محمود صقر
محمود صقر

محمود صقر يكتب: اغتيال عروس البحر

حديث ذو شجون أن تتحدث عن مدينة الإسكندرية بين الأمس واليوم.

من رآها وهي عروس شابة حتى السبعينيات من القرن العشرين يشعر بالجريمة التي ارتُكبت في حقها، ويزداد الشعور بالجريمة عند من يغيب عنها ويعود إليها ليلحظ ما يطرأ عليها من تشويه, سنة بعد سنة.

اسكندرية التي كانت مثالاً للنظافة والجمال والرقي، تم تدميرها تدميراً منظماً وممنهجاً وما زال جارياً ليس بسبب حروب ولا احتلال أجنبي، بل بأيدي أبنائها.

كان في منطقة الرمل وحدها 3578 فيلا فاخرة في إحصاء عام 1923, أين ذهبت تلك الفيلات والقصور ومثيلاتها في مختلف أحياء المدينة؟

أين قصور العائلة الملكية وأين ما كان فيها من مقتنيات؟

في كل بلاد الدنيا أتت حكومات خلف حكومات, وجمهوريات أزالت مَلَكيات, وبقيت تلك الآثار من عهد لعهد مِلكاً للشعب لم تمسها يد الأنظمة الجديدة وظلت مفتوحة بمقابل للمواطنين والسياح .

أين المباني الكلاسيكية من تصميم أشهر المعماريين في شوارع وسط المدينة؟

صارت مهملة بتعمدٍ, لتصبح آيلة للسقوط لتقع في يد مشترٍ جديد يتقاسم الربح مع من يعطيه تسهيلات مخالفة البناء، ويضيف معلماً جديداً من معالم تشويه المدينة .

أين ترعة المحمودية وحديقة النزهة وأنطونيادس؟

صارت تلك المنتزهات نهباً للتخريب والإهمال وجاري الآن تجريف أجزاء من حديقة النزهة (كانت مساحتها 60 فدان)، وكأنهم استكثروا أن يظل في اسكندرية شيئ جميل!

حتى تمثال كاتمة الأسرار للفنان محمود مختار تمت سرقته من حديقة البطالسة بميدان الخرطوم منذ أشهر!

تزور مدن أوروبا التاريخية فتجد الشوارع في أجزائها القديمة مُبَلَّطة بالبازلت وكذلك أرصفتها .

وهكذا كانت شوارع اسكندرية تُبَلَط بأحجار البازلت منذ عام 1869 وحتى الحرب العالمية الأولى, وبعدها بدأ استخدام الأسفلت، وظل البازلت في ميادين اسكندرية حتى الثمانينيات وظلت “بردورات” الأرصفة من البازلت حتى أتاها “عادل لبيب” محافظاً ولعب الشيطان برأسه وقرر إزالة البردورات البازلت واستبدل بها كتلا خرسانية قميئة، وبدلاً من أن يضربه الشعب على رأسه لطرد الشيطان، تندروا بأن عرافاً أخبره بأنه معمول له عمل متخفي تحت بردورات الرصيف!

أما آثار المدينة فأحدثكم عنها كشاهد عيان حيث كنت أصغر المهندسين بمشروع (نفق عبد المنعم رياض) وسط إسكندرية عام 1988، وقد حالفني الحظ أن أكون من أوائل من بدأ بهم المشروع وآخر من خرج منه، اكتشفنا أن مسار النفق يتعارض مع جزء من سور الإسكندرية القديم في الجزء من جهة الشلالات مقابل النادي الأوليمبي .

رفعنا الأمر للجهات العليا، وحَضَرتُ اجتماعاً للمختصين وفي حضور محافظ الاسكندرية وقتها (المستشار اسماعيل الجوسقي) ووزير الثقافة وقتها (فاروق حسني) .

عرضنا عليهم ما كنا نراه مشكلة، فرد وزير الثقافة باستهتار: (هُوَّ ده اللي معطلكم)!

وأحال الموضوع للجنة من الآثار، فقررت إزالة جزء من سور إسكندرية، ونقل الأحجار المستخرجة لعمل شاهد بجوار السور مازال قائماً دون أي علامة تشير إلى ماهيته، ولكنه ظل تذكاراً تتعلم منه الأجيال الجرائم التي يرتكبها الجهلة والفسدة.

ومن أراد المزيد فليسأل عن الآثار التي انتُزِع بعضها ورُدِم الآخر في مشروع مساكن الضباط في مصطفي كامل على البحر.

مشهد المدينة باختصار أنه تم تدمير ما كانت تحويه من تراث وجمال، وتم التنكيل بها خلال الثلاثين سنة الماضية بحيث تكاد تكون كل التوسعات بالمدينة تمت بعشوائية دون تخطيط وبكتل خرسانية قميئة مخالفة لقوانين البناء وللذوق ولمعايير الأمان.

ويبقي السؤال: لماذا هذا الإفساد والتدمير الممنهج؟

هل هو عن جهل وغباء؟ هل عن جشع وطمع؟ هل عن إجرام وفساد؟ هل عن خُطة تخريب متعمد؟

أياً كان السبب؛ نحن أمام جرائم لا سبيل إلي معالجة آثارها، فليس هناك سبيل لإعادة ما تهدم، ولكن يبقى لنا أمل واحد وهو يقظة شعب يدرك أنه بأفعاله وسكوته يُخرِبُ بيته بأيديه وأيدي المفسدين.

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : عن قفزات أسعار الأدوية ودهس المرضى

تشهد أسعار الأدوية في مصر قفزات متواصلة، ومع تلك القفزات يتم دهس المواطن الذي بات …