كارنيجي: هكذا خلق السيسي وجنرالاته طبقة حاكمة جديدة من الضباط العسكريين


أصدر برنامج العلاقات العسكرية المدنية في الدول العربية، التابع لمعهد كارنيجي لأبحاث الشرق الأوسط، 26 أكتوبر الجاري 2020، خمسة تحليلات عن دور الجيش في إضعاف الاقتصاد المصري وتأثيراته عليه، وكيف هيمنت نخبته على الحياة السياسية.

التحليلات الخمسة لمعهد كارنيجي جاءت بعنوان “آثار الاقتصاد العسكري المصري” وشملت:

  1. المؤسسة العسكرية المصرية كرأس حربة لرأسمالية الدولة، للباحث يزيد صايغ
  2. الضعف المزمن لأداء الاقتصاد العسكري المصري، للباحثة بسمة المومني
  3. الطبقة الحاكمة الناشئة في مصر، للباحثة شانا مارشال
  4. الاقتصاد المصري: في براثن الدولة العميقة، للباحث جورج العبد
  5. القوات المسلحة في السُلطة والاقتصاد، للباحث إسحاق ديوان

آثار الاقتصاد العسكري المصري

في هذه المقدمة أشار يزيد صايغ، باحث رئيسي في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط، لأن “انخراط المؤسسة العسكرية المصرية في الاقتصاد أدي لتكاليف عالية، ساهمت في إضعاف أداء التنمية وينذر ببروز طبقة حاكمة جديدة من الضباط العسكريين.

وأن تدخل القوات المسلحة المصرية في الاقتصاد منذ انقلاب السيسي، أدى إلى ظهور صيغة جديدة من رأسمالية الدولة المصرية.

إذ أسفر انخراط المؤسسة العسكرية المصرية في الاقتصاد عن تكاليف عالية، ما ساهم في إضعاف الأداء في التنمية وينذر ببروز طبقة حاكمة جديدة من الضباط العسكريين، حيث يعتمد الاقتصاد المصري بشكل كبير على القطاع العام الذي تقوده المؤسسة العسكرية، والذي أثبت عدم قدرته على تحقيق النمو طويل الأجل، والذي يعتبر ضروريًا لانتشال ملايين المصريين من براثن الفقر، ووسعت إدارة السيسي مصالحها التجارية لتهميش المقربين من النظام الذي أطاحت به.

المؤسسة العسكرية المصرية كرأس حربة لرأسمالية الدولة

يوضح يزيد صايغ في البحث الاول كيف أعاد السيسي تنشيط رأسمالية الدولة في مصر من خلال القيادة العسكرية للتطوير العقاري وإنشاء المجمّعات الصناعية والأنشطة الاستخراجية ومزاحمة القطاع الخاص واستخدام الاستثمار الخاص لإعادة رسملة القطاع العام.

لكنه يشير الي افتقار السيسي إلى مخطط اقتصادي واضح، ناهيك عن الفهم السليم لديناميات السوق، حيث أدي اهتمامه الأكبر بتوليد رأس المال مع الحفاظ على النظام السياسي إلى ظهور نسخة جديدة من رأسمالية الدولة المصرية.

وأشار لأن إن النموذج الاول من رأسمالية الدولة المصرية الذي أسّسه جمال عبد الناصر عام 1961، وأطلق عليه لقب “الاشتراكية العربية،” تحوّل في عهد حسني مبارك، لنموذج ثان يتميّز بالشراكات الطفيلية مع القطاع الخاص، من العام 1991 فصاعدًا.

أما النموذج الثالث الذي يتكوّن تحت إشراف السيسي، فيسعى في آن إلى استعادة مركزية دور الدولة في صنع القرار الاقتصادي وإلى تطويع القطاع الخاص خدمةً لاستراتيجية الدولة للاستثمار الرأسمالي، حتى وهو يستمر في إعلان الالتزام الرسمي باقتصاد السوق الحر.

ويكشف التحول في النشاط العسكري الاقتصادي والتجاري في عهد السيسي عن ملامح هذا التطور، حيث تدّعي المؤسسة العسكرية أنها توظف 5 ملايين شخص، لكن جميعهم تقريبًا يعملون في الواقع من قبل المقاولين المدنيين من القطاع الخاص الذين يعملون لصالح المؤسسة العسكرية.

