محمود صقر
محمود صقر

محمود صقر يكتب: حكومات لا تحتاج إلى شعوب!

هناك دول يقوم اقتصادها على ما يسمى (الاقتصاد الريعي).. تلك الدول تعتمد في دخلها الاقتصادي على بيع الموارد الطبيعية مثل ما يختزن داخل باطن الأرض من بترول وغاز وحديد وذهب ونحاس …. أو وضع الحكومة يدها على الأرض ذاتها وتقسيمها وبيعها للمواطنين والأجانب.

هذا النوع من الدول يقابله نوع آخر يعتمد دخله على الصناعة والزراعة وإنتاج التكنولوجيا، ومعظم هذه الدول الأخيرة متقدمة لكنها فقيرة من ناحية المواد الخام.

الدول المتقدمة تحتاج إلى الاستثمار في شعبها، فالشعب هو اليد العاملة في الزراعة وهو اليد التي تدير ماكينات الصناعة والعقول التي تنتج التكنولوجيا، وبدون شعب مؤهل لا يمكن أن تتقدم تلك الدول.

هذه الحكومات في رباط مصلحي (على أسوأ فرض) مع شعبها.

أما حكومات الدول الريعية فتنظر إلى الشعب على أنه حمولة زائدة على سفينة النظام.

ففي الوقت الذي تعيش فيه الحكومة ودائرتها الضيقة التي لاتتجاوز في أحسن حالاتها 10% من الشعب على ريع موارد الدولة وإعادة تدويره في استثمارات تستنزف 90% الباقين من الشعب، فهي ترى أنها تتحمل مؤونة الخدمات الصحية والتعليمية والرعاية الاجتماعية ( إن وجدت ) لتلك الحمولة الزائدة من الشعب.!

هذه النظم في حلف استراتيجي مع الدول الصناعية الكبرى؛ بحيث تضمن تدفق المواد الخام وضمان إبقاء شعبها شعباً مستهلكاً فقط, خارج أي إطار محتمل لمنافسة صناعة الغرب.

وإذا أردنا اتخاذ مثال توضيحي: فنيجيريا أكبر دولة أفريقية من حيث عدد السكان (160) مليون وأغنى دولة بمواردها البترولية.

تناولها ملحق “الفاينانشيال تايمز” عام 2004 ونذكره بوصفه نموذجاً يعبر عن موضوعنا.

“كانت نيجيريا قبل استيلاء نظام “أباتشا” العسكري على الحكم مكتفية ذاتيا من الغذاء وتصدر منه للخارج وكانت الزراعة تمثل ٣٩٪ من الناتج المحلي .

منحت القوة العسكرية النفوذ المطلوب لنخبة الرأسماليين المرتبطين بالنظام من ناحية وبالبترول وشركاته العالمية من ناحية “.

وهكذا أدى حكم العسكر الذي خلف المحتل الإنجليزي – كالمعتاد- إلى تدمير القطاعات الاقتصادية غير المرتبطة بالبترول وتحولت نيجيريا التي كانت قبل حكم العسكر مكتفية ذاتيا من الغذاء إلى واحدة من أكبر مستوردي القمح من أمريكا، وأصبح 65% من السكان في أغنى دولة أفريقية تحت خط الفقر (دولار واحد للفرد في اليوم) بعد أن كان قبل الحكم العسكري 43% من عدد السكان.

وبحكم الحلف الاستراتيجي بين النظم العسكرية الحاكمة والدول الصناعية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تشتري نصف إنتاج نيجيريا من البترول – تُعد نيجيريا خامس أكبر مصدر للبترول لأمريكا – فقد تم السكوت عن جرائم النظام ضد الحريات وحقوق الإنسان، وعمليات السلب والنهب من ثروات الشعب بصفته نظاما حقق للغرب معادلة ضمان توفير المواد الخام من ناحية وضمان عدم وجود منافسة صناعية أو زراعية والإبقاء على سوق مستهلك فقط.

بل شاركت شركات البترول العالمية (شل وشيفرون تيكسكو وإكسون موبيل) في أعمال الانتهاكات والإفقار، وفي عام ٢٠٠٤ تم اتهام شركات البترول بالتعاون مع الحكومة النيجيرية في أعمال الإبادة الجماعية .

هذا نموذج متكرر لدول غنية بثرواتها الطبيعية, متخلفة في أنظمتها السياسية, تعيش فيها فقط الفئة المترعرعة في كنف السلطة الحاكمة وهي من تستأثر بثروات البلاد.

أما نصيب الحمولة الزائدة من الشعب: (مفيش .. مفيش .. مفيش )!!

شاهد أيضاً

محمد سيف الدولة يكتب : السودان فى الوثائق الصهيونية

أهدى الوثيقة التالية للشعب السودانى وقواه الوطنية والثورية الذين أدانوا اجتماع عبد الفتاح البرهان رئيس …