قطب العربي :حديث المصالحة .. لماذا موقف السيسي هذه المرة أكثر تشددا في رفضها؟


في حديثه الأخير الرافض للمصالحة السياسية مع معارضيه حرص الجنرال عبد الفتاح السيسي أن يكون إعلان هذا الرفض وسط قادة وضباط الجيش المصري بينما بدا أنه محاولة منه لإعادة أجواء انقلابه في 2013 حين أقنع المؤسسة العسكرية أو أطرافا كثيرة فيها بوجود خطر وجودي على مصر، يتمثل في احتمالات وقوع حرب أهلية بسبب حالة الاستقطاب السياسي القائم حينذاك والتي ساهم هو ورجاله في تأجيجها ليستغلها في الانقلاب على الرئيس المدني الذي أتت به ثورة يناير.

حديث المصالحة السياسية في مصر ليس جديدا، لكنه يظهر حينا ويخفوا حينا، حسب تطورات المشهد السياسي المصري والإقليمي والدولي، وفي حديثه الأخير بدا الأمر خارج سياق الندوة التثقيفية للقوات المسلحة (الأحد الماضي) التي تحدث فيها السيسي والتي عقدت في الذكرى 47 للانتصار المصري على إسرائيل في أكتوبر تشرين أول من عام 1973، والغريب أن السيسي الذي يحرص على علاقات حميمة بالعدو  الاسرائيلي الذي كان يتحدث في مناسبة الانتصار عليه ( هو لم يذكره في كلامه حرصا على تلك العلاقة) يتحدى في الوقت نفسه الشعب بأكمله وضمنه قواته المسلحة برفضه لأي مصالحة مع معارضيه حتى لو أرادها الشعب او الجيش” لو عايزين تتصالحوا قولولي، أنا مقدرش أتصالح” ” مقدرش أتصالح مع اللي عايز يهد بلادي ويؤذي شعبي وولادي”

موقف السيسي هذه المرة أكثر تشددا في رفض المصالحة عن المرات السابقة التي تحدث فيها عن هذا الموضوع، فقبل 2016 كان يعتبر المصالحة قرار دولة وليس فرد، وفي 23 أكتوبر تشرين أول من  2017 اعتبر في حديث مع قناة فرانس 24 أن أمر المصالحة هو قرار الشعب المصري وليس قراره، وهو ما فهم منه أن السيسي مطمئن لرفض الشعب حال عرض الأمر عليه في استفتاء عام مثلا، أو ربما قبوله بنتيجة الاستفتاء أيا كانت عند الضرورة، لكنه مع تيقنه من تحول الرأي العام، وانصراف غالبية الشعب من حوله نتيجة سياساته وقراراته الصادمة التي كان آخرها هدم منازل البسطاء بدعوى مخالفتها لقواعد البناء، فإنه استعاد العصمة في أمر المصالحة لتصبح بيده فقط، وحتى لو كان للشعب أو حتى الجيش رأي آخر، فإن السيسي أعلن رفضه كما ظهر في تصريحه الأخير.

حين أعلن السيسي انقلابه المشئوم في 3 يوليو 2013 طرح ضمن خارطة طريقه البند رقم 8 ” تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية من شخصيات تتمتع بمصداقية وقبول لدى جميع النخب الوطنية وتمثل مختلف التوجهات”.

وفي أول وزارة تشكلت عقب الانقلاب تضمنت وزيرا للعدالة الانتقالية (المستشار أمين المهدي) وكانت مهمته وضع وتنفيذ إطار للعدالة الانتقالية وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، لكنه لم يفعل شيئا، ولم يلبث كثيرا في الوزارة، ولم يتم تعيين بديلا له، وحين جرى بعد الانقلاب تعديل دستور 2012 تم تضمينه نصا في المادة 241″ يلتزم مجلس النواب في أول دور انعقاد له بعد نفاذ هذا الدستور بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا، وذلك وفقاً للمعايير الدولية”.

ورغم أن هذا النص لحق بنصوص أخرى مجمدة، إلا أن السيسي لم يقترب منه في حزمة التعديلات التي أدخلها في أبريل نيسان 2019، وهو مأ أعطى إشارة ضمنية لاستمرار فتح الباب في المستقبل للمصالحة باعتبارها استحقاقا دستوريا حين يجد نفسه مضطرا إليها.