يشير هذا إلى أن نهج السيسي قد يساعد في توليد النمو الاقتصادي وتحسين كفاءة المالية العامة، لكنه يعزز أيضًا قبضة الدولة المصرية بدلاً من تعزيز اقتصاد السوق الحر.

ويوضح أن القيمة الصافية للشركات العسكرية وللإنتاج العسكري للسلع والخدمات أكبر بكثير مما كانت عليه قبل عقد من الزمن، ويسمح النمو في الصناديق المالية التقديرية لوزارة الدفاع بزيادة المنافع وتعزيز الولاء في صفوف القوات المسلحة، وبناء احتياطي مالي لتمويل تطوير البنية التحتية العسكرية ومشتريات الأسلحة، والقيام بعمليات استحواذ على وسائل الإعلام والتبرع لهيئات مثل صندوق “تحيا مصر” الذي أنشأه السيسي للرعاية الاجتماعية والتنمية، وذلك خدمةً للأغراض السياسية.

ويخدم توسع النشاط الاقتصادي العسكري في خمسة مجالات نموذج إدارة السيسي الآخذ في الظهور من رأسمالية الدولة وهي: التطوير العقاري، وإنشاء مجمّعات الصناعة والنقل، واستخراج الموارد الطبيعية، والعلاقات مع القطاع الخاص، وزيادة رأسمال القطاع العام بواسطة الاستثمارات الخاصة.

المجال الاول: العقارات

استثمر السيسي موارد حكومية ضخمة في إنشاء العقارات لتوليد الإيرادات ودفع النمو الاقتصادي وجذب المستثمرين من القطاع الخاص، ويشمل هذا الجهد بناء ثلاث مدن “ذكية،” وتدلّ التسمية على أنها تستخدم التكنولوجيا الرقمية لتحسين كفاءة الطاقة، وتستهدف هذه المدن العملاء من الطبقة المتوسطة العليا بمساكن فاخرة على شاطئ البحر، تقليدًا لنموذج دبي.

وتستهدف مشاريع حضرية أخرى أسر الطبقة المتوسطة الأقل ثراءً، ويستهدف غيرها العمّال في المناطق الصناعية الجديدة، والتكلفة الدقيقة لهذه المخططات الحضرية ليست واضحة، لكنها تأتي ضمن مروحة ضخمة من المشاريع القومية التي تلقت 4 تريليونات جنيه مصري (أكثر من 200 مليار دولار) من التمويل الحكومي خلال الفترة من 2014 إلى 2019.

وقد استحوذت المرحلة الأولى من بناء العاصمة الإدارية الجديدة على ما يقرب من 10 في المئة من إجمالي الإنفاق (300 مليار جنيه مصري، أو 19.05 مليار دولار) بحلول يناير 2020، ومن المتوقع أن تبلغ الكلفة خلال خمس سنوات 58 مليار دولار بحلول العام 2022.

وهذا الحجم الهائل للمشاريع العقارية في عهد السيسي يحول سوق العقار من كونها مضاربة متاحة للجميع إلى مقامرة استثمارية كبيرة تكون فيها الدولة المساهم الرئيسي، وفي ضوء تقليل السيسي علنًا من شأن دراسات الجدوى الاقتصادية، وسعيه لشراء ولاء مؤسسات الدولة التي تشكل الائتلاف الحاكم الذي يرأسه، تمضي المؤسسة العسكرية قدمًا في مشاريع مثل العاصمة الإدارية الجديدة، على الرغم من أنها لا تعرف كيف ستوفر المياه لـ 7 ملايين نسمة يفترض أن تستضيفهم العاصمة.

المجال الثاني: البنية التحتية

تهدف رأس الحربة الاقتصادية العسكرية أيضًا إلى إنشاء مناطق ومجمّعات رئيسية للصناعة والنقل والخدمات، تتركز في منطقة قناة السويس بمحاذاة ساحل البحر الأحمر، حيث تعتبر القوات المسلحة قناة السويس وشبه جزيرة سيناء في غاية الأهمية للدفاع الوطني، وتعاملهما كمحميّتها الاقتصادية الحصرية.

ولذلك، فإن نصف المبلغ الذي أنفقته الحكومة على التنمية في سيناء بحلول أبريل 2020 والبالغ 600 مليار جنيه مصري (ما يقرب من 40 مليار دولار)، أدارته الهيئات العسكرية، بما في ذلك جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التابع لوزارة الدفاع.

