محمود صقر
محمود صقر

محمود صقر يكتب: نحبهم ولا تحلو الحياة بدونهم

لو كان بالعقل وحده يحيا الإنسان لما وجِدت فضائل .
لو كان مجنون ليلي عاقلاً ما أحببناه ولا خلدت قصته الأجيال.
إن سر خلوده أنه أحب بجنون.!

لو لم يمت “عروة بن حزام” في حب “عفراء” لما صار أشهر عشاق قبيلة “عُذْرَة” ولا عرفنا شيئاً نبيلاً اسمه “الحب العُذْري”.
لولا هذا النبل الفريد الذي تحلت به “إيزيس” ووفاؤها لحبيبها “أوزوريس” وجمع أشلائه التي فرقها الحقد والكره لما صارت أسطورة في الحب والوفاء.
روميو وجوليت .. بروميثيوس .. فينوس .. كيوبيد …
قصص بين الحقيقة والخيال، بين الأسطورة والواقع، تناقلتها الشعوب عبر الأزمان لتمجيد الفضائل الإنسانية ومُثلها العليا.
أبطال معظم الأساطير والقصص الخالدة ليسوا من أصحاب العقول والذكاء والدهاء، بل من أصحاب العواطف المشبوبة التي اختارت المباديء والمثل وانتصرت لها على حساب أدلة العقل.
“جان فلجان” بطل رواية “البؤساء” لـ ” ڤيكتور هوجو” في ميزان العقل، إنسان أَبْلَه، فبعد أن تحول من سارق هارب من العدالة إلى شخصية مرموقة خيرة محبوبة تقدم خدمات جليلة لمجتمعها ضحى بكل هذا وقدم نفسه للعدالة لإنقاذ رجل بريء.
ولولا هذا التصرف الذي أعلى من قيمة المبدأ على حساب الأدلة العقلية التي ساقها المؤلف لما أحبه القراء وتعلقوا به وكتموا أنفاسهم انتظارًا لقراره الظافر بالانتصار للمثل والقيم والمباديء.
إن التضحية في حد ذاتها عمل غير عقلاني؛ بل والحب والبذل والتسامح, كلها ضد العقل المجرد لانها تتعارض مع حسابات المصلحة الشخصية.
ومن عجيب أمر الإنسان أنه يحب هؤلاء الأبطال فقط في القصص والأساطير.
يحبهم على خشبة مسرح التمثيل، ويكرههم ويسخر منهم ويتهمهم بالسفه والجنون والبلاهة على خشبة مسرح الحياة.
إنه يحبهم بشرط ابتعادهم عنه زمانًا ومكانًا.. لماذا؟!
هل لأن بعدهم عنا زمانا ومكانا يعفينا من المقارنة بيننا وبينهم؟ هل لأن بعدهم عنا زماناً ومكاناً يعطينا حجة مريحة ألا نكون مثلهم؟

هل لأن قربهم منا يظهر خَوَرَنا وضعفنا وعجزنا؟
لماذا ننشد الأشعار تمجيداً “لمانديلا”، وفي بلادنا ألف “مانديلا”؟
ألف “مانديلا” يصفونهم في بلادنا بالحمقى والمجانين .. إنهم ضحوا بحياتهم وحريتهم في سبيل حياة وحرية ورفاه أغبياء يسخرون منهم ويسبونهم!
هؤلاء المجانين الحمقى حولنا وتحت أنظارنا ممن غلبت عواطفُهم عقولَهم, ومبادؤهم مصالحهم.. هؤلاء العشاق المحبون العُذريون .. هؤلاء الطيبون المتهمون بالسذاجة .. هؤلاء الأسخياء الأتقياء الأنقياء المضحون بغير حساب .. هؤلاء المعطاؤون بغير حساب ولا انتظار شكر أو جزاء .

ما أجملهم .. ما أعظهم .

إن الحياة لا تحلو بدونهم.
إنهم غذاء فضائل الإنسانية .. إنهم قمح الوجود .. ينبتون في أرض طيبة ثم يحصدون ويطحنون ويعجنون ويخبزون ليكونوا غذاءً لفضائلنا وطاقة لأرواحنا.
ودليلًا على أن في كوكبنا إنسانٌ يحيا.

Comments

comments

شاهد أيضاً

محمد سيف الدولة يكتب : مخاطر إزاحة الرئيس المصرى

فيما يلى تقرير آخر * من تقارير المخابرات المركزية الأمريكية عن مصر**، وكنا قد تناولنا فى مقال …