لماذا عاد “تنظيم الدولة” إلى مناطحة قوات السيسي قرب قناة السويس؟

بعد قرابة أسبوع من إعلان رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع في 2 أغسطس 2022 أن الممر الملاحي سجل أعلى إيراد شهري في تاريخه بواقع 704 ملايين دولار مقابل 531.8 مليون دولار خلال نفس الشهر عام 2021.

عادت أنشطة تنظيم الدولة (ولاية سيناء) قرب القناة للتصاعد، مهددة جيش النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي الذي دأب على ترديد مزاعمه أن منطقة سيناء باتت آمنة بشكل كامل، بحسب موقع “الاستقلال”.

وبعد هجمات في يناير/كانون الثاني ومايو/أيار 2022 بمناطق تبعد 15 و25 كيلومترا عن قناة السويس، وقعت هجمات أقرب في 11 أغسطس 2022 على مسافة 5 كيلومترات فقط من المجرى الملاحي، ما يشكل تحديا للجيش والنظام في مصر التي تواجه أزمة اقتصادية متفاقمة حاليا.

ورغم التعتيم الإعلامي وصمت المتحدث باسم الجيش عن ذكر أي معلومات بشأن الهجوم الذي وقع بمنطقة القنطرة بمحافظة الإسماعيلية، تداولت وسائل إعلام تقارير عن حشد الجيش قوات ضخمة برية وجوية ومليشيات قبلية لصد مسلحي تنظيم الدولة.

ماذا جرى؟

بحسب مصادر سيناوية متعددة سيطر مسلحو تنظيم الدولة في 11 أغسطس على منطقة محولات كهرباء مدينة القنطرة، والتي تبعد 5 كيلومترات عن قناة السويس، وحاصروا منطقة سكة الحديد هناك، وقطعوا الطرق.

أكدت المصادر لـ “الاستقلال”، أن أعضاء التنظيم اعتلوا جسر جلبانة، بين الطريق الدولي الرابط بين مدن شمال سيناء وقناة السويس، ونصبوا حاجزا، وفتشوا أوراق السائقين، وصادروا 7 سيارات، وفخخوا الطرق لصد الجيش ومليشيات القبائل.

أغلقت قوات الجيش كمين المثلث القريب من قناة السويس في وجه المسافرين القادمين إلى محافظة شمال سيناء ومعبر رفح البري مع قطاع غزة، كما أغلقت كمين “بالوظة” في وجه المسافرين من محافظة شمال سيناء باتجاه القناة.

تبع هذا اشتباكات عنيفة استمرت قرابة أربعة أيام في منطقة “جلبانة” بسيناء التابعة لمدينة القنطرة، بين مسلحي التنظيم وقوات الجيش والقبائل المعاونة له، وعمليات قصف جوي عنيفة.

وأكدت صفحات القبائل وأخرى عسكرية أن الاشتباكات شارك فيها قرابة 50 من مسلحي التنظيم احتلوا المنطقة وكادوا يهددون الملاحة في القناة لو اقتربوا منها أكثر، ما استدعى تدخل قوات الجيش لـ”حرق” المنطقة التي يوجد فيها المسلحون.

فيما نقل موقع “مدى مصر” الإلكتروني في 14 أغسطس، عن مصادر لم يسمها أن المسلحين سيطروا على مسافة 500 متر بطول الطريق الدولي “العريش/القنطرة” بداية من سوق جلبانة وحتى شركة الكهرباء.

محلل عسكري مصري أشار إلى أن وجود مسلحي التنظيم بأعداد كبيرة، في قرية جلبانة يهدد بتكرار ما حدث في المثلث اﻷخضر، حين سيطر التنظيم على قرى قاطية والمريح والجناين، جنوب غرب بئر العبد، نحو ثلاثة أشهر.

وأضاف لـ”الاستقلال” أن هذا الوجود القريب جدا من المجري الملاحي يهدد قناة السويس، ولهذا تعامل الجيش بعنف معهم وكانت العبارة التي ترددت بين الضباط هي “احرقوهم” خشية تأثر القناة بأعمال القتال القريبة.

ولم يعلن المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة أي بيانات بخصوص ما يحدث في جلبانة، ولم تنشر الصحف المصرية أي شيء عما يجري.

ويحظر القانون المصري نشر أي بيانات أو معلومات أو أخبار تتعلق بالجيش، ويفرض حظرا إعلاميا واسعا على أوضاع سيناء ويعاقب من ينشر معلومات بخلاف ما يبثه الجيش فقط بالسجن.

لكن صفحة “اتحاد قبائل بئر العبد” نشرت في 12 أغسطس، أن طائرات الأباتشي المصرية استهدفت المهاجمين وبحوزتهم أسلحة ثقيلة، وقتلتهم.

وتحدثت في منشور آخر يوم 13 أغسطس عن “دعم عسكري ينزل سيناء لأول مرة “، للقضاء على المهاجمين من تنظيم الدولة على جلبانة، دون تحديده.

لماذا قناة السويس؟

تؤكد دراسة لمجموعة أبحاث المعلومات البريطانية IHS Markit Ltd نشرت مطلع أبريل/نيسان 2021، أن تنظيم الدولة معني بقناة السويس وإثارة البلبلة حولها.