إن الاستثمار في البنية التحتية الأساسية في هذه المنطقة أمرٌ منطقي من الناحية الاقتصادية، إذ يشير إلى العزم على جذب الاستثمارات، لكن الوزراء وكبار الموظفين المدنيين يلعبون دورًا ثانويًا فحسب. ف

ويؤكد حجم المشاريع العقارية والبنية التحتية على أهمية سيطرة وزارة الدفاع على استخدام جميع أراضي الدولة، والتي يُقدر أنها تشمل من 90 إلى 95 في المئة من إجمالي مساحة مصر.

كما منح السيسي وزارة الدفاع حق الانتفاع الاقتصادي الكامل على واحد وعشرين طريقًا سريعًا بين المدن وشريطًا بعرض 4 كيلومترات بجانبها، ما يمكّنها من جباية رسوم المرور، وتشغيل أو منح الامتيازات التجارية (بما في ذلك الخدمات على جانب الطريق والإعلان)، ووضع ومراقبة شبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية (بما في ذلك كابل الألياف البصرية).

المجال الثالث: الصناعات الاستخراجية

توسع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية (الجيش) في مشاريع الصوب الزراعية وتربية الأسماك في مناطق مكتظة بالسكان منذ العام 2014، باستخدام المجندين العسكريين كعمالة فيما يُفترض أنه اقتصاد السوق الحر.

كما تتمتع المؤسسة العسكرية أيضًا بالاستفادة غير المقيدة من المياه التي يتم رفعها من الأحواض الجوفية أو المنقولة عبر القنوات من بحيرة ناصر أو نهر النيل، بغض النظر عن الجدوى الاقتصادية أو الآثار البيئية، ويُمكّن ذلك الأعمال التجارية الزراعية التي أنشأها المستثمرون الخليجيون، حرفيًا، من تصدير المياه، كما تستهلك مزارع الأسماك التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية كميات كبيرة من المياه العذبة.

وقد امتد التركيز على الأنشطة الريعية في عهد السيسي إلى مشاركة المؤسسة العسكرية في استخراج الموارد الطبيعية، فحتى العام 2014 انحصرت المشاركة العسكرية في الغالب في الرشاوى والرسوم غير القانونية التي انتزعها متقاعدو القوات المسلحة (وكذلك المسؤولون المدنيون) العاملون في دوائر الإدارة المحلية لإصدار تراخيص المحاجر والتعدين.

ولكن منذ عام 2015، اشترط مرسوم حكومي موافقة وزارة الدفاع لاستخراج الثروة المعدنية وفوّضتها لتحصيل الرسوم على جميع المخرجات في مواقع الإنتاج، كما حصلت الوزارة على حقوق حصرية للاحتفاظ بعائدات استخراج ومعالجة المواد الخام من المناجم والمحاجر على الأراضي التي تسيطر عليها المؤسسة العسكرية.

ومنذ ذلك الحين، بنى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية مصانع للرخام والغرانيت بسعة إنتاجية تفوق حجم إجمالي الإنتاج الوطني، ما يضعها في موقع احتكاري، كما استحوذ الجهاز على حصة الأغلبية في الشركة العامة التي تسيطر على موقع الرمال السوداء الوحيد في مصر، الذي ينتج المعادن الثقيلة مثل التيتانيوم والزركونيوم بقيمة تصدير متوقعة تبلغ 176 مليون دولار سنويًا.

كما استحوذ الجيش على حصة في التنقيب عن الذهب ووسع دوره في إنتاج وتسويق الفوسفات والأسمدة، وتقع الغالبية العظمى من مواقع الاستخراج في المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية، والتي من خلالها تشق المؤسسة العسكرية الطريق أمام حصة الدولة في هذه القطاعات وتُقحِم نفسها في التجارة الخارجية.

إخضاع القطاع الخاص

أعادت إدارة السيسي اصطفاف علاقاتها مع القطاع الخاص، وباتت الدولة هي المستثمر الوحيد في البنية التحتية العامة ومصدر حصة كبيرة من إجمالي أعمال القطاع الخاص، وخاصة بالنسبة إلى الشركات الكبيرة والمتوسطة، وأدى الارتفاع الضخم في الإنفاق العام على الإسكان العام والبنية التحتية منذ أواخر العام 2013 إلى تضخيم مركزية الروابط السياسية والمحسوبية في تأمين العقود العامة، ما مكن الهيئات العسكرية من توسيع هوامش ربحها أكثر من المعتاد.

وأدي غموض الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم الاستثمار في المشاريع المُنشأة بالاشتراك مع الهيئات العسكرية أو في المناطق الاستراتيجية التي تسيطر عليها وزارة الدفاع لإثناء الشركات المحلية من الاستثمار فيها، إذ أن إعفاء المؤسسة العسكرية من اختصاص المحاكم المدنية يعني أن النزاعات التجارية التي تكون المؤسسة العسكرية طرفًا فيها لا تذهب إلى التحكيم، كما أن ضعف إنفاذ العقود والمخاوف بشأن المزايا الضريبية للقوات المسلحة تثني الشركات الأجنبية عن الاستثمار في مصر أيضًا.

وبدلًا من فتح المجالات الاستثمارية الجديدة، توسعت الشركات العسكرية بقوة في قطاعات السلع القابلة للتداول، ما ألحق خسائر فادحة بالمنتجين من القطاع الخاص ونقل حصتها في السوق إلى الشركات العسكرية، وبرّرت المؤسسة العسكرية قراراتها الاستثمارية بأنها تكسر الاحتكارات (غير الموجودة في الواقع) وتؤمن استقرار العرض والأسعار، لكن العامل الأكثر وضوحًا هو أنها تسعى لضمان تسويق إنتاجها هي.

وتسعى إدارة السيسي وراء استثمارات القطاع الخاص، ولكن بحسب شروطها هي فقط، ففي العام 2019، وضع السيسي الأراضي المحيطة بالوجهة السياحية الرئيسة في الغردقة وسبع وأربعين جزيرة في البحر الأحمر تحت سيطرة وزارة الدفاع، وعمد وزير السياحة في وقت لاحق إلى تبرير ذلك، متهمًا الشركات السياحية الخاصة بـأنها “لا تضع جنيهًا في دعم السياحة.”

تجميل رأسمالية الدولة

تحمِّل إدارة السيسي مستثمري القطاع الخاص جزءًا من عبء تركيزها على الأنشطة التي تقودها الدولة ذات الكثافة الرأسمالية، فقد خفضت الحكومة بشكل كبير الإنفاق على دعم الطاقة والغذاء وأجور القطاع العام، وخفضت نسبة القروض المتعثرة، كما وافق مجلس النواب على بيع الشركات المملوكة للدولة التي تتعرض إلى خسائر تزيد على نصف رأس مالها.

ولم تكن هذه الإجراءات كافية لتوليد رأس المال بالحجم الذي يسعى إليه السيسي، ما أجبر الحكومة على الاقتراض ورفع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 90.3في المئة بحلول يونيو 2019 والدين الخارجي إلى 112.7 مليار دولار بحلول ديسمبر 2020 (أرتفع الي 123 مليارا في يونية 2020 بحسب اخر تقرير لجهاز الاحصاء).

أيضا سعى السيسي إلى جذب رؤوس أموال القطاع الخاص إلى المشاريع التي تقودها الدولة، وقد تفاخر رئيس الوزراء في العام 2015 بأن العاصمة الإدارية الجديدة لن تكلف الدولة المصرية “مليمًا واحدًا،” حيث سيتم تمويلها من خلال التمويل التجاري بالشراكة مع شركات خاصة ومستثمرين أجانب.

ورغم هذا أدت المخاوف بشأن جدوى المشروع إلى انسحاب شركات إماراتية كبرى، وتعليق قرض صيني بقيمة 3 مليارات دولار، وفشل المحادثات بشأن استثمار صيني بقيمة 20 مليار دولار، وبحلول مايو 2019، لم تزد نسبة الاستثمارات الآتية من الخارج عن 20%، فاضطرت المؤسسة العسكرية والرئاسة إلى إقناع وحتى إكراه بعض المستثمرين العقاريين الأكثر شهرة في البلاد من القطاع الخاص على الاستملاك في العاصمة الجديدة.

