لم يعد يقتصر على المسلمين .. ماذا وراء النمو السريع لـ “صناعة الحلال”؟

مع زيادة أعداد وأنشطة المسلمين حول العالم بدأت تظهر مطاعم تقدم ما يسمى بـ”الطعام الحلال”، الذي يقصد به عدم شموله على مشتقات الخنزير أو الكحول، فضلا عن الذبح وفق الشريعة الإسلامية.

ومع الوقت توسع سوق الحلال ليصبح صناعة كاملة تسمى “صناعة الحلال” (halal industry)، لا تشمل الطعام فقط لكن أيضا السياحة والأزياء والأدوية ومستحضرات التجميل والمنتجات الصحية وأدوات الزينة، بحسب موقع “الاستقلال”.

وفي السنوات الأخيرة امتدت لتشمل الخدمات اللوجستية، والشحن، والتسويق، والوسائط المطبوعة والإلكترونية، والتعبئة، والعلامات التجارية، والتمويل، وحتى العملات الرقمية (البتكوين الحلال).

وأصبحت “صناعة الحلال” تحقق سنويا مكاسب بمليارات الدولارات، ما دفع عديدا من المسلمين وغير المسلمين للإقبال عليها، ليبلغ حجم هذا القطاع تريليونات الدولارات.

إقبال لافت

وفي الفترة بين 7 و10 سبتمبر/ أيلول 2022، استضافت العاصمة كوالالمبور فعاليات معرض ماليزيا الدولي الثامن عشر للحلال، معلنة عن هدف تحقيق أرباح بقيمة 423 مليون دولار عبر المعرض.

وفي تغطيتها للمعرض قالت وكالة الأناضول التركية، إنه نجح هذا العام في استقطاب نحو 400 شركة من جميع أنحاء العالم، موزعة على 13 قطاعا.

تشمل المواد الغذائية والأدوية والتجارة الإلكترونية ووسائل الإعلام والترفيه والتمويل الإسلامي والأزياء ومستلزمات العناية الشخصية ومستحضرات التجميل والسياحة والفنون والثقافة وغيرها.

وتعد قطر وتركيا والسعودية والولايات المتحدة والهند وبوتان وفيتنام وتايلاند من كبار المشترين في المعرض، بينما تعد ماليزيا وسنغافورة من أكبر البائعين، وفق الأناضول.

كما تعد صناعة الحلال واحدة من الأسواق سريعة النمو عالميا، حيث تكتسب المنتجات والخدمات في هذا القطاع زخما بين المستهلكين المسلمين وغير المسلمين على حد سواء في جميع أنحاء العالم.

وتتنبأ المؤشرات العالمية للاقتصاد الإسلامي بأن سوق الحلال العالمي سينمو من 2.09 تريليون دولار في عام 2021 إلى ما يقرب من 3.27 تريليونات دولار بحلول 2028.

ولم يعد هذا السوق قاصرا على 1.8 مليار مسلم، وتشير دراسات عديدة إلى اعتماد الملايين من غير المسلمين بصورة متزايدة على المنتجات الحلال، مرجعة ذلك بعلاقتها بالبيئة والصحة والحياة السليمة.

وأدى رواج صناعة الحلال في العالم لانعقاد معارض إكسبو سنوية لعرض المنتجات الحلال مثل الذي استضافته ماليزيا أو آخر استضافته تركيا، في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

وإلى جانب المعارض نظمت سبع قمم عالمية للحلال برعاية منظمة التعاون الإسلامي، وستعقد الثامنة في مدينة إسطنبول التركية بين 24 و26 نوفمبر 2022.

حجم السوق

تتضارب الأرقام بشأن حجم صناعة الحلال داخل الدول الإسلامية أو خارحها، بسبب حداثة هذا السوق.

وحتى عام 2019 كان سوق المنتجات الحلال تقدر قيمته السوقية عالميا بـ 2.2 تريليون دولار، بحسب تقرير حالة الاقتصاد الإسلامي العالمي لعام 2020 الصادر عن مؤسسة “دينار ستاندرد” (مقرها الإمارات).

ووفق التقرير، شهد إنفاق المسلمين فقط على المنتجات الحلال زيادة بلغت 3.1 بالمئة ليصل إلى 1.17 تريليون دولار في 2019، بعدما كان 1.13 تريليون في 2018، بينما في كل العالم بلغ الإنفاق 2.2 تريليون دولار.

وبحسب تقرير نفس المؤسسة (دينار استاندرد) عن حالة الاقتصاد الإسلامي العالمي لعام 2022، ارتفع إنفاق المسلمين إلى تريليوني دولار عام 2021، وشمل قطاعات الأغذية والأدوية ومستحضرات التجميل والأزياء والسفر والإعلام والترفيه.

