كيف يتأثر نظام السيسي بوفاة المشير طنطاوي قائد الثورة المضادة؟


اثنان أثرا بشدة في مسيرة قائد الانقلاب العسكري في مصر عبد الفتاح السيسي، فكريا وعسكريا، وقد يؤثر غيابهما على مستقبل “طبيب الفلاسفة” المزعوم.

الأول هو كاتب ومهندس تفكير حكام مصر العسكريين، محمد حسنين هيكل، الذي أقر السيسي بتأثيره عليه وأنه “قرأ كل كتاباته”، وكان يرسم لرئيس النظام خطوات انقلابه حتى وفاته 17 فبراير/شباط 2016.

ثاني الآباء الروحيين للسيسي هو المشير حسين طنطاوي، آخر وزير دفاع خلال حكم المخلوع حسني مبارك، ولعب دورا في إجهاض ثورة يناير، والذي رحل في 21 سبتمبر/ أيلول 2021 تاركا العديد من الأسرار عن الثورة وانقلاب 2013 بلا إجابة.

كان أكثر جنرالات مصر المؤثرين في المشهد السياسي خلال السنوات الأخيرة، وخزينة أسرار الدولة المصرية خلال ثورة يناير/كانون الثاني 2011، لرئاسته المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي أدار البلاد بعد إسقاط الرئيس حسني مبارك.

تمكين السيسي

بعد عزل الرئيس محمد مرسي للمشير في 12 أغسطس/آب 2012، لعب طنطاوي دورا في إقناع أعضاء المجلس العسكري بدعم السيسي في خطة الانقلاب، ثم في ترشيحه رئيسا عسكريا جديدا، بحسب محللين.

رد السيسي الجميل لطنطاوي وكان يحرص على إجلاسه على يمينه في غالبية المناسبات العسكرية والسياسية، حتى وفاته، لينقل رسالة لثوار يناير والإخوان المسلمين أن الراحل هو أستاذه.

وعقب وفاته أعلن السيسي الحداد رسميا في مصر وأطلق اسم “طنطاوي” على قاعدة الهايكستيب العسكرية.

لعب المشير طنطاوي دورا كبيرا في تمكين السيسي من وراء الستار بعدما عزله الرئيس محمد مرسي.

اتسمت علاقة طنطاوي بعبد الفتاح السيسي بالتميز، حيث كان هو من اختار رئيس النظام الحالي قائدا للمخابرات الحربية وعضوا بالمجلس العسكري في نهاية عهد مبارك.

ظل هو الأب الروحي للسيسي والقائد الحقيقي لإجهاض ثورة يناير ومن دعم الانقلاب على الرئيس محمد مرسي وإلغاء التجربة الديمقراطية.

في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013 وبعد تمكن الانقلاب، كشف عبد الفتاح السيسي عن دور سلفه حسين طنطاوي في الانقلاب خلال تسريب من إحدى الندوات الخاصة بضباط القوات المسلحة.

قال بعد 5 أشهر من الانقلاب: “كل ما يجري حاليا يرجع إليه”، ليفتح أبواب التساؤل حول الدور الذي لعبه طنطاوي ولا يزال غير معروف.

لذا كرمه السيسي مرارا بعد وصوله إلى الحكم، في إشارات صريحة لدوره في انقلاب يوليو/ تموز 2013 وتقويض هدف الثورة الرئيس.

في مقال نشره على موقع “بي بي سي”، 27 مارس/آذار 2014، وصف الخبير السياسي والعسكري “روبرت سبرنغبورغ”، السيسي بأنه “حماية طنطاوية”، وأنه “وجه جديد للحرس القديم في مصر”

أشار “سبرنغبورغ” إلى دور طنطاوي في ترشيحه لتولي منصب وزير الدفاع عقب إقالة الرئيس مرسي له، وموافقة السيسي على تولي المنصب، مقابل تكريم المشير.

