محبة النبي صلى الله عليه وسلم بين الفرض والنفل


د أكرم كساب

يمكن القول بأن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم تعني: ميل القلب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتفضيله على غيره من الخلق، وفداؤه بالغالي والثمين. 

وما أود التنبيه عليه هنا: أن الحب الذي نعنيه ليس عاطفة مجردة، ولا كلاما تلوكه الألسنة، ولا معان تدغدغ بها العواطف، وإنما نعني به: موافقة أقوالنا وأفعالنا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سهل بن عبد الله: علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة، وعلامة حب الله وحب القرآن وحب النبي وحب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة أن يجب نفسه، وعلامة حب نفسه أن يبغض الدنيا، وعلامة بغض الدنيا ألا يأخذ منها إلا الزاد والبلغة. 

 يقول ابن كثير: هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله[1]. ولله در القائل: 

 من يدعي حب النبي ولم يفد         من هديه فسفاهة وهراء 

فالحب أول شرطه وفروضه           إن كان صدقا طاعة ووفاء 

بين محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم: 

       ومحبة النبي صلى الله عليه تابعة لمحبة الله تعالى، إذ محبة الله جلّ وعلا أصل ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم فرع، قال ابن تيمية: وليس للخلق محبة أعظم ولا أكمل ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم، وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى. وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يحب لأجل الله ويطاع لأجل الله ويتبع لأجل الله. كما قال تعالى: {قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ[2][3]

  أسباب المحبة: 

وللمحبة أسباب عدّة؛ جمعها القاضي عياض والنووي في ثلاثة: 

  1. ما يستلذه الإنسان ويستحسنه كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها. 
  2. وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة كمحبة الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقا. 
  3. وقد يكون لإحسانه إليه، ودفعه المضار والمكاره عنه[4]

 أي الأسباب يُحَبُ من أجلها النبي صلى الله عليه وسلم؟ 

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل هذه الأسباب -بعضها أو كلها- موجود في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم؟! 

ولا يستطيع منصف – أيما كان اعتقاده – إلا أن يقول بملىء فيه: نعم. إن هذه الأسباب كلها موجودة متوفرة فيه صلى الله عليه وسلم، يقول النووي: وهذه المعاني كلها موجودة في النبي صلى الله عليه وسلم، لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال خلال الجلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعم، والإبعاد من الجحيم[5]

وأحسن منك لم تر قط عيني               وخير منك لم تلد النساء 

خلقت مبرئا من كل عيب                 كأنك قد خلقت كما تشاء 

حكم محبة النبي صلى الله عليه وسلم: 

أما محبة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد حذر الله أن يقدم المرء غيرها عليها، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [التوبة: 24]، قال فيها الفضيل بن عياض: فكفى بهذا حضًّا وتنبيهًا ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم؛ إذ قرّع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}، ثم فسّقهم بتمام الآية فقال: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}، وأعلمهم أنهم ممن ضل، ولم يهده الله عز وجل. فهذه آية عظيمة تبين أهمية ووجوب هذه المحبة[6]

وبهذا يتضح وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذّ لا يعقل أن يتم إيمان العبد إلا بمحبته صلى الله عليه وسلم؛ بله بتقديم محبته على كل شيء، ونقل النووي عن الخطابي في شرح قوله صلى الله عليه وسلم لعمر:” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ[7]“: لم يرد به حب الطبع بل أراد به حب الاختيار، لأن حب الإنسان نفسه طبع، ولا سبيل إلى قلبه. قال: فمعناه لا تصدق في حبي حتى تفنى في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك[8]

يقول ابن القيم معلقا على قوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ): وهو دليل على أن من لم يكن الرسول أولى به من نفسه فليس من المؤمنين، وهذه الأولوية تتضمن أمورا: 

  1. أن يكون أحب إلى العبد من نفسه لأن الأولوية أصلها الحب. 
  2. كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم. 
  3. أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلا، بل الحكم على نفسه للرسول صلى الله عليه وسلم[9]

    ويقول سيد قطب رحمه الله: إنهذه العقيدة لا تحتمل لها في القلب شريكا؛ فإما تجرد لها، وإما انسلاخ منها .وليس المطلوب أن ينقطع المسلم عن الأهل والعشيرة والزوج والولد والمال والعمل والمتاع واللذة؛ ولا أن يترهبن ويزهد في طيبات الحياة.. كلا إنما تريد هذه العقيدة أن يخلص لها القلب، ويخلص لها الحب، وأن تكون هي المسيطرة والحاكمة، وهي المحركة والدافعة. فإذا تم لها هذا فلا حرج عندئذ أن يستمتع المسلم بكل طيباتالحياة؛على أن يكون مستعدا لنبذها كلها في اللحظة التي تتعارض مع مطالب العقيدة.[10]

محبة الرسول بين الفرض والفضل: 

وقد ذكر العلّامة ابن رجب أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم على قسمين: 

الأول: فرض: وهي المحبة التي تقتضى قبول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله، وتلقيه بالمحبة والرضا والتعظيم والتسليم… ثم حسن الاتباع له فيما بلغه عن ربه. 