أوضحت أن تأثير حادثة سفينة الحاويات إيفر جيفن، التي أغلقت قناة السويس في 23 مارس/آذار 2021، على التجارة العالمية أقلق صناعة النقل البحري بشأن احتمال حدوث اضطراب مماثل “بسبب أعمال العنف السياسي”

أكدت أن “تنظيم الدولة في سيناء يرى قناة السويس هدفا طموحا، وربما شجعه على ذلك التأثير الواسع لحادثة تعطل القناة بسبب السفينة إيفر جيفن”

وأوضحت الدراسة أن “المسلحين في سيناء ليس لديهم القدرة على إحداث أضرار كبيرة أو تعطيل سفينة شحن في قناة السويس”

وأشارت إلى أن “قدراتهم قاصرة على ضربات صاروخية بقذائف “آر بي جي” أو صواريخ مضادة للدبابات لن تؤدي سوى لضرر سطحي لسفينة الشحن ولن يعطلها”

واستدركت: لكن “قد يصبح انسداد القناة بواسطة سفينة متضررة أكثر احتمالا في حالة وقوع هجوم انتحاري باستخدام زورق محمل بالمتفجرات”

ورصدت الدراسة 140 هجوما للمسلحين شمال سيناء بين 2020 و2021، مشيرة إلى أنها كانت “في نطاق يبعد 50 كيلومترا عن قناة السويس”

ما يعني أن وصول التنظيم لمسافة 5 كيلومترات هذه المرة يشكل مزيدا من الخطر للقناة وسلامة السفن.

هجمات سابقة

ما زاد القلق أن هذه ليست أول مرة يقترب فيها التنظيم من سيناء، فقد بدأ في الظهور على الأطراف الغربية بسيناء قرب قناة السويس خلال ديسمبر/كانون الأول 2020، حين هاجم كتائب ونقاط المراقبة التابعة لسلاح الدفاع الجوي أكثر من مرة.

ثم استمر تمدد عمليات التنظيم وصولا إلى منطقتي سهل الطينة وجلبانة بسيناء.

وكان آخر هجوم نفذه التنظيم في 7مايو/ أيار 2022 عندما هاجم نقطة رفع مياه “عرام 2” الواقعة على بعد نحو 26 كيلومترا من قناة السويس، جنوب منطقة الاشتباكات الحالية بقرية جلبانة، وقتل فيه 17 عسكريا مصريا.

ووصف مركز المعلومات حول الاستخبارات والإرهاب (مئير عاميت) الإسرائيلي هذا الهجوم لتنظيم الدولة والذي قتل فيه ضابط و16 جنديا بأنه “يثير القلق”

أوضح في 17 مايو أن هناك مخاوف من أن يحاول تنظيم الدولة توسيع نطاق نشاطه في سيناء إلى ما وراء المناطق التي ينشط فيها عادة (رفح، والشيخ زويد، وبير العبد) والاقتراب أكثر من قناة السويس، بل وحتى وادي النيل.

وذكر أن الهجوم فضح مجددا الصعوبات التي يواجهها الجيش المصري في التعامل مع عناصر ولاية سيناء الذين تمكنوا رغم الضربات الشديدة التي تعرضوا لها من مواصلة ضرب قوات الجيش والأمن والقبائل.

وأكد المركز العبري أن “ولاية سيناء أثبت أن لديه القدرة على التعافي والتكيف مع كل الظروف”

دائرة مفرغة

من جانبها، ذكرت منظمة “سيناء لحقوق الإنسان” في تقرير مطول عبر موقعها في 15 أغسطس 2022 حمل عنوان “جلبانة آخر معاقل ولاية سيناء”، متسائلة: “هل تكتب (جلبانة) آخر فصول التنظيم في سيناء؟”

وأشارت لمحاولة التنظيم فتح جبهات جديدة غرب سيناء بعدما ضاق بهم الحال في معاقله التقليدية شرق سيناء نتيجة تضييق الخناق عليه إثر حملة التجويع والحصار الغذائي على عناصره التي أطلقها الجيش بالتعاون مع مسلحي القبائل.

وأكدت المنظمة أنه بعد السيطرة المؤقتة لمجموعات مسلحة من تنظيم الدولة على الطريق الدولي القنطرة-العريش، انتقل عناصر التنظيم جنوبا باتجاه المناطق الزراعية، شرق الحدود الإدارية لقرية جلبانة باتجاه الجنوب.

ونقلت عن مزارعين أن مقاتلي التنظيم الذين انتشروا بالمنطقة بالعشرات، لم يأتوا لتنفيذ عملية خاطفة وإخلاء المكان بعدها، لكنهم قدموا للاستقرار، معللين ذلك بسرعة تفخيخهم المداخل والطرق داخل الزراعات، وحملهم أسلحة عديدة.

فيما نقلت صحيفة “العربي الجديد” في 12 أغسطس عن باحث في شؤون سيناء لم تسمه، أن ما جرى في منطقة جلبانة يعد صدمة لقوى الأمن المصرية والاستخبارات والمجموعات القبلية المساندة للجيش.

وعد أن “الهجوم يدق ناقوس الخطر بشأن استمرار تنظيم الدولة في خططه لمهاجمة مراكز المدن والمناطق الحيوية بهدف إثبات وجوده على الأرض في سيناء”.

وأشار إلى أنه في الوقت الذي ترفع فيه التقارير والمشاهد المصورة عن سيطرة غير مسبوقة على مناطق رفح والشيخ زويد والعريش وبئر العبد ووسط سيناء، يأتي التنظيم ليسيطر أياما على منطقة حيوية بهذا الحجم، ويتحكم في الطرق الحيوية.

وأوضح أن لدى تنظيم الدولة رغبة جامحة في ضرب قناة السويس أو التأثير على عملها، لعلمه المسبق بتأثير ذلك على النظام المصري، والاقتصاد العالمي.

Comments

comments

شاهد أيضاً

ميدل إيست آي: الأمن وميليشيات قبائل بسيناء مُتهمين بإعدام مدنيين وأطفال مكبلين

اتهم موقع ميدل إيست آي البريطاني الأمن المصري وميليشيات القبائل بإعدام مدنيين وأطفال مكبلين بعد …