مصر تفتتح مقابر اليهود “ليشع ومنشه” بعد تجديدها وتهدم مقابر الشافعي

غير آبه بتنديد الدوائر الثقافية والأثرية، أزال نظام عبد الفتاح السيسي في مصر مقابر إسلامية وتاريخية عديدة في أحياء العاصمة القديمة (السيدة عائشة، والإمام الشافعي، والمماليك) المعروفة بـ”قاهرة المعز”، من أجل تشييد طرق وجسور مكانها، حسبما أكد موقع “الاستقلال”.

وفي المقابل، كان لافتا اهتمامه بشكل متواز بترميم مقابر ومعابد يهودية لا إقبال عليها، في ظل انقطاع الوجود اليهودي بمصر إبان خمسينيات القرن العشرين، والذي بات يقتصر حاليا على خمسة أشخاص فقط.

واسم “قاهرة المعز” يشير إلى المناطق التاريخية في العاصمة المصرية، التي كانت موجودة قبل التوسع الحديث للمدينة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، أما المعز لدين الله (932-975) فهو أول الخلفاء الفاطميين في مصر، وإليه ينسب تأسيس القاهرة.

وبينما أعرب مصريون مسلمون وأحفاد شخصيات تاريخية، عن بالغ حزنهم لهدم مقابر أجدادهم ونقل رفاتهم إلى الصحراء، احتفل يهود في إسرائيل بتجديد مقابر أجدادهم وتوافدوا لتفقدها في قلب القاهرة.

إهانة كبيرة

وفي 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، افتتحت السلطات المصرية بالشراكة مع السفارة الأميركية في القاهرة ومركز الأبحاث الأميركي في مصر (ARCE) وممثلين عن منظمات يهودية أميركية ومصرية مقابر “ليشع ومنشه” التي تم ترميمها حديثا في القاهرة.

وقالت السفارة الأميركية في بيان إن المقبرة الجزء الوحيد المتبقي من مقابر اليهود القرائين أو مقابر البساتين التي تعد من أقدم المقابر اليهودية الصالحة للزيارة في العالم.

وشارك بالافتتاح، رموز يهودية وأميركية، في مقدمتهم القائم بالأعمال الأميركي السفير دانيال روبنستين، ورئيس يهود أميركا القرائين ديفيد عوفاديا، ومديرة مركز الأبحاث الأميركي بمصر لويز بيرتيني، ورئيسة الجالية اليهودية المصرية ماجدة هارون.

وأوضحت السفارة أن وزارة الخارجية الأميركية كانت قد قدمت منحة قدرها 150 ألف دولار في إطار صندوق السفراء الأميركيين للحفاظ على التراث الثقافي لتمويل ترميم المقبرة، كما قدم اليهود القراؤون في الولايات المتحدة أيضا مساهمات مادية.

وفي حفل الافتتاح، أكد السفير روبنستين “التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على ذكرى الدور الجوهري الذي لعبته الجالية اليهودية في التاريخ المصري”.

وقال: “لقد خدمت مقبرة البساتين الجالية اليهودية في مصر منذ إنشائها عام 1482، وستظل حكومة الولايات المتحدة الشريك الملتزم لمصر في الحفاظ على المواقع الثقافية والدينية القيمة في مصر وترميمها وحمايتها، مثل مدافن ليشع ومنشه، والتي تساهم في إثراء التاريخ المصري وتنوعه”

هذا التاريخ المصري الذي داهمته جرافات السيسي في السنوات الأخيرة لتسحقه دون رادع أو مدافع عن تراث مصر الإسلامي، على عكس ما يحدث مع بقايا اليهود.

وبداية من عام 2020، تصاعدت عمليات إزالة مقابر إسلامية تاريخية في منطقة مقابر الإمام الشافعي بالقاهرة القديمة غير البعيدة من منطقة البساتين حيث يقع ضريح “ليشع ومنشه”

وأزالت السلطات المصرية مقبرة الشيخ العز بن عبد السلام المعروف بوقفته التاريخية ضد المغول إبان بداية حكم المماليك.

كما أزالت مقبرة الشيخ المقرئ الشهير محمد رفعت، ومسجدين أثريين بالمنطقة، هما “الدندراوي” و”الكحلاوي”

وهدمت بلدوزرات السيسي “وكالة العنبريين” التي يرجع تاريخها إلى عصر السلطان قلاوون، ومقابر الأسرة العلوية التي حكمت مصر حتى منتصف القرن العشرين.