من جانبه، كشف نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي، خلال القمة العالمية للمنتجات الحلال في إسطنبول في نوفمبر 2021 عن “بلوغ حجم اقتصاد الحلال العالمي 4 تريليونات دولار عام 2017، ووصوله إلى نحو 7 تريليونات دولار في 2021”.

بدورها، توصلت شركة “فروست آند سوليفان” الأميركية للتسويق، في يوليو/تموز 2022 إلى أن سوق الاقتصاد الحلال سيصل إلى 4.96 تريليونات دولار بحلول 2030 بعدما كان 1.90 تريليون دولار فقط عام 2015.

وقالت في دراسة، إن الاقتصاد الحلال يسير في اتجاه تصاعدي، وقدرت حجم سوق اقتصاد الحلال العالمي عام 2020 بـ2.30 تريليون دولار.

وأضافت أن الشركات العالمية تعمل على دمج المنتجات والخدمات الحلال في نشاطها بسبب تزايد أعداد المستهلكين غير المسلمين للأطعمة الحلال لأنها صحية وآمنة، والعائلات غير المسلمة تفضل السياحة الحلال لأنها مناسبة للعائلات.

وتؤكد “آنا توماس” كبيرة الاقتصاديين في شركة فروست آند سوليفان، أن “تزايد طلب غير المسلمين على الأطعمة الحلال مدفوع بارتباطه بالأكل الآمن والصحي”.

وتضيف: في حين أن الموضة الحلال والسياحة الحلال تجد قبولا متزايدا بين المستهلكين غير المسلمين الأكثر محافظة وبحثا عن الأخلاق.

ويمثل “الاقتصاد الحلال” في أوروبا، ما بين 50 و100 مليار يورو، خاصة في قطاعات مثل الأزياء أو فن الطهو أو المأكولات والمشروبات أو الترفيه، وفق “فروست آند سوليفان”

فيما توقعت دراسة نشرتها وكالة الأنباء الإسلامية الدولية (إينا) عام 2015، نمو سوق الحلال العالمي تسع مرات ليبلغ 10 تريليونات دولار في عام 2030، مؤكدة أن صناعة الحلال تشهد نموا قويا بمقدار 500 مليار دولار في العام.

منتجات متنوعة

وبحسب إحصاءات الاتحاد العالمي للأغذية الحلال الصادرة في أغسطس/ آب 2017، بلغ عدد الذين استهلكوا أطعمة “حلال” مليارا شخص تقريبا حول العالم.

لكن المفارقة أن الدول العشر الأكثر تصديرا للمنتجات الحلال هي دول غير مسلمة، وهي الهند والبرازيل والنمسا والولايات المتحدة والأرجنتين ونيوزيلندا وفرنسا وتايلاند والفلبين وسنغافورة.

وتبلغ حصة ما تنتجه تلك الدول من إجمالي سوق المنتجات الحلال حول العالم نحو 85 بالمئة، فيما تبلغ حصة الدول المسلمة من إنتاج وبيع منتجات الحلال 15 بالمئة فقط، بحسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” في 28 مايو/ أيار 2022.

وتأتي ماليزيا وإندونيسيا وتركيا في مقدمة الدول المسلمة المساهمة في الاقتصاد الحلال، وتحتل تركيا مكانة متميزة حيث يبلغ حجم صادراتها أكثر من 20 مليار دولار سنويا.

وتنتشر الفنادق “الحلال” التي توفر بيئة ملائمة للمسلمين بشكل خاص في ماليزيا وإندونيسيا وتركيا، وهي دول سياحية يزورها الكثيرون من مختلف دول العالم.

لكن وفقا للإحصائيات فإن سوق السياحة الصديقة للمسلمين تمثل 5 بالمئة فقط من سوق السياحة العالمية، بحسب موقع ميدل إيست مونيتور الدولي في 18 أغسطس/ آب 2022.

ونشرت صحيفة الغارديان البريطانية في 9 فبراير/شباط 2020 تقريرا عن “الزي الإسلامي للنساء”، الذي بدأ يلفت انتباه المصممين في العالم، ودور العارضات المسلمات في نشر هذه الصناعة وزيادة الإقبال على الأزياء المحتشمة.

وهناك كذلك سوق المعاملات المالية الحلال لتعاملات البنوك والمؤسسات المالية ومؤسسات التمويل الإسلامي والشركات التي تعمل وفق النظم الإسلامية.

وضمن المنتجات الحلال أيضا انتشر “سوق العملات الرقمية الإسلامي” حيث سعى أصحاب شركات إسلامية لشق طريقهم في عالم العملات المشفرة دون مخالفة الشريعة.

