مجتمع مدني بالفضاء.. “أقمار خاصة” تنافس استخبارات الدول وتكشف أسرارها


شركات الأقمار الصناعية التجارية الخاصة بدأت ترسم واقعا جديدا، بكشفها أسرارا كانت إلى وقت قريب حكرا على أجهزة استخبارات دول كبرى تحت بند “سري للغاية”

ففي كشف لم تصل إليه مخابرات الدول الكبرى، رصدت أقمار صناعية تابعة لشركة أميركية خاصة هي “Planet Labs Inc” صورا من غرب الصين، نهاية يوليو/تموز 2021، أكد باحثون أنها لأكثر من 100 صومعة صواريخ نووية قيد الإنشاء.

بعد أيام من هذا الاكتشاف، جرى للمرة الثانية، باستخدام صور أقمار صناعية مماثلة، كشف منشآت جديدة تحت الأرض في موقع اختبار نووي صيني قيد الإنشاء في مقاطعة غانسو، بثها باحثون في مركز “جيمس مارتن لدراسات عدم الانتشار” بولاية كاليفورنيا.

سبق هذا كشف ثالث في يونيو/حزيران 2021، قرب إقليم شينغيانغ حيث أغلبية السكان مسلمون ويواجهون الاضطهاد، ما أقلق الجيش الأميركي الذي حذر من “توسع كبير في حقول صوامع الصواريخ النووية الصينية”.

وبحسب صحيفة “واشنطن بوست”، تمتلك الصين مستودعا صغيرا نسبيا للترسانة النووية يضم من 250 إلى 350 رأسا نوويا.

هذا الكشف يعني أن “الأقمار الخاصة” أن الأمر لن يعود حكرا على أجهزة الاستخبارات في بكين وواشنطن وموسكو، ما قد يقلص حرية القادة سياسيا وإستراتيجيا في التعامل مع هذا النوع من المعلومات، حسبما قالت “واشنطن بوست” في 3 أغسطس/آب 2021.

 

عيون السماء

بعبارة أخرى: سيتم كسر الاحتكار الحكومي لامتلاك الأسرار الاستخبارية عبر الأقمار الصناعية، ومع تزايد توافر صور الأقمار الصناعية سيكون لهذا عواقب وخيمة على الحكومات، فقد تستخدم شركات الأقمار الخاصة هذه الصور للكشف عن المعلومات التي كانت في يوم من الأيام “طي الكتمان”

وبذلك يمكن للمجموعات غير الحكومية أن تتحدى الحكومات وتضعها أمام قرارات صعبة للكشف عن الأنشطة السرية التي تحدث في جميع أنحاء العالم، ومتى وكيف سيتم الكشف عنها، بحسب تقرير “واشنطن بوست”

فهل ستتحول الأقمار الصناعية التجارية الخاصة تدريجيا إلى ما يشبه “المجتمع المدني” يراقب الحكومات من الفضاء؟

كان من المفترض حين بدأت شركات أقمار صناعية تجارية خاصة تطلق أقمارها لتصوير العالم، أن تساهم هذه الصور في خدمات مجتمعية، مثل التنبؤ بالكوارث أو متابعة ظواهر جوية والزراعة ورصد انتشار وباء كورونا وغيره.

على سبيل المثال، استخدمت محطة “ABC News” صور قمر “SPOT” لتأكيد انهيار مفاعل تشيرنوبيل عام 1986، واستخدمت صور الأقمار الصناعية الخاصة لتوثيق عمليات الإغلاق الناجمة عن فيروس كورونا وقمع واحتجاز مسلمي الصين.

لكن في السنوات الأخيرة، ومع بدء الشركات الخاصة في إطلاق أقمار صناعية خاصة قادرة على إنتاج صور عالية الجودة، أدى التقدم التكنولوجي، إلى جانب انخفاض تكاليف الإطلاق، إلى تسريع التوسع في قطاع الأقمار التجارية.

وأصبحت الشركات الخاصة تقوم بتشغيل عشرات ومئات من الأقمار الصناعية الصغيرة التي تقدم الصور للعملاء وبشكل فوري تقريبا.

شركة “بلانيت” التي قدمت صور صوامع الصواريخ الصينية، تشغل وحدها أكثر من 200 قمر صناعي، وتدعي أنها تلتقط “كتلة الأرض بأكملها يوميا”

وقالت “واشنطن بوست” في عددها المنشور في 19 سبتمبر/أيلول 2021: إن الشركات الخاصة أطلقت أو تخطط لإطلاق أكثر من 700 قمر صناعي ومن المتوقع أن يتضاعف حجم سوقها إلى 4.17 مليارات دولار بحلول عام 2027.

