محمد سعد عبد الحفيظ يكتب: هل تشرب «سيدة النيل» من البحر؟


لم يتصور أكثر المصريين تشاؤمًا أن يأتي اليوم الذي نخطط فيه لـ«شرب ماء البحر» أو «مياه الصرف المعالجة» ونحن الدولة التي تملك أطول شريان مائي في العالم، الدولة التي عرفها العالم بالنيل، وعُرف النيل بها، شَكَّل هذا النهر معالمها وحدد مكانها ومكانتها، وجعل منها «حاضرة الدنيا وبستان العالم ومحشر الأمم»، كما قال العلامة ابن خلدون عندما وفد إليها قادمًا من تونس عام 1383م.

بعد أن أنجز المفكر الراحل جمال حمدان عمله الموسوعي الأشهر «شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان» عام 1989، والذي تناول في الجزء الثاني منه دور نهر النيل في التطور الحضاري لمصر، تحدث عن مخاوفه على ماء النيل الذي شكَّل «حضارة مصر وحاضرها ومستقبلها» في صفحات خاصة كتبها أثناء اعتزاله العالم في شقته الصغيرة بحي الدقي، ونشرها شقيقه عبدالحميد صالح حمدان بعد حادث وفاته الغامض.

ما بين عامي 1990 و1993 سجل حمدان في تلك الصفحات ما يدور في ذهنه من خواطر وتفاعلات، ليس كعالم في الجغرافيا فقط، بل كمفكر وفيلسوف يستشرف المستقبل من خلال قرائته لمعطيات الواقع، فدق نواقيس الخطر وحذر من انهيارات وكوراث وأيام سوداء تنتظر بلادنا.

كتب حمدان في صفحاته تحت عنوان «مذكرات في الجغرافيا السياسية» مصر اليوم.. إما القوة أو الانقراض، إما القوة أو الموت، إن لم تنجح مصر في أن تكون قوة عظمى تسود المنطقة بأثرها، فسوف يتداعى عليها الجميع يومًا ما كالقصعة.. أعداء وأشقاء وأصدقاء، أقربون وبعدون وأباعد.. زنوج إفريقيا سيكونون أول أبناء آوى، ولكنهم سيدعون زنوج النيل لينوبوا عنهم ويقفون هم يتفرجون في حياد كاذب في انتظار العزاء بعد الوفاة.

أدرك العبقري جمال حمدان مبكرًا أن «سيدة النيل» ستواجه شحًا مائيًا قد يعرض أرضها للجفاف وشعبها للعطش وتوقع أن يتلاعب منافسوها في أعالي النيل برصيدها المائي «من المتغيرات الخطرة التي تضرب في صميم الوجود المصري، ليس فقط من حيث المكانة لكن المكان نفسه.. فلأول مرة يظهر لمصر منافسون ومطالبون ومدعون هيدرولوجيًا [مائيًا].. كانت مصر سيدة النيل، بل ملكة النيل الوحيدة، الآن انتهى هذا، وأصبحت شريكة محسودة ومحاسبة ورصيدها المائي محدود وثابت وغير قابل للزيادة، إن لم يكن للنقص»

ورسم حمدان حينها صورة قاتمة للمستقبل الذي وصفه بـ«الأسود» محذرًا من تحول الأراضي الزراعية في مصر إلى أرض شراقي، حسب التعبير الريفي المصري، بعد أن تنحسر عنها مياه النيل «ولت أيام الغرق وبدأت أيام الشَرَق [الجفاف] وعرفت [مصر] الجفاف، لا كخطر طارئ، ولكن دائم.. الجفاف المستديم بعد الرى المستديم»

