محمد سعد عبد الحفيظ يكتب :الاصطفاف ومسلسل «التخوين»


مسلسل «العمالة والتخوين» الشهير الذي كان يحظى بمتابعة ملايين المصريين مع بداية عرضه في النصف الثاني من عام 2013، صار على قائمة الأعمال الأقل مشاهدة في الفترة الأخيرة، ذلك بعد أن طال كل صاحب رأي مخالف أو موقف معارض لتوجهات السلطة الحاكمة، وأصبح الطريقة الأسهل لكتم أي صوت يقترب من الخطوط الحمراء التي تزايدت بالشكل الذي دفع البعض إلى خيار الصمت.

ما جرى خلال السنوات القليلة الماضية مع صحفيين ونشطاء سياسيين وقادة أحزاب مدنية، طال في الأسابيع الأخيرة الأطقم الطبية التي يقف أعضاؤها من أطباء وممرضين وفنيين على الخطوط الأولى من المواجهة مع فيروس كورونا المستجد، فقط لأنهم تجرأوا وانتقدوا ما يرونه تعنتًا وتجاهلًا، وطالبوا بحقهم في توفير ما يمكنهم من ممارسة مهامهم، ففتحت عليهم أبواب النار، وسُلطت عليهم غربان السوشيال ميديا وقطعان الإعلام لتنهش في أعراضهم وتستبيح ذممهم الوطنية.

لا فرق إذًا بين صاحب رأي خالف السلطة وعارض توجهاتها السياسية والاقتصادية، وبين أفراد «الجيش الأبيض» الذي سقط منه ما يقرب من 100 شهيد حتى تاريخه، نتيجة تعنت وزارة الصحة التي «لم تعمل على توفير الدعم والمستلزمات للأطباء والعاملين بالمستشفيات، ولم تُجرِ مسحات دورية لهم ولأسرهم قبل أن يسقط منهم شهداء وتنهار المنظومة الصحية بالكامل»، بحسب بيان سابق لنقابة الأطباء.

ضاق الصدر، وزادت العصبية للدرجة التي لم تعد فيها السلطة تتحمل أي نقد أو حتى مطالبة بإعادة النظر في أولوياتها، وصارت كتيبة نقابة الأطباء في مرمى النار، وتم إدراجهم في خانة «المتآمرين على استقرار الدولة»، ووصموا بنفس التصنيفات التي طالت أصحاب رأي ومعارضين فهم إما «إخوان» وإما «ممولين من الخارج» وإما «يعملون لصالح جهات معادية».

الدكتورة منى مينا غبريال، وكيلة نقابة الأطباء السابقة والمنسقة العامة لحركة «أطباء بلا حقوق»، لاحقتها بلاغات وحملات إلكترونية تتهمها بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، رغم أنها مسيحية الديانة ويسارية التوجه، وُضعت في نفس الخندق مع زميلنا الصحفي اليساري محمد منير الذي تم حبسه قبل أيام بتهم «نشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ومشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها»، ليلحقا بمئات النشطاء والصحفيين وأصحاب الرأي الذين لم تحتمل السلطة نقدهم أو اختلافهم، فقررت إسكاتهم على طريقتها بإدخالهم دوامة الحبس الاحتياطي، أو بإرهابهم بالحملات التي تطال ذممهم وسمعتهم.

في أزمة الأطباء، انتبه بعض العقلاء وأشاروا على السلطة بفتح حوار مع ممثليهم، وبالفعل استقبل رئيس الوزراء مصطفى مدبولى نقيب الأطباء حسين خيرى لمناقشة الأزمات التي تتعرض لها الأطقم الطبية في حضور مستشار رئيس الجمهورية للصحة والوقاية الدكتور عوض تاج الدين، وبعدها بساعات استقبلت وزيرة الصحة هالة زايد النقيب وتمت مناقشة المشكلات التي تسببت في الاحتقان، وبحسب بيان النقابة فإن اللقاءات كان «إيجابية».

توقفت، ولو بشكل مؤقت، حملات التخوين التي طالت أعضاء ونشطاء نقابة الأطباء، لكنها لا تزال تطارد آخرين ممن يحلمون بوطن أفضل ويحملون أفكارًا ورؤى تختلف أو في بعض الأحيان تصطدم مع توجهات السلطة، لكنهم لم يخرجوا عليها بالسلاح ولم يستخدموا العنف للترويج لأفكارهم.

لا تعلم السلطة ومن يخطط لها أنه تم استهلاك تلك الحملات منتهية الصلاحية ولم يعد أحد يصدقها، بل صارت مثارًا للسخرية والتندر بعد أن طالت شخصيات ومجموعات أبعد ما تكون عمن يطلق عليهم «تيارات معاداة الدولة»، فاتهام أطباء وصحفيين ومثقفين وأصحاب رأي بالتواصل مع تنظيمات إرهابية أو الترويج لأفكار جماعات أصولية رغم انحيازاتهم الأيديولوجية والسياسية المعروفة بالخلاف الشديد مع تلك التنظيمات أو إثارة البلبلة لم يعد يقنع أحد، وهو ما دفع المواطن للتعاطف مع المستهدفين من تلك الحملات، وتشككه في الدوائر التي تطلقها.