هذا الأمر جعل هذه الشركات بأقمارها الخاصة تشكل قوة ضغط أو نفوذ كبيرة تعادل المجتمع المدني في مراقبة للحكومات، ولكن من الفضاء، وقد تحاول الاستفادة من الواقع الجديد وكسر الاحتكار الحكومي من خلال استخدام الكشف عن المعلومات الحساسة عبر الكيانات غير الحكومية لتعزيز مصالحهم الخاصة.

 

عالم جديد

غير ذلك انتقل الأمر إلى الترفيه للأثرياء، حيث بدأت شركتان منافستان هما “فرجين غالاكتيك” ومديرها التنفيذي ريتشارد برانسون، و”بلو أوريغون” ورئيسها التنفيذي جيف بيزوس، تقديم خدمات رحلات الفضاء الخاصة هذا الصيف.

ففي 15 سبتمبر/أيلول 2021، انطلقت أول رحلة سياحية إلى الفضاء في التاريخ تحمل على متنها طاقما مدنيا بالكامل، لمدة ثلاثة أيام من ولاية فلوريدا تابعة لشركة “سبيس إكس”

هذه الرحلة السياحية الأولى للفضاء تمثل قفزة ستحقق ميزة لمالكها “إيلون ماسك”، والسبق له على المنافسين الذين يعرضون أيضا رحلات على سفن تحملها الصواريخ للعملاء الأثرياء.

مجلة “تايم” قدرت في 15 سبتمبر/أيلول 2021 ثمن التذكرة لجميع المقاعد الأربعة لهذه الرحلة الخاصة بمبلغ 200 مليون دولار، مشيرة لأنها “للراغبين في دفع المال مقابل الاستمتاع والمفاخرة برحلات إلى الفضاء”

يظل التطور الأخطر، هو كشف هذه الأقمار لبرامج عسكرية، مثل البرنامج الصاروخي النووي الصيني، ما طرح تساؤلات في الصحف الغربية حول أدوار مختلفة لشركات الأقمار لا تختلف كثيرا عن أجهزة الاستخبارات الكبرى.

فقد ظهرت أقمار الاستطلاع الصناعية الحكومية لأول مرة عام 1960، وكانت النتائج التي تتوصل إليها سرية للغاية، وينقلها موظفو المخابرات لقادة الدول ليقرروا ما إذا كان سيتم نشرها علنا ومتى وماذا يفعلون بها.

ثم أصبحت صور الأقمار الصناعية متاحة للجمهور بشكل أكبر بداية من السبعينيات حين أطلقت الحكومات أقمارا صناعية جديدة، مثل سبوت الفرنسي ولاندسات الأميركي.

والآن جاء عصر كشف “الأقمار الخاصة” لما تخفيه الحكومات نفسها عبر أقمارها الحكومية، وربما لهذا أحرج كشفها صوامع الصواريخ الصينية، القيادة الإستراتيجية الأميركية، فاضطرت لإعلان ما كشفته هذه الأقمار عبر تويتر عن طموحات بكين النووية كأنها تعلم به.

ما بات واضحا الآن، بعد أزمة الصواريخ الصينية، هو أن توافر صور الأقمار الصناعية التجارية سمح للشركات الخاصة، بكشف أسرار عسكرية وغير عسكرية قد يخفيها القادة، وأن هذه الشركات أصبحت تختار متى وكيف تكشف هذه المعلومات دون التقيد بمواقف الحكومات، التي قد تختار عدم الكشف عنها لعدم بث الذعر بين مواطنيها.

وما زاد من التوتر، عدم إفصاح الصين عن أي تفاصيل عن طبيعة ونية تجهيزاتها النووية، وتصريحات رئيسها شي جين بينغ في خطاب ألقاه في الذكرى المئوية للحزب الشيوعي أمام جموع عريضة بعد ساعات من رصد الصوامع النووية.

وأكد شي أن بلاده تمضي قدما في “مسار تاريخي لا عودة فيه”، وأن “عهد الصين التي تتعرض للتنمر قد ولى إلى الأبد”، ما يشير لسعيها لتصبح القوة الأولى في العالم عسكريا بعدما باتت كذلك اقتصاديا.

“شي” قال خلال خطابه في 1 يوليو/تموز 2021: إن صعود الصين هو “حتمية تاريخية” ولن تكون “مضيقا عليها أو مقموعة أو خاضعة” بعد الآن من قبل الدول الأجنبية.

وأضاف في تصريحات لم يتم ترجمتها، بحسب “سي إن إن” إلى الإنجليزية: إن “أي شخص يجرؤ على المحاولة (ضد الصين)، سيجد رأسه ملطخا بالدماء بسبب جدار ضخم من الفولاذ صنعه أكثر من 1.4 مليار صيني”

الأستاذ في معهد ميدلبري للدراسات الدولية في مونتيري، جيفري لويس، والذي وجد فريقه حقل صوامع الصواريخ الصينية الأول، قال لشبكة CNN في 2 يوليو/تموز 2021: إن “القوة النووية الصينية لا تزال أصغر بكثير من الأميركية”

وأضاف أن الصينيين يعملون على تجهيز أكثر من 200 صومعة صواريخ نووية، بينما لدى أميركا أكثر من 400، بخلاف القاذفات والغواصات النووية.

