مجدي مغيرة

مجدي مغيرة يكتب: من أجل الحمار … تحيا مصر

صديق: ما رأيك يا جحا؟

جحا: رأيي في ماذا؟!

صديق: أعلن الملك عن جائزة لمن يُعَلِّمُ حمارَه القراءة والكتابة شرط أن يُقتل حال فشله في تلك المهمة النبيلة .

جحا: والله فكرة حلوة! … فكرة مش بطالة !

صديق: أي فكرة يا جحا؟!

جحا: لا…لا .. لا شئ ……….أنا كنت افتكر في أمر ما .

يذهب جحا إلى قصر الملك، ويستأذن الحاجب للدخول على الملك .. يخبر الحاجبُ الملكَ برغبة جحا في مقابلته, فيأذن له .

جحا: سمعتُ أيها الملك الرشيد ذو الرأي السديد، والعهد السعيد أنك ترغب أن يتعلم حمارُك القراءة والكتابة .

الملك: نعم … نعم يا جحا … لقد رغبتُ في ذلك فعلا .

جحا: وهل وجدت من يؤدي تلك المهمة النبيلة؟

الملك: لم يتقدم أحد لذلك حتى الآن … يبدو أن المملكة تفتقر إلى الخبرات التعليمية المبدعة .

جحا: ومن قال ذلك يا مولاي؟! … أنا أحدُ رعاياك، وعبدٌ من عبيدك … أستطيع – بكل تواضع – أن أقوم بتلك المهمة النبيلة … وأبشرك من الآن يا مولاي أن أداء مهمتي تلك سيكون فتحا علميا تربويا يشهد لك على مر الأيام وكر الأعوام بأنك أعظم من أنجبت البشرية؛ حيث فجَّرتَ طاقات الإبداع الكامنة في عقول عبيدك ورعاياك، فأتوا بما لم يأت به أحد من العالمين .

الملك: أتسخر مني يا جحا؟!

جحا: معاذ الله يا مولاي أن أفعل ذلك …  حاشا وكلا يا مولاي … حاشا وكلا  … قطع اللهُ لساني إن تحرك بحرف واحد ينقص من جلال عبقريتك وعظيم ذكائك .

الملك: لكن لي شرط !

جحا: وما هو يا مولاي؟!

الملك: إذا فشلت في أداء تلك المهمة فسأقتلك .

جحا: أوافق على ذلك يا مولاي … من يفشل في أداء ما يطلبه منه مليكُه المبجَّلُ يستحق القتل، وما هو أكثر من القتل .

الملك: ههههههه  إذن خذ الحمار وأرني كيف ستعلمه القراءة والكتابة.

جحا: سأفعل يا مولاي … لكن يحتاج ذلك مني سبعا وأربعين سنة، يجب خلالها توفير البيئة المناسبة لأداء ذلك العمل النبيل .

الملك: وما تلك الأجواء المناسبة؟

جحا: يا مولاي … إن حمار جلالتك قد تعود على مستوىً عالٍ من المعيشة … وإذا ما جئت به عندي في بيتي الضيق القديم، فسيؤثر هذا على روحه المعنوية, وتقل رغبته عند ذلك في التعلم، وسأحمل بذلك ذنبا لا يد لي فيه .

الملك: وما الحل يا جحا؟

جحا: الحل أن يظل الحمار بالقصر، وأكون أنا معه داخل القصر.

الملك: لك ذلك يا جحا .

جحا: وإن لي زوجة وأولادا لا أستطيع العيش دونهم, ولا أقدر على مفارقتهم ساعة واحدة .

الملك: نصدر أمرا بإحضار زوجتك وأولادك معك ليعيشوا معك في القصر.

جحا: وحتى يتعلم الحمار فلابد أن لا ينشغل بأمر آخر, فوجوده مع حاشية مليكنا العظيم ستشغله عن تعلم القراءة والكتابة، وأرى أن أكون مع الحمار في قصر منفرد بعيدًا عن تلك المشاغل .

الملك: لك ذلك يا جحا .

جحا: أمر أخير يا مولاي .

الملك: وما هو يا جحا؟

جحا: حتى أعلمَ الحمارَ القراءةَ والكتابةَ سيحتاج ذلك مني جهدا كبيرا، ووقتا عظيما, وإن زوجتي وأولادي ليس لهم من ينفق عليهم غيري, كما أنني تعودت أن أساعد زوجتي في جمع الحطب وإعداد الطعام وتنظيف البيت, إذ ليس من المروءة أن أدع المسكينة تفعل كل ذلك وحدها .

الملك: سأوفر لك من الطعام والشراب ومن الخدم والحشم ما يقوم بذلك .

جحا: على بركة الله يا مولاي .

ويعلن الملك – في احتفال كبير – نجاح الاتفاق بينه وبين جحا، وموافقة كل طرف على شروط الآخر، ويهلل الناس، ويغنون، ويصفقون .

لكن صديق جحا بدت عليه علائم القلق .

إن جحا يقتل نفسه دون أن يدري،  ويقدم رقبته لسياف الملك دون ذنب اقترفه غير غباء عقله .

صديق جحا: كيف تفعل ذلك يا جحا؟! … حرام عليك! … تضيع نفسك وتشرد زوجتك وأولادك؟!

جحا: كيف يا صديقي؟

صديق جحا: لا يوجد حمار يتعلم القراءة والكتابة يا جحا … لقد وضعت رقبتك تحت رحمة الملك .

جحا: ومن يفعل ذلك؟

صديق جحا: أنت يا جحا.

جحا: ههههههههههههههههههههههههه

يا صديقي يا حبيبي … أنت لا تفهم … أنت مش واخد بالك … أنا اشترطت على الملك سبعا وأربعين سنة لتعليم الحمار القراءة والكتابة مقابل كثير من المزايا ……..

خلال السنين الطويلة تلك إما أن يموت الملك،

وإما أن أموت أنا،

 وإما أن يموت الحمار.

Comments

comments

شاهد أيضاً

وصفي عاشور أبو زيد يكتب : رحيل القرضاوي.. الإمام المجتهد والإنسان النبيل

نزل عليّ خبر وفاة شيخنا الإمام يوسف القرضاوي اليوم 30 صفر 1444هـ الموافق 26 سبتمبر/أيلول …