ما يحدث في مصر الآن يعيد إلى الأذهان تجربة الولايات المتحدة الأليمة فى خمسينيات القرن الماضي حينما تزعم السيناتور الجمهوري جوزيف مكارثي، رئيس لجنة النشاطات الأمريكية في مجلس الشيوخ الأمريكي حملة لملاحقة ما أسماهم «أعداء الديمقراطية وأولياء وجواسيس الاتحاد السوفيتي داخل الولايات المتحدة».

بدأت حملة مكارثي بقائمة طويلة قيل إنهم «شيوعيون وجواسيس» في الخارجية الأمريكية، ثم امتدت المكارثية لجميع قطاعات المجتمع الأمريكي، وراح ضحيتها أكثر من مئتي شخص تم الزج بهم في السجون، وما يزيد على 10 آلاف تم طردهم من وظائفهم والتنكيل بهم بدعوى أنهم «خونة وعملاء وطابور خامس»، دون وجود أدلة تثبت تلك التهم.

اُستخدمت وقتها ممارسات التفتيش في الضمائر وتلفيق الاتهامات والفضائح لإسكات الآراء المخالفة ليس فقط للحكومة، وإنما لكل من يعترض على المكارثية ذاتها، وطالت الحملة رموزًا في الأدب والفن والسياسة، منهم مارتن لوثر كينج وألبرت أينشتاين وآرثر ميللر وتشارلي تشابلن.

في البداية أيدت أغلبية الأمريكيين الحملة، بعد أن أقنعتهم الآلة الإعلامية بضرورة التصدي لـ«خطر الشيوعية»، التي صدرها مكارثي باعتبارها «دين يريد القضاء على المسيحية»، لكن في ما بعد قل تأييد الأمريكيين لمكارثي، بعد أن تأكدوا من أن اتهاماته بلا سند، وأن هناك من يحركه لصالح أهداف أخرى غير تلك المعلنة.

دارت الدوائر على السيناتور الأمريكي وقُدم إلى المحكمة بتهمة الفساد والتزوير، وأدانه الكونجرس، ووجه إليه لوم رسمي، وبعد فترة أدمن المخدرات ومات بسببها، ومنذ ذلك الحين استخدمت «المكارثية» كتعبير عن الحملات الزائفة ضد المعارضين وأصحاب المواقف والآراء المختلفة الذين تتهمهم الأنظمة المستبدة بـ«الخيانة والتآمر على الوطن».

لا أعلم إن كان محركو ماكينة «التخوين» في مصر على علم بما جرى في الولايات المتحدة قبل سبعة عقود أم لا، لكن ما أثق فيه أن المواطن المصري كَفَرَ بما تنتجه تلك الماكينة الجهنمية من اتهامات تطال كل من تسول له نفسه الخروج على الخط الذي ترسمه السلطة.

إن الاكتفاء بالمعالجات الأمنية وحملات الاستهداف والتشوية، وتغييب السياسة وإغلاق كل منافذ التعبير عن الرأي لن يعالج أزمات الدولة ولن يصنع الاستقرار، فصناعة الاستقرار خاصة في أوقات الأزمات تقوم على أسس المشاركة والحوار والاستماع لآراء المخالفين قبل المؤيدين، وليس بإشاعة الخوف وزراعة الإحباط واليأس.

يتفق الجميع على أن الأمن القومي المصري يواجه العديد من الأخطار، فما يجري على حدودنا الغربية، أو في منابع النيل، يتطلب بالتوازي مع الجهود المبذولة أن يتم جبر الشروخ التي أصابت الجبهة الداخلية خلال السنوات الأخيرة والتي نتجت عن تصلب شرايين السياسة وانتهت بخسارة الشركاء كما الخصوم.

تطالب السلطة وإعلامها الجميع بـ«الاصطفاف والتكاتف لتجاوز التحديات التي تواجه الدولة» وهي دعوة مقبولة في أوقات الأزمات والأخطار، لكن غير المقبول هو أن نحقق هذا الاصطفاف على طريقة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، أو «بالوقوف صفًا واحدًا خلف القيادة السياسية»، بل بإعادة النظر أولًا في ممارسات السلطة تجاه كل من يخالفها في الرأي أو التوجه، ما دام يعبر عن رأيه بالطرق السلمية التي كفلتها القوانين والدساتير.

هل يعقل أن تطالب سلطة من تلاحقهم باتهامات الخيانة والعمالة وتخرجهم من معادلة الوطنية بالاصطفاف؟ إن شعور الجميع بأنهم شركاء في هذا الوطن هو السبيل المُثْلَى لتحقيق الاصطفاف، وإذا كان البعض يطالب المخالفين للسلطة بتجاوز خلافاتهم نظرًا لما يحيق بالبلاد من أخطار، فعلى السلطة أيضًا أن تعيد النظر وتضرب المثل وتبادر بفتح صفحة جديدة قائمة على الشراكة والحوار والاتفاق على أجندة سياسية ترسم الطريق إلى مستقبل الدولة المدنية الديمقراطية، فليس من المنطقي أن يعلن النظام استعداده للحوار والجلوس على مائدة مفاوضات مع المتربصين بأمن بلاده في الخارج ولا يحاور شركاءه في الداخل.


Comments

comments

شاهد أيضاً

جون ألترمان يكتب : لماذا على السيسي الحذر والخوف من انزلاقه في مستنقع الصراع الليبي؟

يُشاع في أوساط التدريبات الشرطية أنّك لا يجب أن تسحب مسدسك إلا حين تكون جاهزاً …