شركة قابضة سيادية لا صندوق سيادي

وبرز صندوق مصر السيادي (ثراء) كأداة مفضَّلَة للسيسي لجلب استثمار القطاع الخاص إلى الكيانات والمشاريع العامة، مع إعطاء الدولة اليد العليا، حيث تأسس الصندوق في العام 2018 ومن المفترض أن يكون مسرّعًا لوضع أصول حكومية مختارة تحت سيطرة القطاع الخاص جزئيًا، ولكن في رأي محللي السوق، فإن هذا يجعله “شركة قابضة سيادية،” وليس صندوق ثروة سياديًا.

وقد كشفت شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية عن عزمها نقل ملكية أصول بقيمة 50 مليار جنيه إلى الصندوق السيادي (ثراء)، ما يضمن للهيئات العسكرية المعنية الحصول على أرباح مستقبلية من العقارات.

وفي فبراير 2020، وافق صندوق ثراء أيضًا على إدراج عشر شركات تابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية في محفظة أصول للترويج والاستثمار، مع استبعاد الشركات غير الكفؤة للغاية التابعة لوزارة الإنتاج الحربي، ما يشير إلى ظهور الصندوق كأداة لجذب الاستثمار الخاص بطرق تحافظ على سيطرة الدولة على الأصول وتُبقي غموض مواردها المالية الحقيقية.

لعبة أكواب متحركة مألوفة

لا تساهم أدوات الاستثمار مثل صندوق ثراء كثيراً في إحداث نقلات نوعية في التصنيع أو التكامل التكنولوجي أو ترقية الخدمات وزيادة صادرات السلع، وبدلاً من ذلك، فإن نموذج السيسي لرأسمالية الدولة هو نوعٌ من لعبة الأكواب المتحركة.

فهي تنقل رأس المال من القطاع الخاص إلى الدولة، ومن كلا القطاعين إلى مؤسسات ينشئُها أو يفضلها هو، وعلى الأخص صندوق تحيا مصر وصندوق ثراء والمؤسسة العسكرية، وفي الوقت الحالي، لا شيء يفعله السيسي يغيّر واقع ما وصفه تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في العام 2019 بشأن مصر بأنه “مشاكل مزمنة من ضعف الحوكمة والبحث عن الريع ومخاطر الفساد والحضور المكثف للدولة في الاقتصاد”.

الضعف المزمن لأداء الاقتصاد العسكري المصري

يركز البحث الثاني لمعهد كارنيجي، الذي اعدته بسمة المومني أستاذة علوم سياسية في جامعة واترلو الكندية، على دراسة أثار انخراط المؤسسة العسكرية المصرية في الاقتصاد وتكاليفه العالية، وكيف يسهم في ضعف أداء التنمية في مصر.

حيث تؤكد أن السيسي لم يخترع تشبث المؤسسة العسكرية بالسيطرة على الاقتصاد لأغراض سياسية، لكن بعد عقود من التدخل العسكري في الاقتصاد، يتواصل الانحدار في مصر وفق جميع المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الرئيسية، مقارنة بالتدخلات السابقة في عهود سابقة.

وأنه نتيجة لهذا التدخل العسكري في الاقتصاد، خصص السيسي مبالغ باهظة لاستثمارات خاطئة، في مشاريع البنية التحتية الكبيرة والقطاعات غير المنتجة وصناعة الدفاع غير الكفؤة، ما أدى إلى تكبّد تكلفة باهظة على حساب رفاهية المصريين العاديين.

سلوك يؤدي لطريق مسدود أو ثورة شعبية

وتشير لأن دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد المصري أصبح أكبر وأكثر غموضًا، مع آثار سلبية، وأنه مع النمو السريع للسكان الذين يزيد الآن عددهم عن 100 مليون نسمة غالبيتهم من الشباب، فإن العواقب السياسية لمثل هذا التدهور قد تكون خطيرة، فعدم توافر الوظائف، مقرونًا برغبة المؤسسة العسكرية في السيطرة على الفضاء السياسي والاقتصادي، سيؤدي لطريق سياسي مسدود، أو لما هو أسوأ من ذلك باندلاع ثورة شعبية.

وتشير لأن أكثر مظاهر ضعف الأداء الاقتصادي هو الافتتان بمشاريع البنية التحتية الضخمة، ضمن انبهار المؤسسة العسكرية بإبراز نفوذها وقدرتها، ورغبتها بإرضاء جمهور سياسي صغير، وتنمية الشعور بالاستحقاق، وبينما تحتاج مصر بالتأكيد إلى تحديث بنيتها التحتية العامة المتداعية، تبدو سياساتها الاقتصادية بشكل متزايد وكأنها مشاريع للتفاخر، وغاية في حد ذاتها لا كوسيلة للتنمية الاقتصادية أو الاجتماعية.

