محمد رفعت الدومي يكتب: أم الغلام .. من أساطيرنا الخرقاء!

 علي مقربة من المشهد الحسيني بالقاهرة الفاطمية، وبين مسجد الجوكندار وشارع “درب القزازين” يقع شارع “أم الغلام”، وإذا حالفك الحظ في المرور به أو ارتياده في أي وقت، ستجد حفنة من الزائرين المنهمكين ببث شكاواهم حول الضريح في رجاءٍ صادق، أو بمضغ آياتٍ من القرآن على عجل، أو بالشرود أحياناً، إنه ممر العرب التاريخي للهروب من قسوة الواقع إلى رحاب افتراضية، ثقب للتنصت على رجاء المستقبل تم تمريره من جيل إلى جيل!

في ضريح “أم الغلام”، لا يدري الزائر من أين تهب رائحة البخور العالقة في المكان مشوبة برائحة عطر قديم، تتخدر الحواس سريعًا ويتبدد التوتر وتختلط الحقائق بالأوهام ويتماهي ما هو خيالي مع الحقائق المجردة، وبمرور الوقت يصبح الطقس برمته محرضًا على تحويل إنسان أيًا كانت درجة ثقافته إلى كتلة من الذرات الروحية المتصلة بمجهول عبر خيوط غامضة، ذلك لأن الانفصال عن الواقع ليس متاحًا كما هو عند تعاطي المخدرات إلا هنا، وهنا، لا أحد يسأل من هي “أم الغلام”؟ حتى الذين يعرفون حكايتها يجدون أنفسهم مجبرين على التحلي بالتسامح الشديد في مواجهة الضريح وتجاهل أفكارهم السابقة عن شخصيتها. نوع من الانسجام المرتب مع يقين الحشود، لكنهم، مع ذلك، لا يرتابون أبدًا في أن “أم الغلام” هي الشخصية الأفضل تاريخيًا لتعرية إلى أي مدى من التساهل والوقاحة وصل الذين زيَّفوا تاريخنا، وإلى أي مدى أربك هذا التاريخ المزور الذاكرة العربية إلى حد جعلها لا تستطيع استيعاب ما هو شديد الوضوح، ولا تستطيع تخزين إلا النفايات.

كان بوسع مؤلف أسطورة “أم الغلام”، تفاديًا للاصطدام بالواقع، أن يتأنى حتى يتمكن من صناعة أكذوبة أكثر جودة، غير أنه، بدلاً من ذلك، ليقينه بضحالة عقول المتلقين، تعجَّل نشر أسطورته، وقال:

بعدما انطفأ غبار معركة كربلاء، طارت رأس “الحسين” إلى مصر، وهناك، وقعت الرأس في حجر “فاطمة”، وهي، امرأة مسيحية علمت لمن هذه الرأس، بطريقة لا يدري أحد ما هي، وعلمت أيضًا أن الأوامر قد صدرت لجنود “يزيد بن معاوية” بالبحث عنها في شتى بقاع الأرض واستعادتها إلى “دمشق”، لتبلغ الإستهانة بالمتلقي ذروتها عندما يؤكد المؤلف أنها علمت بوصولهم إلى مصر خلال أيام، وبالتالي، أمام هذا التيار من هيام المسيحيين بآل البيت، كما جرت العادة طبعًا، قررت أن تفتدي الرأس برأس ابنها، وبطبيعة الحال، ككل حكايات “ألف ليلة وليلة” الجميلة، عندما أتى الجنود قطعت “أم الغلام” رأس غلامها وأعطتها لهم بدلاً من رأس “الحسين” التي دفنتها أمام بيتها، حيث يقع الآن مسجده.

إنها التضحية في أبهى صورها وتجلياتها، لولا أن المؤلف نسي، أو لم يهتم، أن يضع حلاً لعائق تاريخي بسيط قد يعترض العقول عن تصديق حكايته، عائق بسيط جدًا إلى حد أنه ينسفها من جذورها، وهو:

لقد انتهت معركة كربلاء تمامًا في العاشر من شهر المحرم سنة 61 هجرية، الموافق 12 أكتوبر سنة 680 ميلادية، ولقد أنشأ “جوهر الصقلي” من العدم، بأمر من الخليفة المعز لدين الله، مدينة القاهرة سنة 969 ميلادية، وهذا يعني أن بين الحدثين 289 سنة بالتمام والكمال، وفي اعتقادي، أن هذه مدة من الصعب ردمها للتوفيق بين التاريخ الحقيقي وبين أدب ركيك كتبه متعصبون لا ضمير لهم، كهذا الذي جعل لـ “أم الغلام” بيتاً في مكان لم يكن في ذلك الوقت موجودًا من الأساس!

عندما بات واضحًا أن الأسطورة عارية تمامًا من الصحة وتكلم العوام في ذلك، حاول الكثيرون ترميمها باقتراح صيغ أخرى لشخصية  “أم الغلام”، فقالوا هي السيدة “شهريناز بنت يزدجرد” زوجة “الحسين” الفارسية وأم ابنه “زين العابدين”، تواطأ العوام على تسميتها بـ “فاطمة أم الغلام”، لكن، سرعان ما اصطدم هذا الاقتراح بالتاريخ المكتوب على جدران المقام وهو سنة 702 ميلادية، ذلك لأن “الحسين” لم يتزوج من “شهريناز” إلا عقب معركة نهاوند سنة 642. وسيكون عمر زين العابدين يوم كربلاء 22 سنة، أي أنه كان شابًا ولم يكن غلاما، فضلا عن أنه لم يكن ابنها، إنما أمه “شهربانو” لا “شهريناز”.

ولأن هؤلاء لا يعرفون الاستسلام أو اليأس، فقد اقترحوا، بهدف القفز على هذا العائق الجديد، أن “شهريناز” أنجبت له ابنته “زينب الصغرى” ولأنها أم ولد، فقد كان يطلق عليها ككل أم ولد “أم الغلام”،

دع هؤلاء المزيفين وشأنهم، ولكن تبقى شخصية “أم الغلام” سرًا مغلقاً توقف الباحثون عن التنقيب حوله.

Comments

comments

شاهد أيضاً

عامر عبد المنعم يكتب : الملك تشارلز والدفاع عن الدين البروتستانتي

قضية فصل الدين عن الدولة لا تجد لها مروجين إلا في بلادنا، فأوربا مرتبطة بالمسيحية، …