كيف احتفل يهود مصر الثلاثة الباقين بعيد “الحانوكا” وسط إجراءات أمنية مشددة؟

في 20 ديسمبر 2022 تحول الشارع الضيق رقم 13 في حي المعادي جنوبي العاصمة المصرية القاهرة، حيث يقع معبد “مئير بيطون” اليهودي إلى ثكنة أمنية.

العشرات من رجال الشرطة أغلقوا الشارع بسيارتهم ومتاريسهم، وأخذوا يفحصون هويات كل من يسير به، ويتحققون من شخصية كل من يدخل المعبد، بحسب موقع “الاستقلال”.

وكان حينها ثلاث سيدات عجائز فقط المتبقيات من يهود مصر، إضافة لقرابة 20 شخصا بينهم دبلوماسيون إسرائيليون وأجانب، يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي المعروف باسم “حانوكا”

واحتفالات حانوكا من المناسبات القليلة التي تفتح فيها المعابد اليهودية في القاهرة، التي تخضع لحراسة مشددة، في محاولة من العسكر لوضع اهتمامهم في إطار (برواز) لإظهاره والترويج له.

وبدأ الاحتفال بـ”حانوكا” للمرة الأولى في مصر عام 2018 بقيادة سفير إسرائيل حينئذ “ديفيد جوفرين”

حضور مزعج

هذا الحضور الأمني الكبير أثار جدلا كبيرا، لذلك وصفت رئيس الطائفة اليهودية بمصر “ماجدة هارون”، هذا الوجود الشرطي المكثف لموقع “المونيتور” الأميركي في 22 ديسمبر، بأنه “مزعج ومقلق” للضيوف.

ولم تقع أي هجمات على المعابد اليهودية في مصر تاريخيا، سوى هجوم فردي فاشل بعبوة ناسفة بدائية عام 2010 على معبد وسط القاهرة، لم يؤد لأي خسائر.

وفسر المخرج “أمير رمسيس” الذي أنتج الفيلم الوثائقي “يهود مصر” عام 2012 الإجراءات الأمنية المشددة والمبالغ فيها، حول المعابد، بقوله إن “كلمة يهودي في حد ذاتها تسبب بارانويا، أي جنون الارتياب لدى الأمن المصري.

وقال، بحسب “المونيتور”، إنه “ربما نتيجة عقود من التلقين العقائدي من قبل وسائل الإعلام الحكومية والكتب المدرسية التي تحرض على كراهية اليهود”

ويعد معبد “مئير بيطون” مقرا لإقامة الدبلوماسيين الإسرائيليين بمصر حاليا، وتم افتتاحه عام 1934 عندما كانت تقطن في الحي عديد من الأسر اليهودية المصرية.

وقبل إقامة علاقات دبلوماسية بين مصر وإسرائيل عام 1979 كان عدد اليهود المصريين المتبقين يناهز العشرات، لكن مع الوقت مات أغلبهم ولم يتبق حاليا سوى ثلاثة فقط من السيدات العجائز بينهن ماجدة هارون رئيس الطائفة.

وحين كان عددهم يزيد عن 10 أفراد لم تكن هناك مشكلة في إقامتهم الصلوات داخل أحد المعابد الـ 12 التي يمتلكونها في مصر وأغلبها مغلق، لكن مع تناقص عددهم لم تعد الصلاة الجماعية في الاحتفالات تجرى وأصبحت مشكلة.

حيث تتطلب الديانة اليهودية مشاركة عشرة أشخاص على الأقل اجتازوا سن البلوغ المقرر وهو 13 عاما، لإقامة الصلاة الجماعية، ولأنهن ثلاث فقط ويتحركن بصعوبة أصبحت الصلاة لا تقام.

لكن مع توافد إسرائيليين ويهود من أوروبا وأميركا على مصر في ظل العلاقات الجيدة لنظام عبد الفتاح السيسي معهم، فضلا عن دعوته لهم للعودة لمصر، عادت الصلوات الجماعية للمعابد.

وكان من المقرر أن يجرى الاحتفال بعيد الحانوكا) يوم 18 ديسمبر، لكن المعبد اليهودي الشهير بالقاهرة في شارع عدلي بوسط القاهرة، والذي يعد مقرا شبه رسمي، لم يفتتح أبوابه.

ليس فقط لأن الأعضاء الثلاثة الباقين من الجالية اليهودية لم يجدوا طريقة للاحتفال، لقلة عددهم عن 10، لكن أيضا لأن اليهود المتبقين والإسرائيليين بمصر والأجانب المدعوين، فضلوا البقاء في منازلهم لمشاهدة نهائي كأس العالم بين الأرجنتين وفرنسا.