وتوضح أن المؤسسة العسكرية تستثمر في الطرق والكباري، ومشاريع البناء التي تلبي احتياجات مجموعة صغيرة من المصريين الأثرياء لكنها تترك العديد من أفقر شرائح المجتمع من دون مرافق وخدمات أساسية، وقد قلبت احتجاجات الربيع العربي مصر رأسًا على عقب، جزئيًا، بسبب الاستقطاب الشديد للثروة بين من يملكون ومن لا يملكون.

مشاريع لا تفيد الفقراء

وتشير لأنه بينما يقدر الاقتصاديون نمو الناتج المحلي الإجمالي المصري 5% سنويًا، فإن الواقع هو أن معدل وصول فوائد النمو في مصر إلى أفقر شريحة من المجتمع يكاد لا يُذكر بل قد يكون سلبيا، وذلك لأن نمو الناتج المحلي الإجمالي يهتم بالصادرات والاستثمارات وليس معدلات التوظيف أو توزيع الثروة أو الرفاه العام للأفراد، وافتتان المؤسسة العسكرية ببيئة البناء يضاعف هذا الأمر، حيث إنه لا يركز على الإنتاجية أو التوظيف أو الربح.

وتقول إن الإعجاب بمخرجات الإنجازات العسكرية، من دون وضع وجود أو عدم وجود التأثيرات الاجتماعية الاقتصادية في الاعتبار، هو نقطة عمياء للمؤسسة العسكرية، كما يتضح من بناء العاصمة الإدارية الجديدة، حيث توصف العاصمة الجديدة بأنها مدينة ذكية ذات ابتكارات تكنولوجية حديثة، لكن من غير المرجح أن تخلص البلاد من الفساد المستشري أو أن تؤدي إلى تحديث القطاع العام المتضخم، وبناؤها على الأرجح كان يهدف إلى تحصين السيسي ضد الاحتجاجات المحتملة.

ويشير البنك الدولي إلى أن انخفاض دخل الفرد منذ العام 2016 وتزايد الفقر والتضخم والسكان، لن يؤدي إلا إلى تفاقم التحديات الاجتماعية والاقتصادية في مصر، والدين العام في مصر آخذ في الارتفاع، والشعب هو ما يدفع الثمن من خلال زيادة أسعار السلع والخدمات الأساسية والسياسات الضريبية التنازلية، أي يسدد المواطنون العاديون الديون المتراكمة، ما يفاقم تراجع مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية.

وحتى في مجال السكك الحديدية التي تستخدمها القطاعات الفقيرة في المجتمع المصري، فهي لا تحتل مكانة بارزة في التخطيط الاقتصادي وينصب تركيز المؤسسة العسكرية على مشاريع السكك الحديدية الأحادية القضبان الأكثر وهجًا والأكثر تكلفة والتي قد تلبي احتياجات الفقراء أو لا تمتد إلى المجتمعات المهملة في جنوب مصر.

صناعة دفاعية غير كفؤة

توضح الباحثة أن الاستثمار في “صناعة دفاعية غير كفؤة” هو المصدر الأخير لضعف الأداء الاجتماعي والاقتصادي لمصر.

وأنه على الرغم من أن حسابات الصناعة الدفاعية غامضة، إلا أنه يُعرف الكثير عن عملياتها، ما يسمح بالاستنتاج أن تحوّلها لأغراض مدنية قد أثبت عدم فعاليته.

وتلخص الدراسة لأن دعم دول الخليج العربي لمصر في السنوات الماضية بمليارات الدولارات في شكل قروض ومنح، سيتقلص في ظل الانخفاض الحاد في أسعار النفط كما ستنخفض تحويلات العاملين في الخارج مع انخفاض أسعار النفط وربما عودة مئات الآلاف من المصريين لبلادهم، ومن غير المرجح أن تنجح المؤسسة العسكرية كمنقذ اقتصادي لمصر.

