لا تَعْجَل… فإرادة الله تعمل

آلمتني كآبة بعض الشباب داخل البلاد الإسلامية، وبخاصة في المنطقة العربية؛ فحديثهم حزين، ونبراتهم يائسة، ونظراتهم حائرة، وعزائمهم خائرة، وأفكارهم مشتتة، وحُق لمن يعاصر هذه المرحلة الأليمة من واقع الأمة الإسلامية أن يعتريه بعض مما ذُكر.
 أليس لهؤلاء الشباب أحلام وآمال أُطيح بها، وقد كانوا يرون بصيصها على أعتاب ثوراتهم؟.
أليس لهؤلاء الشباب كرامة دِيست وعزة أُهينت، وقد كانوا يضحون من أجلها؟.
أليس لهؤلاء الشباب أوطان أُحتلت ومجتمعات تفككت، وقد كانوا يخططون لرفعتها والنهوض بها؟.
أليس لهؤلاء الشباب قيم ومبادئ زُيفت وسُفهت، وقد كانوا يعتزون بها ويتغنون بمآثرها؟.
أليس لهؤلاء الشباب أصحاب وأصدقاء غُيبوا في السجون أو القبور، وقد كانوا يعملون – سوياً- لبناء حاضرهم واستشراف مستقبلهم؟.
 لاشك أن الواقع مكتظٌ بأزمات وتوترات متلاحقة، ومزدحمٌ بخيانات ومؤامرات متعاقبة، ومكفهرٌ بدماء وأشلاء متناثرة، وبئيسٌ بأحزاب وتكتلات متناحرة؛ تجعل الحكيم حيراناً، والفَتِي كسلاناً، والصبور جزعاً… ولكن مع استحضار هذا الواقع المر العلقم، ما ينبغي أن تغيب عن أصحاب القلوب المؤمنة، إرادةُ الله الغالبة التي تعمل بالليل والنهار. وما ينبغي أن يستهين أصحاب الأرواح الحية بقوة الله التي بها يمسك السماء أن تقع على الأرض. وما ينبغي أن ينسى أصحاب العقول النيرة حكمته وتدبيره؛ فعليهما يقوم شأنُ كل من السماء والأرض. والمطلوب أن يؤدي المصلحون ما عليهم من واجبات الزمان والمكان، وألا ينشغلوا بأفعال الظلمة، ولا يتأثروا بكيد الخائنين، ولا يفكروا في موعد نهاية المجرمين؛ فهذا كله من شأن الملك الأوحد والعدل المطلق، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة. يقول تعالى:(فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا). يقول سيد قطب عند هذه الآية: “إنه لتصوير مرهوب، فيا ويل من يعدُّ الله عليه ذنوبه وأعماله وأنفاسه، ويتتبعها ليحاسبه الحساب العسير”. أتظن أن الله (الحكم العدل) يسوي بين المفسدين والمصلحين؟ أليس هو القائل: (أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي ٱلأَرْضِ)؟ وانظر كيف يجمع الله عمل الصالحات مع الإيمان؟ فهم قرينان، أما الإفساد فيذكر منفرداً، إذ إنه لا دين له ولا إيمان لفاعليه.
إن عدل الله المطلق يأبى أن تكون هناك مساواة في النتائج والعواقب بين هذين المتناقضين، كما أنه ليس هناك اتفاق بينهما فيما يعملون ويخططون. أتظن أن الله (السميع البصير) يخفى عليه عمل الظالمين وكيدهم؟ أليس هو القائل: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)؟، يقول ميمون بن مهران: “في الآية تعزية للمظلوم ووعيد للظالم”. وعيدٌ للظالمين، إذ إنه سبحانه يعلمهم وإن استخفوا بمكرهم، وتعزيةٌ للمظلومين، فهو سبحانه وليهم وناصرهم وإن تخلى عنهم الجميع. يقول تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا). في حين أن الظالمين، وإن حاطهم المنافقون، وتزلف إليهم الأفاكون، فهم في خزي الدنيا وخسران الآخرة.  يقول تعالى: (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ). يقول سيد قطب: “فقد عُدم النصير، وأُغلق السبيل”. أتظن أن الله (العزيز المنتقم) يترك المجرمين ينعمون بما ارتكبوا، ويذر المصلحين المنتمين إليه بلا نصير؟ أليس هو القائل: (فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)؟. فلا تشغل نفسك بالمحاسبة والانتقام، ولكن حاول جاهداً أن تحقق في نفسك وفيمن حولك ما يُعَجّل بالنصر الذي جعله الله – تكرمًا منه- حقاً عليه.
 يقول رشيد رضا في مناره عند هذه الآية: “ولكننا نرى كثيراً من الذين يدعون الإيمان في هذه القرون الأخيرة غير منصورين، فلا بد أن يكونوا في دعوى الإيمان غير صادقين، أو يكونوا ظالمين غير مظلومين، ولأهوائهم, لا لله, ناصرين، ولسننه في أسباب النصر غير متبعين، وإن الله لا يخلف وعده ولا يبطل سننه، وإنما ينصر المؤمن الصادق، وهو من يقصد نصر الله وإعلاء كلمته، ويتحرى الحق والعدل في حربه، لا الظالم الباغي على ذي الحق والعدل من خلقه”. فبادر فيما في يدك تحقيقه وأداؤه فعمرك معدود وزمانك محدود، ولا تعجل فيما ليس في يدك قراره، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة قطر

Comments

comments

شاهد أيضاً

هكذا يسعى أعداء الإسلام لنشر خطاب الكراهية إلكترونياً عبر “خوارزميات” ومنصات مزيفة

حين اخترع العالم المسلم أبو جعفر محمد بن موسى الخوارزمي الابتكار الذي أصبح ينسب له …