وقال: “إذا كان هناك أي شكوك حول استقلال السيسي عن قاعدته الأصلية في القيادة العليا للجيش تحت إمرة طنطاوي، فإن التحركات الشخصية اللاحقة لإسقاط مرسي ينبغي أن تبدد تلك الشكوك”

المحلل العسكري “محمود جمال” روى نقلا عن مصادر عسكرية 30 مارس/آذار 2020 أن خطة انقلاب يوليو/تموز 2013، “كان يعلمها السيسي وطنطاوي بالأساس ومعهم عدد قليل من قيادات المجلس العسكري”

قالت المصادر العسكرية: إن “تلك الخطة كانت تهدف لتصعيد السيسي وليس غيره رئيسا للجمهورية”، وهو ما لم يرحب به لاحقا بعض قيادات المجلس العسكري كانت ترى أحقية وصولها إلى هذا المنصب.

تحدث السيسي عن حلم الوصول للرئاسة مع ياسر رزق رئيس تحرير أخبار اليوم السابع في 13 ديسمبر/ كانون أول 2013.

وكان هذا اللقاء تمهيدا منه للشعب بأنه سيكون الرئيس القادم، رغم نفيه أكثر من مرة أن يكون يطمع في الحكم.

قال: “حلمت إني كنت مع (الرئيس الأسبق أنور) السادات بكلمه وقالي أنا كنت عارف إني هبقى رئيس الجمهورية، وقلت له: وأنا كمان عارف إني هبقى رئيس جمهورية”.

“عدو التغيير”

صوت المجلس العسكري لصالح السيسي، وليس للقائد العسكري سامي عنان للترشح لانتخابات الرئاسة في 2014، “بناء على دور كبير لعبه المشير حسين طنطاوي وما لديه من رصيد عند كلا الطرفين”، بحسب ما تحدثت مصادر لـ “المعهد المصري للدراسات”

وتحت عنوان: “مؤامرة الجنرالات في مصر”، كتب البروفيسور الفرنسي “جيل كيبل” أستاذ ورئيس برنامج الدراسات الشرق أوسطية في معهد الدراسات السياسية بفرنسا يونيو/حزيران 2014 يشير لدور طنطاوي في انقلاب 2013.

وفقا لـ “كيبل”: “الانقلاب كان مدبرا” مشيرا إلى أنه التقى بعد شهور من ثورة يناير 2011 مع مستشار المشير طنطاوي.

قال: إن المستشار أخبره أن “المؤسسة العسكرية ستسمح للإخوان بالصعود للحكم، ومن ثم تكشف مساوئهم وتجعل الشعب يثور ضدهم، ثم يطالب بعودة الجيش لسدة الحكم”

كان المشير حسين طنطاوي يوصف أنه “عدو التغيير”، وفي شهادته خلال محاكمة مبارك قال: إنه فوجئ بقرار الأخير التنحي عن الحكم.

فلم يكن له طموحات كبيرة في الحكم بحكم سنه ومرضه وافتقاره لطموح السيسي وطبيعته العسكرية الروتينية.

وحين تولى منصب رئيس الدولة بالإنابة بعد استقالة مبارك، سعي للإبقاء على الأوضاع والمؤسسات كما هي.

وصفته برقية دبلوماسية أميركية بتاريخ مارس/آذار 2008 نشرها موقع ويكيليكس بأنه “مسن ومقاوم للتغيير”

اعترف طنطاوي أنه لم يكن يرغب بصعود الإخوان المسلمين لكن كانت هذه إرادة الشعب في الانتخابات، لا المجلس العسكري.

وهو ما ينفي ما ردده دعاة “جبهة الإنقاذ” ومؤرخون بوجود تنسيق وتحالف سابق بين العسكر والإخوان.

خلال شهادته في محاكمة الرئيس الراحل حسني مبارك ونجليه ووزير داخليته حبيب العادلي و6 من كبار مساعديه، والذين برأتهم المحكمة جميعا 14 ديسمبر/ كانون أول 2013، قال طنطاوي: “الشعب سلم الدولة للإخوان”

في شهادته التي نشرتها صحيفة “المصري اليوم” 18 أغسطس/آب 2014 ردا على سؤال: “لماذا قمتم بتسليم الدولة للإخوان؟” قال: إن الشعب هو من فعل.

