم تشهده من قبل لإخضاع الجميع تحت بيادة العسكر.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …