محمد عزت الشريف يكتب: بم استحقت أمة العرب شرف حمل الرسالة وتبليغها؟

 ـ  في البدء كانت الكلمة ..

والكلمة الحرة لا تكون إلا في مناخ من الحرية..

والحرية عدوها الأعظم الحاكم الفرد الدكتاتور المستبد

ولقد شاء الله سبحانه أن تكون أمة العرب إبّان بعثة محمد بن عبد الله أُمةً بلا حاكم فرد، ولا نظام مركزي شمولي في الحكم كما النمط السائد الآن في كثير من الدول العصرية.

وهذا النظام اللا فردي واللا مركزي ـ بإيجابياته وسلبياته ـ يوفر مناخاً ملائماً من الحرية للفكر أن ينطلق وللكلمة أن تنتشر.

إننا إذا ما أردنا أنْ نَصِفَ أُمةَ العرب؛ وفي القلب منها “قريش” إبّانَ بعثة محمد النبي في كلمة واحدة؛ فإننا يمكننا أن نصفها بأنها أمة الكلمة. ولهذا جاءهم رسولهم المبعوث إليهم من رب العالمين برسالة الكلمة؛ “إقرأ”.

ولن أُسهب كثيرا في طرح الأدلة على أن تلك الأمة كانت أمة “الكلمة”؛ فحسبنا في ذلك أن نُذَكِّرَ بأنها كانت الأمة الوحيدة التي لديها سوقاً “للكلمة”, وكانت القبائل في ذلك الوقت تفاخِرُ بعضها البعض بالكلمة، وبكثرة الشعراء فيها.

ولم يكونوا حريصين على تعليق شهاداتهم العلمية على الحوائط  والمباني؛ بقدر حرصهم على تعليق أعذب القصائد والأشعار وأبلغ وأطول المعلقات.

وكان من عُلُو وسمُوّ شرف الكلمة؛ أنهم كانوا يُعلقونها على أقدس مكان لديهم، بل وأطهر بقعة على البسيطة كلها.. كانوا يعلقونها على جدران الكعبة المُشرّفة؛ بيت الله الحرام.

ولِم لا؟ فالكلمة حرة والبيت حر، والكلمة شرف والبيت شرف، والكلمة نور والبيت نور

ولم لا؟ والكلمة حرام والبيت حرام؛ والمساس بهما حتما حرام .

حُرمةُ الكلمة

الله ما أعظمها من من كلمة.. “حرمة الكلمة”

صلة الوصل بين الإنسان وربه، وبين الإنسان وقِرنه

وبما أنّا ـ من قبل ـ قلنا بأنّ الصلةُ رحمةً، وبما أنَّ الكلمة صلة

إذن فالكلمة رحمة..

نعم؛ ومانعُ الكلمة مانعُ الرحمة.

والكلمة لا تحيا إلا .. في مناخ الحرية .

ولقد كان العرب ـ بحق ـ قوماً أحراراً، من أصلاب رجالٍ أحرار

لهذا ازدهرت عندهم الكلمة، وراجت لها سوقٌ, فكان لصاحب الكلمة حقٌ أصيلٌ في عرضها، وفي أظهر وأطهر مكان.

وكان لطالب الكلمة أن يطلبها بحقها؛ وحقُّ الكلمةِ الحفاظُ على حُرمتُها ـ فلا تبديل ولا تحريف ولا حَجبٌ ولا تغييب، ولا حظرٌ ولا تقييد.

وحاجبُ الكلمة حاجبُ الرحمة.

وكان العرب أهل صلة ورحمة؛ وما كانت العصبية القبلية عندهم إلا مظهراً وتعبيراً لقوة الصلة وعِظًم الرحمة بين العرب بعضهم البعض، وخاصة في مكة؛ ذلك البلد الحرام، بلد السلم والأمن والوئام، والبيت الحرام والأيام والأشهر الحرام.

تلكم كانت البيئة الملائمة، والتربة الخصبة التي استقبلت واحتضنت بذرة “إقرأ” التي جاء بها؛ يغرسها  محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلم تكن الكلمة التي جاء بها محمد بن عبد الله القرشي تختلف في خصائصها  كثيراً عن خصائص الكلمة التي كان يتعامل بها، ويتداولها علماء ووجهاء وأشراف أمة العرب ..

الكلمة تاريخ .. والكلمة فكر.. والكلمة ماضٍ.. والكلمة حاضرٌ.. والكلمة نبوءة.

هكذا كانت الكلمة عند أمة العرب.

وهكذا هي الكلمة التي جاء بها محمد بن أمة العرب، بشيراً ونذيراً للعالمين أجمعين عرباً وعجماً .

هذا ولم تكن أمة العرب ـ في ذلك العهد ـ أمة متحررة فقط من الاستبداد السياسي والحكم السلطوي؛ بل كانت متحررة كذلك من الارتباط  والالتزام بأي منهج أو دستور مكتوب، أو حتى  كتاب سماويّ مُنزَّل .

المفردة العربية حرة

معلوم لدى الأكاديميين وعلماء اللسانيات المتخصصين، أنّ اللغة العربية هي أغنى اللغات بالمفردات والمترادفات, وتلك معلومة صارت بديهية الآن والتفصيل فيها ليس مجال بحثنا الآن.

لكنّا نقول إنَّ لغةً تختص بهذه الخصائص من المرونة والاتساع؛ تتيح للمتحدث بها ذات المرونة واتساع الحركة في التعبير عن المعاني التي يعنيها بدقة وبتحديد .

المفردة العربية ليست مفردةً جامدةً بطبيعتها, بل هي لفظة مرنة ومتصرفة، ومتلونة في معناها وفي مخارجها الصوتية.

 فإذا ما انتقلنا بنظرنا بين المرادفات العربية, فإننا واجدون ـ حتماً ـ خصيصة لا تتوافر في كثير من اللغات، بل ولا ينتبه إليها الكثيرون من المتحدثين بالعربية؛ بل وحتى بعض المشتغلين بها، والمتخصصين في علومها!

فرغم تنوع المترادفات للمفردة العربية الواحدة, إلا أن كل مترادفة لها معنى عام خاص به.

ولو تعمقنا في ذلك فسنجد أن المفردة العربية لا تعني إلا نفسها, ولكن لدواعي الشرح والتبسيط, فإننا نلجأ إلى طريقة في التعليم بأن نُعَلِّم كل طالب علم؛ بأن نعرفه المجهول له بمعلومية المعلوم عنده .

فلو كان المتعلم مثلا يجهل معنى كلمة “جلس”, فإننا لو علمنا أن المتعلم يعلم بدايةً معنى كلمة “قعد” فليس أمامنا إلا أن نقول له إن كلمة “جلس” تعني ” قعد”, رغم أننا نعلم أن “جلس” غير “قعد”, وأن لكل منهما خصائص وخصوصية, ولكنهما يشتركان في خصيصة واحدة على الأقل

وهي هنا في هذا المثال “الهيئة والصورة التي يكون عليها الإنسان الجالس” فهي تشبه تماماً “الهيئة و الصورة التي يكون عليها الإنسان القاعد”

لكنّ الفارق هو في الهيئة التي كان عليها الإنسان قبل هيئته تلك, فالجلوس يكون عن وقوف سابق, والقعود يكون عن رقاد سابق.

مثل هذه الفروق الدقيقة لا تتوافر إلا في هذه اللغة الغنية الثرية المتسمة بالمرونة والحرية.

هذا كله مما يهيّء للناطق بالعربية مجالاً متسعاً وحركة حرة مرنة في التعبير عن مقاصده بشكل أكثر دقة وتحديداً .

وأمّا عن حيوية اللغة

فمن الواضح أن القرآن الكريم نفسه راعى هذه الخصوصية وأكد عليها

بل واستعمل مفردات ليست من صميم اللغة العربية “القُحّة, ولكنها مفردات كانت معلومة لدى العرب في حينها, وكان العرب يستخدمونها في معاملاتهم اليومية في ذلك العهد, بعد أن جاءتهم من بلاد الفرس أو الترك أو غيرها من لغات الأقوام المجاورة.

والأمثلة كثيرة على ذلك :

ـ فالاستبرق مثلا: كلمة فارسية، معناها: الغليظ

“يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ”

ـ والسندس: كلمة هندية، ومعناها الستائر الرقيقة الناعمة

ـ أما المشكاة: فهي لفظة حبشية، معناها: الكوة في الجدار أو غيره

“اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ”

بل ولازالت حتى الآن وكل يوم تدخل في معجم لغتنا العربية ألفاظ جديدة

وأسماء ومصطلحات حديثة يتم تعريبها وإقرارها من علماء اللغة والقائمين على معاجمها المتنوعة.

وفي هذا كان يقول عميد الأدب العربي طه حسين:

“لغتنا العربية يُسرٌ لا عُسر، ونحن نملكها؛ كما كان القدماء يملكونها، ولنا أن نضيف إليها ما تحتاج إليه من ألفاظٍ لم تكن مستعملةً في العصر القديم”

بقى أن نقول بأن اللغة العربية بكثرة جذورها اللغوية وغناها بالمفردات و المترادفات، و خصوصية نحوها وإمكانية صرفها ـ بكل ذلك وأكثر ـ كان لها من المرونة ما يجعلها مهيأة لأن تتقبل أي لفظ من الألفاظ الحديثة بعد الاشتغال على ترجمته وتعريبه؛ بما يدخله في لُحمة واحدة وبقية ألفاظ اللغة القديمة الأصيلة.

أخلاق العرب

لن نتحدث هنا عن المكارم والمعايب, ولكن نتحدث عن أخلاق العرب كما كانت إبّان بعثة محمد عليه الصلاة والسلام.. نتحدث عن طباع العرب التي هيأتهم ليكونوا خير قوم ـ على خير أرض ـ يمكن أن تتلقى الرسالة وتحتضنها وتقوم بواجب تبليغها الأمين.

و سنعمد هنا إلى أن نأخذ بما كتبه عنهم التاريخ, ونحلل مدى ملاءمة تلك الطباع والأخلاق في الرجال ليكونوا مؤهلين لحمل رسالة عظيمة كرسالة السماء .

سنأخذ أولا ـ مثالا بحاتم الطائي الذي تجمعت فيه كثير من صفات العرب في ذلك الوقت من :

كرم.. تسبقه فروسية.. تسبقها شجاعة

فلولا الشجاعة ماكانت الفروسية التي تدفعه للإغارة على أغنى القبائل ليكون له كل هذه الأسباب التي جعلت منه مثالاً مدى الدهر في القِرى والكرم.

نعم؛ كان العرب متصفين  بـ :

ـ الشجاعة

ـ الفروسية

ـ الكرم

من ذلكم يُروى أن الرجل كان إذا أتاه الضيف في شدة البرد والجوع وليس عنده من المال إلا ناقته التي هي حياته وحياة أسرته، تأخذه نخوة الكرم فيقوم إليها، فيذبحها لضيفه.

وكان من نتائج كرمهم امتداحهم شرب الخمر ولعب الميسر..

أما الخمر فلأن تأثيرها على الإدراك يسهل الإسراف على النفس فتكون بذلك سبيلاً من سبل الكرم ولذلك سمي شجر العنب بالكرم!

وأما الميسر فلأنهم كانوا يُطعمون المساكين ما ربحوه، أو ما كان يفضل عن سهام الرابحين؛ ولذلك ترى القرآن لا ينكر نفع الخمر والميسر

وإنما يقول‏:‏ ‏{‏وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا‏}‏

ولو كانت لتك الصفات من مرجع واحد أو منبع واحد, لكان ذلك المنبع والمنهل هو “الحرية”

فالكرم “حرية “وفيه إطلاق اليد للسرف دون حدّ.

والشجاعة “حرية” وفيها اندفاعٌ دون خوف.

والفروسية “حرية” وفيها انطلاقٌ دون قيد.

وكان العرب متصفين ..

 بـعزة النفس والإباء عن قبول الظلم والضيم, ولعل  الشجاعة والفروسية والإقدام كلها ـ بالأساس ـ  نواتج مما أنتجته عزة النفس والإباء.

وكانوا متصفين بالمضي في العزائم؛ فقد كانوا إذا عزموا على شيء يرون فيه المجد والفخار؛ لا يزالون به، لا يصرفهم عنه صارف.

فأما الوفاء بالعهد فحدِّث ولا حرج؛ فقد كان العهد عندهم دينًا..

 وهل يوفي بالعهد غيرُ حرّ؟!

إن هذه الأخلاق العظيمة لم تكن لتنطبع في الإنسان العربي وتفيض فتنضح عليه وعلى تصرفاته وأفعاله لو لم يكن مناخ الحرية الذي رعى تلك الأخلاق وربّاها في نفوس الرجال الأحرار، ليكونوا بعد ذلك أهلاً لحمل وتبليغ أعظم رسالات السماء إلى العالمين كافةً.

بيد أن تلك الأخلاق والطباع كان فيها مافيها من العادات السيئة، التي تحتاج إلى ضبط وتهذيب وإصلاح وتوجيه..

فكان لها “محمد الرسول” الضرورة ..”عليه الصلاة و السلام”

شاهد أيضاً

حافظ المرازي يكتب : هل الحل نصب تذكاري آخر في إسرائيل لشهدائنا؟!

التقيت مرة مع ضابط جيش متقاعد على عشاء بمنزل صديق مشترك في واشنطن، ودار الحديث …