لكن الباحث في مركز الأمن الأميركي الجديد، والرئيس السابق لوكالة استخبارات الدفاع، روبرت أشلي جونيور، قال للإذاعة الوطنية الأميركية(NPR)  في 30 يوليو/تموز 2021: إن “الصين تعمل على تنمية ترسانتها النووية لتصبح قوة عالمية مهيمنة”

دفع هذا المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس، للقول: إن سرعة بكين في تشييد المنشآت الجديدة “تسلط الضوء على كيفية انحراف الصين مرة أخرى عن عقود من (التوافق على) الإستراتيجية النووية القائمة على الحد الأدنى من الردع”

 

سبق فضائي

بسبب هذا التطور التكنولوجي المذهل في المعلومات والمصادر المفتوحة نتيجة تكثيف شركات الأقمار الصناعية التجارية الخاصة أعمالها، نشرت تقارير إعلاميين في أميركا تطالب بتعديل آلية عمل مختلف أجهزة الاستخبارات لتعتمد بشكل أوسع على الوسائل المفتوحة المصدر، وألا تركز جهودها فقط على الجيوش المعادية والمنظمات الإرهابية.

وقال الخبراء الذين استعانت بهم الصحف: إن ثورة المعلومات أدت إلى زرع بذور نظام جديد متنام لخدمات الاستخبارات مفتوحة المصدر.

مجلة “فورين أفيرز” الأميركية تحدثت بوضوح في 9 مارس/آذار 2021 عن “تراجع سوق الأسرار”، ودعت مجتمع الاستخبارات في واشنطن إلى توسيع مفهومة للأمن القومي ليشمل أكثر من التهديدات الواضحة التي تشكلها الجيوش الأجنبية والمنظمات الإرهابية.

وقالت تحت عنوان: “يجب أن تتكيف وكالات التجسس الأميركية مع عالم مفتوح المصدر”، إن “شبكات النفوذ والسلطة تتداخل وتتداخل معها التهديدات المحلية والأجنبية مع بعضها البعض”

وأوضحت أن الأطر التقليدية لمجتمع الاستخبارات غير مناسبة تماما لهذا العصر الجديد من تكنولوجيا الاتصال في كل مكان.

السبب، أن صانعي السياسات وضباط الاستخبارات يتم تدريبهم على التعامل مع الأمن القومي كقضايا منفصلة في صناديق بعيدة عن بعضها البعض، فيعزل مجتمع الاستخبارات المغلق كل مجموعة من الاهتمامات عن الأخرى بجدران من السرية.

ونقلت “فورين أفيرز” عن متخصصين في مجال الأمن أنه ينبغي أن يدرك مجتمع الاستخبارات أن التهديدات للأمن القومي يمكن أن تظهر بشكل غير متوقع، لهذا يجب فهم المشاكل بشكل متكامل، لا منفصل، وتكثيف العمل على الوسائل مفتوحة المصدر (الفضائيات الخاصة).

وقال المتخصصون: إن شركات، مثل “ريكوردد فيوتشر”، و”ديجيتال غلوب”، و”ماكينزي” منتجات شبيهة بتقارير الاستخبارات كخدمات جمع الأخبار وتحليلات البيانات.

كما تقدم أيضا خدمات أخرى مثل صور الأقمار الصناعية، والتوقعات الإستراتيجية طويلة الأجل التي كانت في السابق من اختصاص الحكومات وحدها.

ومزجت بعض الشركات مثل “بلينغكات”، بين عمل الصحافة والاستخبارات من خلال تطوير تقنيات المصادر المفتوحة التي ترصد وسائل التواصل الاجتماعي والصور المنشورة لأغراض تجارية، والبحوث والمواد التي تصدرها مؤسسات وتنشرها خارج الإطار الأكاديمي أو التجاري.

وأكد الخبراء أن شركات الفضاء الخاصة والمؤسسات الصحفية باتت تتفوق على مجتمع الاستخبارات في هذه المعركة، على الأقل من حيث السرعة والقدرة على الوصول إلى المعلومات والبيانات.


Comments

comments

شاهد أيضاً

الإعلام اليوناني: اتفاقيات أمريكا وفرنسا مع أثينا دعم لها ضد تركيا

وقعت الولايات المتحدة واليونان، تحديثا لاتفاقية الدفاع المشترك القائمة بينهما، في خطوة وصفتها وسائل إعلام …