أضاف: “كان الناس في ذلك الوقت عايزين الديمقراطية وألا يحكم الجيش البلاد لمدة طويلة وقمنا بعمل انتخابات والشعب اختار”

عقب السيسي على ذلك قائلا عقب وفاة طنطاوي: إن “المشير كان يؤلمه تسليم الدولة لفصيل معين بعد انتخابات 2012″، في إشارة للرئيس محمد مرسي وحزب الحرية والعدالة التابعين لجماعة الإخوان المسلمين.

قال خلال كلمة على هامش افتتاح مشروعات في سيناء، 21 سبتمبر/أيلول 2021: “كان يدرك المؤشرات التي تفيد بوصول فصيل معين للحكم بعد 2011”.

لكن السيسي، ضمن تصريحاته المتناقضة العديدة، عاد ليقول إن “تولي هذا الفصيل (الإخوان) الحكم هو أمر أقل ضررا من سقوط الدولة وانهيارها بالكامل”.

قبل هذا وخلال مروره بميدان التحرير 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، ظهر أحد الأشخاص يقول له: «عايزين نعدم الإخوان»، فرد طنطاوي: «إن شاء الله (…) لا نعدم ولا نعمل”، في رسالة تشير ربما لعدم نية نظام السيسي إعدام قادة الإخوان، أو ربما لتخفيف حالة الاحتقان في ذلك اليوم، وهو نقيض ما يحدث اليوم.

ويعد طنطاوي وزير الدفاع الأطول فترة في تاريخ مصر؛ حيث تولى المنصب لـ 21 عاما كما تولى رئاسة مصر بصفته رئيسا للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد تنحي مبارك في 11 فبراير/شباط 2011.

وظل على رأس السلطة حتى تسليم منصبه وأداء اليمين الدستورية في الأول من يوليو/تموز 2012، وأحيل للتقاعد بقرار من الرئيس مرسي في 12 أغسطس/آب 2012.

خمسة جرائم

رغم أن المشير حسين طنطاوي تعمد زيارة ميدان التحرير محل اعتصام الثوار، 4 فبراير/شباط 2011، في رسالة تشير لدعم الجيش مطالب المتظاهرين بـ”إسقاط النظام”، فقد تورط في جرائم ضد الثوار.

خلال فترة توليه حكم مصر بصفته رئيسا للمجلس العسكري ما بين فبراير/ شباط 2011 وعزله في أغسطس/آب 2012، شهدت مصر خمس مجازر شكلت جرائم لحكم العسكر.

هذه المجازر هي: مذبحة استاد بورسعيد وماسبيرو ومحمد محمود والعباسية ومجلس الوزراء، وقتل فيها قرابة 172 مصريا وأصيب 5860 من الضحايا برصاص الشرطة والجيش، بحسب إحصاء لـ “الاستقلال”.

وهناك تقديرات أعلى من ذلك ذكرتها جهات غير رسمية وناشطون تصل إلى حصر قرابة 600 قتيل خلال هذه الأحداث خلاف آلاف المصابين.

لأن هذه الجرائم معروفة، حاول السيسي الدفاع عن طنطاوي مؤكدا عقب وفاته: إنه “بريء تماما من أي دماء أريقت في مرحلة ما بعد ثورة يناير 2011”.

زعم في كلمة ألقاها بسيناء يوم وفاة طنطاوي أنه “بريء من أي دماء؛ سواء في أحداث محمد محمود أو ماسبيرو أو استاد بورسعيد”.

كما ادعى السيسي أن “المؤامرات من المفسدين كانت وراء هذه الأمور”، دون أن يوضح هوية المسؤولية.