كما لم تسلم مقابر مشاهير من اعتداءات السيسي، ومنها قبور الملكة فريدة زوجة الملك فاروق الأولى، ورئيس وزراء مصر السابق مصطفى النحاس، وأمير الشعراء أحمد شوقي، والروائي إحسان عبد القدوس، والفنان فؤاد المهندس.

ليشع ومنشه

وكان اليهود يعيشون في مصر بكثرة، حتى خمسينيات القرن العشرين، وكانت لهم مقبرة شهيرة تسمى “ترب اليهود” بجنوب القاهرة في منطقة البساتين تمتد على مساحات شاسعة تعادل 120 فدانا، بخلاف ثلاثة صغيرة أخرى.

ويعد اليهود هذه المقبرة ثاني أقدم مقابرهم في العالم بعد جبل الزيتون بالقدس، وكانت تضم رفات اليهود المقيمين في مصر قبل هجرتهم الجماعية منها مع اندلاع حرب 1948 ومشاركة إسرائيل في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

وكانت مقبرة البساتين الأصلية مقسمة إلى مناطق مخصصة لليهود الربانيين والقرائين، ضمنها موقع يعود لعائلة “موسى إبراهيم منشه”، ومقبرة مجاورة تعود لعائلة “ليشع”، يشكلان الجزء الوحيد المتبقي من المنطقة

ويعود تاريخ بناء هذه المقبرة اليهودية إلى عهد الوالي أحمد بن طولون، الذي منح اليهود المقيمين في مصر مساحة كبيرة لبنائها.

لكن طالها الإهمال تدريجيا بعد هجرة اليهود من مصر وزحف عليها العمران مع زيادة السكان. 

واليهود القراؤون تيار أو حركة في اليهودية يرجع تاريخها إلى القرن الثامن، ويختلفون عن الربانيين، بعدم قبولهم تفاسير الحاخامات أو ما يعرف بـ”التوراة الشفهية” ويلتزمون فقط بـ”التوراة المكتوبة”

وأوائل عام 2019 نشرت صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” التابعة للخارجية الإسرائيلية عبر فيسبوك، صورة لأكوام القمامة داخل المقبرة اليهودية في البساتين وطالبت مصر بترميمها.

وعقب الشكوى الإسرائيلية بدأت مصر خلال عامي 2019 و2020 تطويرا شاملا للمنطقة ككل وإزالة القمامة وبناء سور حول مقابر اليهود بالبساتين.

ولاحقا، زار اثنان من الحاخامات اليهود منطقة المقابر اليهودية بالقاهرة لمتابعة عملية التنظيف و”للتأكد من أن عملية التنظيف لا تلامس أيا من القبور”.

قام إثنان من الحاخامات ورجال الدين اليهود بزيارة المقابر اليهودية بالقاهرة، حيث تتم الآن عملية تنظيفها. وكانت الزيارة بهدف التأكد من أن عملية التنظيف لا تلامس أي من القبور .

وزار السفير الإسرائيلي السابق في مصر دافيد غوفرين المنطقة مطلع 2020 للاطلاع على الوضع.

وعقب تنظيف المنطقة، تسلمت السفارة الأميركية ومنظمات يهودية أميركية ومصرية المقبرة اليهودية لبدء عملية الترميم من الداخل وإعادة تجديدها لتصبح مزارا للإسرائيليين ويهود العالم.

وفي 24 يناير/كانون الثاني 2020 أطلقت السفارة الأميركية بالقاهرة مشروعا للحفاظ على مقابر اليهود بالبساتين، بتمويل من “صندوق سفراء الولايات المتحدة للحفاظ على التراث الثقافي”.

إحياء تراث أم عودة؟

وفي 25 فبراير/شباط 2019، وخلال لقائه مع وفد يهودي أميركي، رحب السيسي بعودة اليهود إلى مصر إذا أرادوا، وتعهد أن يبني لهم معابدهم ومؤسساتهم المجتمعية الأخرى.

وقال السيسي: “إذا كان اليهود مهتمين بتأسيس جماعة يهودية في مصر، فإن الحكومة ستبني لهم معابد وغيرها من المؤسسات المجتمعية”، حسبما ذكرت صحيفة جيروزاليم بوست.