والثاني: فضل: وهي المحبة التي تقتضي حسن التأسي به، وتحقيق الاقتداء بسنته، في أخلاقه، وآدابه، ونوافله، وتطوعاته، وأكله، وشربه، ولباسه…[11]

بل بعض ما ذكره ابن رجب من محبة الفضل يرقى ليكون فرضا.. 

الفرق بين الحب الجبلي والحب الشرعي: 

وأود أن أوضح هنا أمرا مهما: وهو أن فرقا كبيرا بين الحبّ الجبلي الذي فطر عليه الإنسان -فيميل قلبه إلى شخص ما- وبين الحب الشرعي الذي يطالب به المرء ليتم إسلامه. 

فالأول (الحب الجبلي) يتحصل للإنسان بسبب ما في شخصية المحبوب من صفات تؤهله لهذا الحب، قد يكون لقرابة أو لنسب أو مصاهرة، وقد يكون لحسن طلعة وبهاء منظر، وقد يكون لجمال خلق وحسن معاملة، وقد يكون لكثير نفع وعظيم أثر. ومن هذا حب أبي طالب عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك شأن حمزة قبل إسلامه، وكثير من بني هاشم وبني عبد المطلب؛ فأبو طالب لا ينكر أحد أنه كان يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان مفرطا في حبه، وهو عنده كواحد من أبنائه بل أشد، ومن هذا الباب كانت وقفته بجوار النبي صلى الله عليه وسلم. 

روى ابن كثير: أن أبا طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يَا ابْنَ أَخِي إِنْ قَوَّمَكَ قَدْ جَاءُونِي وَقَالُوا كَذَا وَكَذَا، فَأَبْقِ عَلَيَّ وَعَلَى نَفْسِكَ وَلَا تُحَمِّلْنِي مِنَ الامر مَالا أُطِيقُ أَنَا وَلَا أَنْتَ، فَاكْفُفْ عَنْ قَوْمِكَ مَا يكْرهُونَ من قَوْمك. فَظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ فِيهِ، وَأَنَّهُ خَاذِلُهُ وَمُسْلِمُهُ، وَضَعُفَ عَنِ الْقِيَامِ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” يَا عَمِّ لَوْ وُضِعَتِ الشَّمْسُ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرُ فِي يَسَارِي مَا تَرَكْتُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِي طَلَبِهِ ” ثُمَّ اسْتَعْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَكَى. 

فَلَمَّا وَلَّى قَالَ لَهُ حِينَ رَأَى مَا بَلَغَ الْأَمْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا ابْنَ أَخِي. فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ امْضِ عَلَى أَمْرِكَ وَافْعل مَا أَحْبَبْت، فو الله لَا أسلمك لشئ أَبَدًا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي ذَلِكَ: 

وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ  حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَـــــــــــــــا 

لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حَذَارِيَ سُبَّةً وصف  حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَـــــــــــــــــــــا[12] 

[1] تفسير ابن كثير (2/ 32).

[2] رواه البخاري الأيمان والنذور ( 6632) عن عبد الله بن هشام.

[3] مجموع الفتاوى (10/ 649).

[4]شرح النووي على مسلم (2/ 14) والشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 30).

[5]شرح النووي على مسلم (2/ 14).

[6] الشفا بتعريف بحقوق المصطفى (2/18).

[7] رواه البخاري، وقد سبق تخريجه.

[8] شرح النووي على مسلم (2/15).

[9] زاد المهاجر/ ابن القيم/ 29.

[10] في ظلال القرآن/ سيد قطب (3/ 1615).

[11] استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس/ ابن رجب/ نشر مطبعة الإمام- مصر/ ص34 .

[12]سيرة ابن كثير (ج 1 / ص 463).

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

د علي الصلابي كتب :كيف ننصر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟

قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ” – ننصر رسولنا الكريم بالمواظبة …