عزا البعض نبوءات حمدان المتشائمة في تلك الفترة إلى حالة العزلة الاختيارية التي فرضها المفكر الراحل على نفسه، والتي جعلته أسيرًا لمخاوفه وشكوكه، لكن بعد نحو ثلاثة عقود من رحيله، إذ بتلك النبوءات تتحول إلى واقع، وإذا بـ«السواد» الذي بشر به يلوح في الأفق، فها هي «أول بيئة زراعية في التاريخ» تضع الخطط  لمواجهة «الشَرَق» الذي هو الجفاف، بعد أن تلاعب بنا «أبناء آوى من زنوج إفريقيا» وجرّونا إلى متاهة المفاوضات لنحو عشر سنوات، حتى صار سد النهضة أمرًا واقعًا علينا التعامل معه ومع آثاره الكارثية، وصرنا نوسط أهل الشرق والغرب ليقنعوا الأحباش بعدم الإضرار بمصالحنا المائية والحفاظ على حصتنا التاريخية في مياه النهر.

في نهاية الفصل الأول من مذكراته حذر المفكر الراحل من «المجاعة» التي تنتظرنا نتيجة وصول الطفح السكاني إلى مداه، وانكماش القاعدة الأرضية والمائية، حينها «لم يبقَ سوى المجاعة.. بقى عامل السكان الذي تعدى إمكانيات الأرض، أصبح بالوعة للأرض وآكلًا لها، فهو لا يتجاوز إمكانيات الأرض فحسب، وإنما يُقلصها بقدر ما يتوسع إسكانًا في المدن والقرى والطرق.. ألخ، حتى سيأتي اليوم الذي تُطرد فيه الزراعة تمامًا من أرض مصر لتصبح كلها مكان سكن، دون مكان عمل أي دون عمل، أي دون زراعة، أي دون حياة، أي موت، لتتحول في النهاية من مكان سكن على مستوى الوطن إلى مقبرة بحجم دولة»

لم ينته كلام حمدان، فالمتاهة التي ندور في فلكها مؤخرًا، وإصرار أديس أبابا على تنفيذ جولة الملء الثاني للسد، ومحاولات تطمينات المصريين بأننا مستعدون لامتصاص صدمة الملء، وما يدور في الكواليس من مقترحات دولية وإقليمية للوصول إلى صيغة مقبولة لدى أطراف الأزمة الثلاثة (مصر والسودان وإثيوبيا) كل ذلك يجعل من نبوءات حمدان القديمة خبرًا قائمًا وأمرًا واقعًا معاشًا.

ومع تصاعد منسوب القلق من العطش المنتظر، تتسرب بعض الأخبار عن مقترح أمريكي يقضي بموافقة مصر على تنفيذ الملء الثاني لسد النهضة بما يسمح بتخزين إثيوبيا نحو ثلاثة مليار متر مكعب فقط من المياه في موسم الفيضان القادم بديلًا عن الـ13.5 مليار متر مكعب التي كانت أديس أبابا تخطط لتخزينها، على أن يتضمن هذا الاتفاق «الجزئي» بندًا ملزمًا يُستكمل على أساسه التفاوض للوصول لاتفاق مرضي بين أطراف الأزمة الثلاثة لملء وتشغيل السد، بحسب ما أشار لي أحد المصادر القريبة من دوائر صنع القرار، وهو ما اعتبره مصدر دبلوماسي «محاولة إثيوبية للالتفاف على الضغوط المصرية الأخيرة واحتوائها، حتى يتحول السد إلى أمر واقع، ساعتها سيتحلل آبي أحمد من أي اتفاقات سابقة»

المصدر الدبلوماسي قال إنه في الوقت الذي تتمسك فيه مصر بالدوران في متاهة المفاوضات، وتضع خطط بديلة لسد العجز في مياه النهر عن طريق مشروعات تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف لإيصال «نيل جديد» إلى بعض المحافظات، تصر إثيوبيا على التحدي وتعلن أنها «سوف تبني 100 سد صغير ومتوسط الحجم في مناطق متفرقة خلال السنة المالية المقبلة وهو ما سيكون له دورًا فعالًا في الإنتاج الزراعي» بحسب إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد.