لذا تقرر تأجيل الاحتفال، وفق شبكة “سي بي إس.نيوز”، لضمان حضور الضيوف الأجانب والدبلوماسيين ومصريين.

بعدها بثلاثة أيام قالت سفيرة إسرائيل بالقاهرة أميرة أورون عبر تويتر في 21 ديسمبر، إنهم احتفلوا بعيد الحانوكا في كنيس “مئير بيطون” في حي المعادي.

وبدأ الاحتفال بإضاءة الشمعة الأولى من ثماني شموع للشمعدان (شمعة واحدة لكل ليلة من ليالي حانوكا الثمانية)، مع تلاوة صلوات يهودية، وعزف يهودي أميركي موسيقى من أغاني حانوكا التقليدية مثل “يا حانوكا” و “معوز تسور”

تبع ذلك حفل استقبال في حديقة المعبد وتناول حلويات يهودية، وتبادل الحديث بين الحاضرين عن مستقبل الوجود اليهودي الذي يندثر في مصر، وكيفية الحفاظ على ما تبقى من تراث ومعابد وأثار.

وكان من الحاضرين العديد من الدبلوماسيين، والقائم بالأعمال الأميركي في مصر دانيال روبنشتاين، والسفير المالطي روبرتو بيس وممثلو السفارة الإسبانية في القاهرة، ووفد سياحي أميركي يضم بعض اليهود.

وجود متضائل

وأقيم احتفال ثانٍ أقل رسمية في معبد “فيتالي مادجار” في ضاحية مصر الجديدة شرقي القاهرة يوم 20 ديسمبر، استضافة مصريون، بحسب سامي إبراهيم المدير التنفيذي لجمعية “قطرة لبن” التي تعني بالتراث اليهودي في مصر.

و”إبراهيم” مسلم، ووالده مصري من أصل يهودي، هو ألبرت آري، ودفن كمسلم بعد وفاته في أبريل/ نيسان 2021، لأنه أسلم كي يتزوج مصرية مسلمة.

وتتولى جمعية “قطرة لبن” مسؤولية الحفاظ على تاريخ اليهود في مصر، خصوصا بعد تراجع عددهم، وترأس الجمعية رئيسة الطائفة ماجدة هارون.

وقامت الجمعية بإجراء ترميم الآثار اليهودية وتنظيف المعابد، وتنظيم جولات للشباب عبر فيسبوك في المعابد اليهودية، في ظل توالي وفاة من تبقى منهم، سوى ثلاث عجائز.

وفي لقاء سابق لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” في فبراير/شباط 2016، أكدت هارون تقلص عدد يهود مصر إلى 11 سيدة فقط من العجائز، ما يعني أنه توفي منهم 8 سيدات خلال ست سنوات حتى 2022.

وهو ما أكدته هارون، لـ”المونيتور” في 22 ديسمبر 2022 قائلة: “بقي ثلاثة يهود مصريين فقط، جميعهم نساء مسنات، من الجالية اليهودية التي كانت كبيرة في مصر ذات يوم”

وأعربت عن قلقها من أنه في غضون بضع سنوات أخرى، لن يتبقى يهود في مصر، لذلك تؤكد أنها عملت مع المسؤولين لضمان الاهتمام بالتراث اليهودي في مصر والمواقع التاريخية الكبرى، بعد رحيلها.

وتدير هارون ممتلكات يهودية في مصر تقدر بـ12 معبدا أشهرها المعبد اليهودي الرئيس بشارع عدلي بوسط القاهرة، و4 مقابر، أكبرها “ليشع ومنشه” التي تم تجديدها وتطويرها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، و5 مدارس بلا طلاب في أنحاء مصر كافة.

وحول مشكلة الصلاة اليهودية قالت هارون: “عادة ما يكون زعيم الجالية اليهودية حاخاما، لكن لم يكن هناك حاخام واحد منذ الستينيات، لذا لجأنا إلى تنصيب امرأة لقيادة الصلاة بالمخالفة للعقيدة اليهودية”

وقبل أن يشارك رجال السفارة الإسرائيلية في الصلوات بمعابد مصر اليهودية كانت اليهوديات الباقيات يجدن مشكلة في الصلاة، لكنهن كن يصلين بناء على تعليمات “جوجل” للصلاة اليهودية، حسب هارون.

وحين كان السفير الإسرائيلي السابق في مصر دافيد جوفرين (نقل للمغرب حاليا) يدير شئون السفارة، كان يقود تلاوة الصلاة التقليدية الخاصة بالأعياد والمناسبات اليهودية، بنفسه كما فعل عام 2018.