الاستئصال

لا يرى السيسي نفسه مضطرا في الوقت الحالي للتصالح مع رافضيه، بل يجد نفسه مضطرا للالتزام بتوجيهات داعميه الحريصة على استئصال فكرة الحرية والديمقراطية من مصر بشكل عام حتى لا تنتقل عدواها إلى مشيخاتهم وممالكهم. وهم يستندون في توجيهاتهم إلى المليارات التي دفعوها ولا يزالون يدفعونها للسيسي حتى الآن، وهو يدرك أيضا أن عرشه سيكون مهددا بأي مصالحة سياسية، أو بأي تسامح سياسي تجاه المعارضة بكل تياراتها، ولذلك فإنه يغلق المجال السياسي بوجه الجميع وليس بوجه الإخوان فقط، ولا أدل على ذلك من ملاحقته لكل الرموز الليبرالية واليسارية المعارضة لحكمه، والزج بها في السجون جنبا إلى جنب مع الرموز والقواعد الإخوانية والإسلامية، والأكثر من ذلك زجه بقيادات عسكرية في السجون وتحت الإقامة الجبرية مثل سامي عنان وأحمد قنصوة وأحمد شفيق.

بالعودة إلى كلام السيسي في الندوة التثقيفية الأخيرة سنجد أن حديثه عن المصالحة يشي بوجود ضغوط أو رغبات في الدوائر القريبة منه بحسبان هذه المصالحة هي الوسيلة لتجنيب مصر الكثير من المشاكل التي تعانيها حاليا سواء اقتصادية او أمنية الخ، لكن السيسي أثبت مجددا أنه غير معني بمصالح مصر وشعبها واقتصادها وأمنها، وأن كل ما يشغله هو بقاؤه في سدة الحكم وإرضاء كفلائه الصهاينة والخليجيين.

بهذا الموقف المتشدد أغلق السيسي الباب مجددا في وجه أي حديث عن المصالحة، وهو بذلك رفع عبئا معنويا كبيرا عن جماعة الإخوان التي كانت تتعرض بدورها لضغوط من بعض النشطاء والحلفاء وبعض أسر المعتقلين لقبول التصالح مع النظام كثمن للإفراج عن السجناء أو حتى بعضهم، لكن الجماعة التي قدمت مئات الشهداء وآلاف المعتقلين، والتي تعرض أبناؤها لمصادرة ممتلكاتهم وفصلهم من أعمالهم، عبرت من خلال متحدثها الرسمي عن استمرارها في نهجها المقاوم لهذا النظام الذي قام بالأساس على جماجم المصريين، ولا يزال يتغذى على دمائهم، وأموالهم، والذي حرص منذ اليوم الأول لانقلابه على تفريق المصريين إلى شعبين، ليتمكن من الاستمرار في حكمهم عملا بالمبدأ الاستعماري المعروف “فرق تسد”.

موقف الاخوان

ومع المواقف المتشددة المتكررة من السيسي الرافضة للمصالحة الوطنية فإن الجماعة أكدت مرارا أنها لن تسعى للتصالح مع قاتل، ولكنها في المقابل تسعى لمصالحة مجتمعية تعيد اللحمة للشعب الذي قسمه الانقلاب، كما أنها لم تغلق الباب أمام أي مبادرة جادة يمكن أن تعيد الحقوق إلى أهلها، وتحرير المعتقلين، وتوفير الحرية، والحياة الكريمة للشعب المصري.

من المؤكد أن مصالحة سياسية لن تتم في عهد السيسي، لأنه يدرك ببساطة أنه سيكون شخصيا ثمنا لها، ولا أمل للمصريين في حرية او حياة كريمة، أو تحرير للمعتقلين إلا بالخلاص من هذا النظام الغاشم المرتهن لقوى خارجية تحركه لقتل وتعذيب المصريين وتدمير اقتصاد البلاد والتنازل عن أرضها ومياهها وثرواتها.


Comments

comments

شاهد أيضاً

متاجر سعودية تبدأ بإزالة المنتجات التركية من رفوفها بعد دعوات المقاطعة

بدأت متاجر سعودية بإزالة منتجات تركية مثل ورق العنب المخلل والقهوة والأجبان من رفوفها بعد …