محمد رفعت الدومي يكتب :هيدي لامار .. أثر الفراشة!

أنا من بين المؤمنين بأثر الفراشة، أحداث تبدأ صغيرة جدًا وعادية جدًا ثم تسلك مسارات غير متوقعة تفضي إلى تغييرات جذرية، غير أنني لا أعرف حدثاً بدا في مظهره الخارجي تافهًا وصغيرًا ثم انتهى بأمر عظيم أكثر وضوحًا من رسالةٍ أرسلها الفيلسوف الألماني جوتفريد فيلهيلم ليبنتس إلى أحد أصدقائه. رساله كأي رسالة بين صديقين، ومع ذلك، عند العثور عليها بين أوراق ليبنتس بعد وفاته تحولت إلي مذهب فلسفي عظيم، وعلى الرغم من عبقرية مذهب الذرات الروحية / المونادولوجيا، إلا أنه لا يمس حياة الناس كما فعلت رسالةٌ أخرى أرادت الممثلة النمساوية الأصل هيدي لامار توجيهها إلى الزعيم النازي أدولف هتلر. صحيح أنه انتحر قبل أن يتسلمها، لكن، صحيح أيضًا أنها جعلت العالم مكاناً أفضل للعيش! ولدت هيدي لامار عام 1914 في فيينا، وكانت الإبنة الوحيدة لأبوين يهوديين، كما أنها كانت واحدة من النجمات اللاتي حققن قسطاً لا بأس به من الشهرة قبل اقتحام هوليوود. لقد بدأت أسطورتها الفنية من خلال فيلم تم تصويره في تشيكوسلوفاكيا باسم “النشوة” Ecstasy ، عند طرحه في دور العرض أربك أفق التلقي تمامًا، لقد صنفه النقاد والمشاهدون معًا كأحد الأفلام الإباحية، هذا ما جعل زوجها الأول المليونير اليهودي فريتز ماندل حريصًا علي جمع نسخ الفيلم من كل مكان، لم تبق منه إلا نسخة وحيدة كان من الصعب أن يستردها، لقد كانت عند صديقه موسوليني! عندما تيقنت هيدي أن زوجها يقوم بتوريد السلاح والذخائر إلى الجيش الإيطالى والنازيين، بالإضافة إلى أنه كهل غيور متسلط لم يقدم لها سوى الثراء والحصار وأمراض الغيرة، حملت كل مجوهراتها وهربت في زي خادمتها إلى فرنسا ومن فرنسا إلى لندن، لترتبط هناك بصداقة مع مدير شركة مترو جولدن ماير، وهذا، رأى أنها تستحق فرصة كبيرة المساحة في هوليوود! في نهايات عام 1938 كان الضوء يواصل النمو في اسمها بوتيرة مرضية عندما تواترت الأنباء عما فعله النازيون بأهلها في النمسا خلال ما يعرف في الأدبيات التاريخية بـ “ليلة الكريستال” / Crystal Night، لقد قتلوا 91 من اليهود وقبضوا على عشرات الآلاف وخربوا مصانعهم ونهبوا محالهم تعقيبًا على اغتيال الدبلوماسي النازي إرنست فون راث على يد صبي يهودي بولندي مولود في ألمانيا يدعى هيرشيل جرينسبان. عندما وصلت هيدي هذه الأنباء اندلعت في صدرها رغبة قوية في الانتقام، ما جعلها خلال الحرب العالمية الثانية لا تكتفي بالانخراط بقوة في جمع التبرعات لتمويل الحرب على ألمانيا، ولا بخدمة الجنود الذاهبين إلى الجبهات ومراقصتهم في بيوت أقيمت خصيصًا لهذا الغرض، إنما، عندما سمعت أن الطوربيدات من أشد أسلحة الألمان فتكاً وإعاقةً لتقدم الحلفاء، راحت تفكر في حلٍ يمنع الغواصات الألمانية من التشويش على الاتصالات اللاسلكية لجيوش الحلفاء وأن تشوش مسار الطوربيدات في نفس الوقت، ولم يمض وقت طويل حتى نبتت في ذهنها فكرةٌ, أغلب الظن أنها ذكرى غير ناضجة لأعوام زواجها الأول، وما احتفظت به ذاكرتها من أحاديث موائد فريتز ماندل وحفلاته. لقد تعلمت – بصمت – الكثيرَ عن تقنيات حروب دول المحور! اكتملت الفكرة في ذهنها عندما سمعت ذات ليلة موسيقى عازف البيانو جورج أنثل. هو الآخر كان غريب الأطوار، لا يحترم السلم الموسيقي، ابتكر موسيقاه الخاصة من خلال ترك عدد من آلات البيانو تعزف آلياً معًا بطريقة غير منتظمة. طلبت منه أن يزورها في بيتها، واطلعته على فكرتها التي عرفت فيما بعد بـ “القفز الترددي”.  