وكان آخر وأقدم الرجال اليهود في مصر هو “ألبرت آرييه”، لكنه توفي 15 أبريل/ نيسان 2021 عن عمر يناهز 91 عاما، وحظي برثاء حار من اليسار المصري بسبب “مواقفه الوطنية” لأنه معادٍ لإسرائيل حسب قولهم.

حيث كان “آرييه” ناشطا في الحزب الشيوعي المصري ورفض الهجرة لإسرائيل كما رفض احتلالها أرض فلسطين، وحين وقعت مصر معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979 أعلن معارضته الشديدة لها وللرئيس السابق أنور السادات.

وكان آرييه واحدا من ثلاثة يهود بارزين من مصر انضموا للحركة ضد الاستعمار الإنجليزي ورفضوا الهجرة لإسرائيل، بجانب المحامي شحاتة هارون (توفي 2001) والد رئيسة الطائفة اليهودية الحالبة، والمحامي يوسف درويش (توفي 2006) وهو جد الممثلة “بسمة”

وقال “آرييه”، في تسجيلات لأفلام تاريخية عن يهود مصر، أنه اعتنق الإسلام في الستينيات ليتزوج مسلمة، لكنه لم يُعرّف نفسه شخصيا على أنه مسلم أو يهودي في أي حوار.

ووفقا لأرقام رسمية مصرية كان عدد يهود مصر عام 2009 قرابة 500 يهودي بعد معاهدة السلام مع إسرائيل، غالبيتهم كانوا من البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية أو الخبراء الزراعيين ورجال الأعمال اليهود، أو المصريين اليهود الذين هاجروا من مصر ثم عادوا للعمل.

وكان تعداد الطائفة اليهودية بمصر في بداية القرن العشرين وفقا لتقديرات شبه رسمية 100 ألف يهودي، ثم تقلص العدد إلى 80 ألفا عام 1947، وهاجر أغلبهم عقب الحروب العربية الإسرائيلية.

ويُعد اليهود المصريون من أكبر الطوائف اليهودية في العالم العربي، وأكثرها نفوذا وانفتاحا، ويقدر عددهم حاليا في إسرائيل بنحو 50 ألفا، بحسب موقع “العربية” السعودي في 4 أبريل/نيسان 2013.

عيد الحانوكا

ترجع أصول هذا العيد إلى عصر ما يعرف بـ “الهيكل الثاني”، في القرن الثاني قبل الميلاد، بعدما احتل الإغريق السلوقيون القدس، واضطهدوا سكان مملكة يهودا، ومنعوهم من ممارسة طقوسهم الدينية.

وتبع هذا الاحتلال، تكريس العبادة للإله اليوناني، زيوس، ليصبح الهيكل معبدا لعبادة الأوثان، وهو ما يعده اليهود تدنيسا لقدسية هيكل سليمان.

وعيد حانوكا يعد بمثابة ذكرى إحياء أو تدشين الهيكل الثاني في القدس، عام 164 قبل الميلاد، بعد حصولهم على حرية العبادة مرة أخرى، بعد ثورة شعبية قام بها اليهود، بقيادة يهودا المكابي.

وتقول سفارة إسرائيل في مصر إن هذا العيد “إحياء لذكرى معجزة الزيت وتدشين الهيكل الثاني في أورشليم القدس عام 164 قبل الميلاد بعد تدنيسه من قبل اليونانيين”

وتؤكد أن هذا العيد له جذر تاريخي وآخر ديني، بحسب المعتقدات اليهودية، يتعلق بمحاولة الملك أنطيوخوس الرابع في القرن الثاني قبل الميلاد فرض الثقافة الهيلينية على اليهود، وفرض عبادة آلهة الإغريق داخل الهيكل.

لذا يرون أن الاحتفال بعيد حانوكا، ذكرى لاستعادتهم حرية العبادة، وبقاء ما يُسمي “الزيت المقدس” مشتعلا لثماني ليالٍ في الهيكل لإنارة الشموع.

وتشير روايات يهودية، إلى أن اليهود مع دخولهم الأول للمعبد لم يجدوا إلا جرة زيت واحدة، تكفي لإشعال يوم واحد، فقط، للشمعدان، إلا أن الزيت غطى الأيام الثمانية للاحتفال، بخلاف التوقعات، ما عدوه معجزة سميت بـ “معجزة الزيت”.

شاهد أيضاً

الأمم المتحدة: الأوضاع الإنسانية في غزة تزداد سوءا بسبب الحصار الإسرائيلي

أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية (أوتشا) أن الأوضاع الإنسانية في …