كانت “مذبحة ماسبيرو” أولى هذه المجازر، التي وجهت للمشير طنطاوي فيها تهمة قتل أقباط، في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2011 ضمن فعاليات ما سمي “يوم الغضب القبطي”، ردا على هدم كنيسة غير مرخصة في أسوان.

خرجت مظاهرة من حي شبرا شمال القاهرة متجهة إلى مبنى التلفزيون (ماسبيرو) وهتفت ضد طنطاوي والمجلس العسكري، تحولت إلى مواجهات بين المتظاهرين وقوات من الشرطة العسكرية والأمن المركزي.

انتهى الأمر بمقتل 28 شخصا بالإضافة لـ 400 مصاب أغلبهم من الأقباط وبعض المسلمين المتضامنين معهم، بعضهم توفي بفعل دهس مدرعات عسكرية لهم خلال المواجهات التي جرى خلالها إحراق 4 سيارات للشرطة ومواطنين.

تلتها أحداث محمد محمود الأولى نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، التي شهدت حرب شوارع واشتباكات دموية ما بين المتظاهرين وقوات الشرطة يعاونها الجيش.

وصفها مركز “النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب” بأنها كانت “حرب إبادة جماعية” للمتظاهرين باستخدام القوة المفرطة.

وقعت المجزرة في الشوارع المحيطة بميدان التحرير وخاصة في شارع محمد محمود بدءا من 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 حتى 25 من الشهر ذاته.

أدت إلى مقتل 40 وإصابة 2500 وفق تقارير طبية ومصادر بيانات ثوار الميدان حينئذ بسبب استخدام الرصاص وقنابل الغاز وبعضها سامة مثل (CS)

بعد نحو 3 أشهر من مواجهات محمد محمود، سقط 74 عضوا من أعضاء ألتراس النادي الأهلي والجمهور في “مجزرة استاد بورسعيد” بالأول من فبراير/كانون الثاني 2012 عقب مباراة ناديي الأهلي والمصري.

أدى إغلاق الشرطة البوابة الحديدية على جماهير الأهلي وهجوم بلطجية وأعوان للشرطة على الجماهير لسقوط 74 قتيلا وإصابة قرابة ألف آخرين بسبب الأسلحة البيضاء والاختناق والتدافع.

بعد المجزرة بخمس سنين، أيدت محكمة النقض 20 فبراير/ شباط 2017 أحكام الإعدام بحق عشرة متهمين في قضية “مذبحة بورسعيد”.

تبع هذا “أحداث مجلس الوزراء” التي شهدت اشتباكات بين المتظاهرين الرافضين لتعيين كمال الجنزوري رئيسا للوزراء 16 ديسمبر/كانون الأول 2011 وبين قوات عسكرية أمام مبنى مجلس الوزراء.

استمرت الاشتباكات حتى 23 من الشهر ذاته، وقتل فيها 19 متظاهرا وأصيب ألفان.

وفي الثاني من مايو/أيار 2012، وقعت “أحداث العباسية” بسبب اشتباك قوات الجيش مع معتصمين وهجوم “مسلحين مجهولين” يعتقد أنهم تابعون لمخابرات السيسي الحربية حينئذ على المعتصمين لقربهم من وزارة الدفاع.

كان المعتصمون يرغبون في تسليم عريضة لوزارة الدفاع تطالب بإلغاء مادة تحصن لجنة انتخابات الرئاسة من الطعن، واتهم وقتها المجلس العسكري بإرسال البلطجية الذين هاجموهم.

انتهى الأمر بوفاة 11 معتصما وإصابة 60 وفض الاعتصام بالقوة، وهتف المعتصمون في مسيرة حاشدة في الجمعة التالية ضد حكم العسكر وطالبوا بإعدام المشير.


Comments

comments

شاهد أيضاً

الإعلام اليوناني: اتفاقيات أمريكا وفرنسا مع أثينا دعم لها ضد تركيا

وقعت الولايات المتحدة واليونان، تحديثا لاتفاقية الدفاع المشترك القائمة بينهما، في خطوة وصفتها وسائل إعلام …