ونقلت الصحيفة الإسرائيلية عن “عزرا فريدلاندر”، أن السيسي أكد للوفد اليهودي بعد تلبية مطالبه أنه “إذا لم يحصل على دعم أميركي، فقد يستعيد الإخوان المسلمون السلطة في البلاد”، كأنه يطلب المقابل.

ولاحقا، أمر السيسي بترميم المعبد اليهودي بمدينة الإسكندرية، بميزانية بلغت 22 مليون دولار بعد أن رفض تلقي أي تبرعات من الجاليات اليهودية لهذا الغرض، بحسب وكالة الأنباء اليهودية (JTA).

وجرى افتتاح المعبد بعد تجديده في 11 يناير 2020. وعلى خلفية ذلك، تساءلت مجلة الإيكونوميست البريطانية، في 22 فبراير/شباط 2020: هل يعود اليهود إلى مصر؟

وقالت إن “الحكومة المصرية ترسل إشارات مختلطة لليهود، فهي قامت بترميم كنيس يهودي قديم، فهل تريد ملأه باليهود؟”

وبعد افتتاح هذا المعبد شهدت مصر تدفق عدد من اليهود، وقالت “الإيكونوميست”: عاد حوالي 180 يهوديا من أصل سكندري يوم 14 فبراير 2020 لحضور افتتاح الكنيس اليهودي الذي جددته مصر”

وتكرر الأمر خلال افتتاح المقبرة اليهودية بالبساتين، إذ حضر يهود من إسرائيل ودول أخرى، وقام أحدهم وهو يتحدث بسعادة باللغة العبرية، بتوزيع الكيباه، وهي قبعة بلا حواف يرتديها الرجال اليهود.

ولم يتبق من اليهود في مصر حاليا سوى عدد قليل جدا لا يتجاوزون أصابع اليد، ويتولى رئاسة طائفتهم ماجدة هارون، وهي ابنة المحامي والسياسي اليهودي المصري اليساري الشهير شحاتة هارون.

وفي لقاء مع ماجدة هارون رئيسة الجالية اليهودية بقناة “بي بي سي” في فبراير/شباط 2016 أكدت تقلص عدد يهود مصر الي 11 سيدة فقط من العجائز.

لكن “الاستقلال” رصدت وفاة 6 من هؤلاء منذ ذلك الحين، آخرهم “ألبرت آرييه”، أقدم وآخر الرجال اليهود في مصر، يوم 15 أبريل/ نيسان 2021 عن عمر يناهز 91 عاما.

وقبله توالت حالات الوفاة، وأبرزهم، والدة ماجدة، وهي “مارسيل سيمون” عميدة يهود مصر، وأرملة شحاتة هارون، وشقيقتها نادية هارون نائبة رئيس الطائفة اليهودية، و”لوسي” إحدى أشهر عضوات الطائفة.

ورئيسة الطائفة اليهودية (ماجدة) نفسها، متزوجة من مسيحي وتدعي أن ابنتيها مسلمتان ويحتفلون بشهر رمضان والأعياد المسيحية واليهودية معا.

وتدير ماجدة هارون ممتلكات يهودية في مصر تقدر بـ13 معبدا و4 مقابر و5 مدارس بلا طلاب في كافة أنحاء مصر، أشهرها المعبد اليهودي الرئيس بشارع عدلي بوسط القاهرة.

ووفقا لأرقام رسمية مصرية كان عدد يهود مصر عام 2009 قرابة 500 يهودي بعد معاهدة السلام مع إسرائيل، غالبيتهم كانوا من البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية أو الخبراء الزراعيين ورجال الأعمال اليهود، أو المصريين اليهود الذين هاجروا من مصر ثم عادوا للعمل.

وكان تعداد الطائفة اليهودية بمصر في بداية القرن العشرين وفقا لتقديرات شبه رسمية 100 ألف يهودي، ثم تقلص العدد إلى 80 ألفا عام 1947، وهاجر أغلبهم عقب الحروب العربية الإسرائيلية.

شاهد أيضاً

الأمم المتحدة: الأوضاع الإنسانية في غزة تزداد سوءا بسبب الحصار الإسرائيلي

أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية (أوتشا) أن الأوضاع الإنسانية في …