فالمؤسسة العسكرية لا تتمتع بالرشاقة والإبداع والقدرة على القيام بذلك، وقد كشفت جائحة كورونا عن الحاجة إلى ثقة الجمهور والقيادة والاستثمار في الرعاية الاجتماعية والرفاهية، إلا أن إدارة السيسي أصرّت على الحفاظ على وتيرة بناء مشاريع التفاخر مثل العاصمة الإدارية الجديدة.

الاقتصاد المصري في براثن الدولة العميقة

تركز دراسة “جورج العبد” الباحث في معهد التمويل الدولي والمدير السابق لدائرة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، على أن “الإنجاز الناجح لبرنامج صندوق النقد الدولي في مصر للعام 2016 يُعد سطحيًا، ويخفي ضعف النمو الاقتصادي في مصر مقارنة بأقرانه في الأسواق الناشئة، فضلًا عن اقتصاد يثقله قطاع العام تقوده المؤسسة العسكرية”.

وتشير لأن المراجعة النهائية التي أجراها صندوق النقد الدولي لإصلاحات مصر التي شكّلت الأساس للموافقة على الصرف النهائي لم تكن مقنعة تمامًا، فالاقتصاد المصري يعتمد بشكل كبير على القطاع العام الذي تقوده المؤسسة العسكرية، الذي أثبت عدم قدرته على تحقيق النمو طويل الأجل والذي يعتبر ضروريًا لانتشال ملايين المصريين من براثن الفقر.

تقدم اقتصادي سطحي وغير مستدام

تشير الدراسة الي أن مشاريع البنية التحتية الكبرى التي شجعها صندوق النقد، واكتشاف حقل غاز ظهر عملاق، واقبال مستثمري الأسواق الناشئة على سندات الخزانة المصرية ذات الفوائد التي تفوق الـ 10%، وسندات الدين بالعملة الأجنبية وإنعاش القطاع السياحية وغيره، تبدو من منظور صندوق النقد الدولي والأسواق المالية الدولية، ناجحة، ولكن برنامج الصندوق فشل مع هذا في تحقيق الهدف الأساسي والأهم الذي أكّد عليه منذ البداية، وهو وقف اعتماد الاقتصاد المصري على القطاع العام، وتحويله إلى اقتصاد تحركه قوى السوق ويقوده القطاع الخاص.

ولتحقيق هذا الهدف كان مطلوب أساسًا تقليصًا تدريجيًا للدور المباشر للمؤسسة العسكرية المستحكمة في قطاعات مهمة من الاقتصاد، ولكن صندوق النقد الدولي أحجم عن الضغط على مصر للقيام بمثل هذا التحوّل (الذي من المفترض أن يكون من مهام البنك الدولي)، وتجاهلت حكومة السيسي القضية برمتها وشرعت في توسيع نطاق دور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد بشكل واضح وصريح، ولايزال القطاع العام الذي تقوده المؤسسة العسكرية مهيمنًا.

وتلخص الدراسة لأنه القيادة السياسية التي تقودها المؤسسة العسكرية في مصر حافظت دوما على السيطرة الكاملة على التنمية الاجتماعية والاقتصادية في البلاد لعقود خلت، فكيف إذًا تفسّر هذه القيادة فشلها، مقابل غيرها من الدول التي كانت في ظروف مشابهه لمصر اقتصاديا؟

الطبقة الحاكمة الناشئة في مصر (الضباط العسكريين)

يدور بحث “شانا مارشال” المديرة المساعدة لمعهد دراسات الشرق الأوسط في كلية إليوت للشؤون الدولية حول استيلاء المؤسسة العسكرية المصرية على موارد الدولة في عهد عبد الفتاح السيسي، ما ينذر ببروز طبقة حاكمة جديدة من ضباط عسكريين.

حيث تشير الي التحول الدراماتيكي للاقتصاد العسكري في عهد عبد الفتاح السيسي وطغيان الجانب العسكري علي الاقتصاد بشكل متزايد، كنتيجة لتسلسل هرمي للضباط يسعى إلى ابتزاز أكبر قدر ممكن من الامتيازات خلال عهود العسكر في السلطة، حيث استغلت المؤسسة العسكرية المصرية التاريخ الوردي والفرصة الاقتصادية السانحة للظهور كنواة لطبقة حاكمة جديدة في مصر.