كانت الفكرة بسيطة للغاية: لماذا لا يقوم جهاز البث بالتنقل عشوائيًا عبر قنوات مختلفة وبشكل متواصل، ووفقاً لشيفرة سرية بنمط محدد لا يعلمه إلا المُرسل والمستقبل، ما يجعل من الصعب جدًا التقاط الإرسال كاملاً من خلال الضجيج الكهربائي المحيط به، بدلاً من بث المعلومات على قناة واحدة، فقد يتمكن العدو من العثور على الإرسال مصادفة؟ تحمس أنثل للفكرة، وساعدها على اكتشاف وسيلة لمزامنة القفز الترددي بين جهازي الإرسال والاستقبال، لكن، يبدو أن اختراعهما الذي قدماه مجاناً إلى حكومة الولايات المتحدة لم يكن عمليًا، بل كان أكثر من مُربك لاستخدامه في حرب عالمية شديدة العصبية، ذلك أنه كان يتطلب وجود لفتين من الورق تمامًا كاللفات المستعملة في البيانو الآلي، مثقوبتان بنمط متطابق من الثقوب العشوائية، تتحكم إحداهما في المرسِل الموجود في الغواصة، وتقذف اللفة الأخرى مع المُستقبِل الموجود على الطوربيد! ولو كنت مكان المسئولين في وزارة الدفاع الأمريكية لفعلت بصدد هذا الجهاز نفس الأمر وأنا أتساءل: – هل من الممكن أن تبتكر فنانة مستهترة ومتعددة الزيجات الفاشلة وعازف بيانو غريب الأطوار شيئاً يستحق أن يؤخذ علي محمل الجد؟ وفيما بدا أن هيدي لامار أيضًا لم تكن تأخذ عملها على محمل الجد، سرعان ما فقدت شغفها ونسيت الأمر برمته بمجرد أن لمست فتور الجيش الأمريكي، لكنها كانت قد حصلت مع شريكها على براءة اختراع الجهاز عام 1942. لقد انتحر هتلر قبل أن تصله رسالتها، وانتهت الحرب، وضربت الحشود المتعبة موجة عنيفة من انحراف الذوق العام استمرت لمدة عقد كامل، قامت هيدي خلالها بأعظم أدوارها الفنية استحقاقاً لفخرها على الإطلاق، لقد جسدت عام 1949 دور دليلة في فيلم سيسيل ديميل الشهير ” شمشون ودليلة ” Samson and Delilah فأصابت العالم كله بالدوار، وصارت أيقونة عقد بكامله، لكن، عندما انحسرت تلك الموجة, التي تزيف ميول الناس عقب الحروب عادة, انحسرت الأضواء عن هيدي أيضًا.  كانت نجوم جديدة قد صعدت في سماء هوليوود وأزاحتها عن السباق إلى المرتبة الأولى، وذوى جماُلها تدريجيًا، فانسحبت إلى الركن في هدوء، عندئذ، اختبرت نكران الناس والعالم وتنكيل الفقر والبؤس بالناس، لقد أدمنت المخدرات، واضطرت إلى أن تسرق طعامها من محلات البقالة! في ولاية فلوريدا يوم 19 يناير 2000 توفيت هيدي لامار عن عمر 86 عامًا. قالت الشرطة الأمريكية وقتها إن أصدقاءها عثروا عليها ميتة في سريرها بمنزلها في التامونت سبرينج بعد أن انتابهم القلق عليها حين لم ترد على اتصالاتهم الهاتفية، ولم يعرف بالتحديد موعد وفاتها! لم يدر ببال هيدي لامار حين لمست فتور الجيش الأمريكي حيال اختراعها أن البذرة التي ألقتها كانت قد بدأت تنمو ببطء شديد، وسيمر جيلان من التقنيين قبل أن يكتشف العالم أن الممثلة التي بدأت حياتها بفيلم بورنو عندما عملت بالرياضيات لم تكن تمزح، لقد كان “القفز الترددي”Frequency / Hopping، هو الحجر الذي بني عليه التقنيون فيما بعد كل تقنيات الهاتف المحمول والواي فاي والبلوتوث ونظام تحديد المواقع GPS. لقد جعلت العالم بكل بساطة قرية صغيرة، وانتصرت في النهاية علي هتلر، ذلك أن ثلاث دول هى النمسا وألمانيا وسويسرا قد احتفلت بذكرى يوم ميلادها الـ 99، ليس فقط لأنها نجمة سينمائية كبيرة، بل لأنها مخترعة فذة، كما اختارت هذه الدول يوم ميلادها ليكون يوم المخترع تكريمًا لها ولإنجازها العلمي.. حقاً، إن أعظم الأشياء تأتي دائمًا متأخرة!

Comments

comments

شاهد أيضاً

الشيخ رائد صلاح يكتب: كلمات وفاء للمرحوم الشيخ يوسف القرضاوي

ضمّت مكتبة المرحوم الشيخ يوسف القرضاوي أكثر من 100 كتاب كتبها بقلمه، ومن خلال قراءتي …