آبي أحمد المحاصر بالأزمات، أدرك بحسه السياسي أن سد النهضة هو الورقة الوحيدة التي يُمكنه الرهان عليها لتبييض وجهه بعد الاتهامات التي لاحقته بارتكابه جرائم حرب ضد المدنيين في إقليم تيجراي وتصديه لمعارضيه بالعنف.

رئيس الوزراء الإثيوبي قال خلال افتتاحه أحد المشروعات قبل أيام «بناء هذه السدود هو السبيل الوحيد لمقاومة أي قوى معارضة لإثيوبيا» لافتًا إلى أنه «يجب على الإثيوبيين بجميع أطياف المجتمع أن يتكاتفوا لتحقيق مثل هذه الطموحات الحاسمة وغيرها من البرامج التنموية»

مصر من جهتها اكتفت بتصريح دبلوماسي للرد على التحدي الإثيوبي الأخير، وخرج المتحدث باسم وزارة الخارجية، السفير أحمد حافظ، ببيان صحفي أعلن فيه رفض القاهرة تصريحات آبي أحمد «التي تكشف مجددًا عن سوء نية إثيوبيا وتعاملها مع نهر النيل وغيره من الأنهار الدولية التي تتشاركها مع دول الجوار وكأنها أنهار داخلية تخضع لسيادتها ومُسَخرة لخدمة مصالحها»

وأضاف حافظ أن «مصر لطالما أقرت بحق جميع دول حوض النيل في إقامة مشروعات مائية واستغلال موارد نهر النيل من أجل تحقيق التنمية لشعوبها الشقيقة» محذرًا من أن هذه المشروعات والمنشآت المائية يجب أن تقام بعد التنسيق والتشاور والاتفاق مع الدول التي قد تتأثر بها، وفي مقدمتها دول المصب.

كارثة سد النهضة لن تقف عند حدود حصة مصر وحقوقها التاريخية في مياه النيل، والتي ضربت بها أديس أبابا عرض الحائط، فرغم تأثير السد على مساحات الأراضي المزروعة وأنواع المحاصيل المنتجة ونمط حياة المصريين الذين يعتمدون على المياه العذبة في كل استخداماتهم اليومية كشعب وجد نفسه على ضفاف نهر جار، للكارثة حدود وأبعاد أخرى، فقرار مصر وإرادتها السياسية ودورها الإقليمي سيكون بلا شك تحت رحمة الأحباش وحلفائهم الذين لو حسمت تلك المواجهة لصالحهم فستصبح أسباب بقاء واستمرار هذا الشعب تحت سيطرتهم.

الجفاف الذي تحدث عنه جمال حمدان أصبح على الأبواب، وتحول الأراضي الزراعية إلى «شراقي» صار على مرمى بصر، واللجوء إلى ماء البحر ومياه المصارف أصبح بديلًا وحلًا للكارثة التي تنتظرنا، إلا لو غيرنا من نهجنا وأعلنا أننا قادرون على استخدام كل خياراتنا، وأننا لن نمضي قدمًا في مفاوضات إتاحة الفرص للإثيوبيين.

حماية نهر النيل من المقاصد العليا التي وجب على أي سلطة حكمت تلك البلاد تحقيقها، وحسب فقه الأولويات يسبق هذا المقصد مقاصد حماية الحدود وحفظ الأمن وفرض الاستقرار، لأنه مرتبط بالحفاظ على حياة الشعب وبقاء الدولة، لذا فالتهاون أو التقصير في تحقيقه يضرب جذور شرعية أي سلطة.


Comments

comments

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : هل تمتد اليد الأثمة إلى عملاق الصناعة “مصر للألومنيوم”؟

في نهاية فترة الستينيات من القرن الماضي تم تأسيس مجمع مصر للألومنيوم، أكبر مصنع لإنتاج …