وتشير لأن المؤسسة العسكرية تعمل كطبقة حاكمة فريدة بسبب سيطرتها على أدوات الإكراه، ولأنها متجذّرة في جميع أركان الاقتصاد، تسعي للاستفادة من نفوذها الجديد لتصبح طبقة حاكمة جديدة، وتستخدم أدوات الإكراه في خطة مدروسة ترمي إلى إعادة تشكيل الاقتصاد وإخضاع البلاد إلى سطوتها.

وتوضح أن التعيينات في مجالس إدارة الشركات، والمناصب الإدارية في الشركات الكبرى، والتكليف بمهام استشارية للجهات العامة والشركات الخاصة، والتواصل مع الشركات الدولية في المشاريع الكبرى، تُعتبر من مزايا الطبقة الحاكمة وتشكل أساس نفوذها.

وتوضح أنه رغم سيطرة الطبقة الحاكمة العسكرية الحاكمة في مصر على رأس المال، بما في ذلك الوصول إلى أموال الدولة وعمالة المجندين والأصول الأساسية والأراضي والاستثمار الأجنبي والمساعدات العسكرية الرسمية، إلا أن المصدر الأساسي لإثراء الطبقة الحاكمة العسكرية في مصر هي الدولة المصرية.

إذ يتغلغل الضباط العسكريون الموجودون في الخدمة الفعلية وكذلك المتقاعدون في بيروقراطية الدولة، خاصةً منذ العام 2011، عندما بدأت العقود الحكومية الجديدة والسيطرة على التدفقات الاستثمارية الضخمة من الخليج في دفع توسع الاقتصاد العسكري.

يسلّط التكافل بين العمليات العسكرية الرسمية وغير الرسمية الضوء على الفرصة التي استغلتها هذه الطبقة الحاكمة الجديدة. فقد يحصل ضابط لديه عملية في القطاع الخاص لإصلاح المركبات الرياضية الفاخرة على قطع غيار والوصول إلى آلات باهظة الثمن مجانًا، لأن المؤسسة العسكرية تقوم بتجميع وتعديل العديد من المركبات المماثلة بموجب عقود حكومية رسمية.

وقد يكون لضابط آخر فيلا مجانية في منطقة منتجعات، ممنوحة له من الحكومة، لا يمكنه تأجيرها وفحسب، بل يمكن استخدامها أيضًا لاستضافة رجال الأعمال الأجانب وشركاء الاستثمار المحتملين.

وشبكات الامتياز التكافلية هذه سمة أساسية من سمات الطبقة الحاكمة التي استغلت الإنفاق العالي على الدفاع والمليارات من المساعدات العسكرية الأجنبية ومجموعة الامتيازات المؤسساتية التي تمنحها لها الدولة.

وتقول: يعمل الاقتصاد العسكري مثل حاضنة امتيازات لطبقة حاكمة نموذجية بطرق أخرى أيضًا، فالضباط العسكريون يتمتعون بإمكانيات غير متكافئة للحصول على الإعانات، والتسلل إلى صفقات سياسية واقتصادية لاستخراج القيمة، والتناوب داخل وخارج الجهات الحكومية والشركات الخاصة للاستفادة من العلاقات الشخصية والوصول إلى معلومات مقيدة.

وفي الكثير من الأحيان، يتلقى ضباط رواتب من قبل شركات خاصة للعمل في مناصب العلاقات العامة أو الشؤون الحكومية لأن بإمكانهم تسريع الحصول على التراخيص والإعفاءات التنظيمية والخدمات الحكومية الأخرى.

وتوضح إن قدرة المؤسسة العسكرية على التسلل إلى كل قطاع آخر، بما في ذلك قطاع المصارف والتمويل، بالإضافة إلى التعقيد الصناعي للاقتصاد العسكري، يصعّب على المنظمين والمراجعين التحكم في العمليات، وبالتالي، يستطيع الضباط العسكريون تجديد العديد من الامتيازات التي تتمتع بها الشركات التي تسيطر عليها المؤسسة العسكرية في مصر، مثل التهرّب الضريبي والمدخلات المدعومة وعمليات الإنقاذ.


Comments

comments

شاهد أيضاً

العفو الدولية: الارتفاع المروع في إعدامات مصر يكشف عمق أزمة حقوق الإنسان

قالت منظمة العفو الدولية إنه في أكتوبر ونوفمبر 2020 فقط، أعدمت السلطات المصرية ما لا …