محمود صقر
محمود صقر

محمود صقر يكتب: الشرب بظهر الملعقة!

كان لي صديق ظريف لطيف، من أخف الناس دماً، وأسرعهم بديهةً .

دخلت عليه يوماً فوجدته مهموماً على غير العادة، فسألته عن حاله، فأجاب:

” أنا مثل الذي يشرب بظهر الملعقة “

فاجأني الرد، أبهرني التعبير، تسمرت في مكاني لحظة، تصورت التعبير البلاغي، ثم انفجرت ضاحكاً .

أردت أن أسمع تفسير المعنى البلاغي منه، فأجاب :

أتعس الناس في الدنيا من يشرب بظهر الملعقة!

لماذا؟ لأنه إنسان توفرت له ألوان الطعام والشراب، لكنه لا يجيد استغلاله، فمن ناحية لا يصل إلى جوفه شيء، ومن ناحية آخرى، يهدر مقدراته، ويقع الطعام على ثيابه، فيتخيل الناظر إليه أنه أكل حتى الشبع، ومن كثرة الأكل فاض الأكل على ثيابه .

فهو محروم من الطعام، ومحسود على وفرته في آن واحد .

ألا يذكرك هذا التعبير البلاغي بشعوب تعيسة تعيش على أرض ملأى بالكنوز والموارد؟

وغيرها شعوب غنية متقدمة تفتقر بلادها إلي معشار ما تمتلكه بلاد هذه الشعوب الفقيرة؟

ما الفارق بينهما؟

الفارق أن الشعوب التعيسة تشرب بظهر الملعقة!

ومن المسئول عن الإمساك بالملعقة؟ نظام الحكم هو المنوط به في كل بلد إدارة مواردها بما يحقق الاستثمار الأمثل والتوزيع العادل لتلك الموارد .

إن تجارب الأمم حولنا واضحة جلية .

فدول مثل ماليزيا وسنغافورة … كانت بلادًا بائسة فقيرة متخلفة إلى أن حكمتها إدارات ناجحة حولتها في سنوات لا تقاس في عمر الزمن من التخلف إلى التقدم، ومن الجهل والشقاء إلى العلم والرفاه .

المسألة يا سادة يا كرام ليست مسألة فكرية أو فلسفية معقدة تختلف فيها الآراء، إنها مسألة حسابية بسيطة.

معادلة لها مدخلات ومخرجات .. مقدمات ونتائج .

موارد + إدارة ناجحة = استثمار ناجح.

فإن توفرت الإدارة الناجحة ستحقق الاستثمار الناجح حتى وإن قلت الموارد.

أما إذا توفرت الموارد وكانت مخرجات المعادلة منحنيات بيانية لقيمة العملة والناتج المحلي والأداء الصناعي والإنتاج الزراعي … كلها منحنيات بيانية هابطة .

فلا مجال هنا للتأويل واختلاف وجهات النظر إلا إذا كان هناك خلاف على أن واحد زائد واحد يساوي إثنين .!

هذه المنحنيات البيانية الهابطة تدل على أن الملعقة ممسوكة بالمقلوب سواء عن عمد أو جهل .. لا فرق .. فالنتيجة واحدة .

والذي أمسك الملعقة بالمقلوب بسياسات فاشلة لأجيال متعاقبة لا يمكن أن تنعدل الملعقة في يده  بل ستزداد سوءاً بثقوب الفساد .

والشعوب التي تكره التفكير وتعشق الوعود والأوهام والأحلام .. ستظل تأكل الهواء وتمضغ الماء.

ستظل تشرب بظهر الملعقة.

شاهد أيضاً

د عز الدين الكومي يكتب : خيانة الأوطان و”العودة بخفي حنين”

تتلخص قصة هذا المثل العربي “عاد بخفي حنين” أن حُنَيناً هذا كان إسكافياً من أهل …