وقال إبراهيم خان، مؤسس لمنصة إسلاميك فينانس غورو التي تركز على الاستثمار الحلال، لموقع ميدل إيست آي البريطاني في 27 مايو 2022، إن قطاعات ضخمة من المسلمين بدأت في استخدام العملات المشفرة الافتراضية الحلال.

وأوضح أن المنصة تقدم قائمة محدثة بالأصول الرقمية الحلال، وتأخذ الشركة برأي علماء شريعة لتحديد ما إذا كان ذلك مرتبطا بنشاط حرام، وتقدم الوصول إلى الخيارات الحلال، أو امتلاك منتجات متوافقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية.

الحلال وغير المسلمين

توسعت سوق الحلال بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت معروفة حتى بين غير المسلمين.

كما بدأ اللاعبون الكبار في صناعة المواد الغذائية يلاحظون ازدهار قطاع الأغذية الحلال، ففي عام 2019، استثمرت شركة الأغذية اليابانية “Ajinomoto” 85 مليون دولار لبناء خط إنتاج حلال في ماليزيا.

وفي نفس العام مول الفرع المحلي لشركة Sanichi Technology اليابانية مصنعا للجيلاتين الحلال بقيمة 300 مليون دولار ومنطقة صناعية في ماليزيا ستكون الأولى من نوعها في المنطقة.

ويشير تقرير لموقع “الجزيرة مباشر” في 4 مايو 2022 إلى أن مجموعة من الدراسات العلمية، التي قام بها علماء وباحثون من مختلف دول العالم، توضح الأسباب التي تكمن وراء شعبية الطعام والمنتجات الحلال بين غير المسلمين أيضا.

أشار لدراسة علمية مشتركة أعدها مجموعة من العلماء، بينهم الدكتور ستيفن ويلكنز من الجامعة البريطانية في دبي، والدكتور فرشيد شمس أستاذ العلوم الإدارية في جامعة ليكهيد الكندية.

والدكتور محمد محسن بوت من معهد غلام إسحاق خان للعلوم الهندسية والتكنولوجيا في باكستان، وأندريا بيريز من جامعة كانتابريا الإسبانية.

وتناولت الدراسة العوامل التي تقف خلف إقبال غير المسلمين على الطعام الحلال الإسلامي واستخدم البحث عينة إجمالية من 1100 مستهلك في كندا وإسبانيا والمملكة المتحدة.

وهناك دراسة أخرى أعدتها مجموعة من الباحثين في عدد من الجامعات الماليزية على عينة تألفت من 100 مستهلك غير مسلم تضم 53 بالمئة من الصينيين، و32 بالمئة من الهنود، و15 بالمئة من مجموعات عرقية أخرى.

ووجد الباحثون في الدراستين أن أهم العوامل التي تقف خلف شعبية الطعام الحلال بين غير المسلمين تكمن في سلامة الغذاء الإسلامي وأنه أكثر صحيا من غيره وأقل تسببا في الأمراض.

أيضا أشار الباحثون إلى أن “جودة الطعام” الحلال أحد أهم العوامل في قبول غير المسلمين للطعام الحلال مثل نظافة الغذاء ونضارته ولذته والراحة النفسية في تناوله.

ومقابل الانتشار السريع لصناعة الحلال تناهض حكومات أوروبية وجماعات يمينية مسيحية وهندوسية متطرفة هذا التوجه الإسلامي.

وفي 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2020 كشف وزير الداخلية الفرنسي جيرالد درمانان عن انزعاجه من وجود أقسام خاصة بالمنتجات الغذائية الحلال بالمتاجر في بلاده، ضمن سلسلة تصريحات مناهضة لكل ما هو إسلامي.

قال إن وجود أقسام المنتجات الغذائية الحلال بالمتاجر تصدمه، وإنه منزعج بشكل شخصي من وجودها، مضيفا: “يجب ألا توجد في تلك المتاجر أقسام خاصة بتلك المنتجات وحدها”، زاعما أن “الرأسمالية لها مسؤولية في هذا”.

كما جرى منع الذبح الحلال في مسالخ فرنسية ودول أوروبية أخرى خاصة في أعياد المسلمين.

يذكر أن أتباع الديانة اليهودية الذين يقدر أعدادهم بـ14 مليونا حول العالم، يهتمون أيضا بالطعام الحلال، ويطلقون عليه اسم “كوشر أو كشروت”، ويلتزم بقواعده جميع اليهود المحافظين.

Comments

comments

شاهد أيضاً

معيط: مفاوضات صندوق النقد قد تنتهي في غضون شهر أو شهرين

قال وزير المالية محمد معيط لوكالة بلومبرج أن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي قد تنتهي في …