مصطفى عبد السلام يكتب : التضخم والنمو … أميركا وأوروبا في مواجهة مصر وتركيا

في العالم الآن، هناك نظريتان أو مدرستان لمعالجة أسوأ أزمة اقتصادية تمر بها الأسواق وهي التضخم الجامح والغلاء الفاحش في أسعار كل شيء، بداية من أسعار السلع الغذائية من قمح وذرة وزيوت وغيرها، ومروا بالوقود مثل البنزين والسولار والغاز الطبيعي، وفواتير الكهرباء والمياه، ونهاية بالمواد الخام والسلع الوسيطة ومدخلات الإنتاج.
مدرسة تقوم على مواجهة التضخم بأدوات السياسة النقدية المعروفة والتقليدية ومن أبرزها رفع سعر الفائدة على العملات بهدف سحب السيولة من الأسواق وإدخالها البنوك، وبالتالي تجفيف الأموال لدى المستهلكين والحد من الطلب على السلع، وهنا تتراجع الأسعار ويتم الحد من ظاهرة الغلاء.
في المقابل هناك مدرسة أخرى تتجاهل كلية قضية التضخم وتركز على قضية أخرى وهي زيادة معدل النمو لأهداف كثيرة منها العمل على توفير فرص العمل والحد من البطالة وتنشيط التجارة الخارجية وزيادة الإنتاج المحلي وتشجيع الاستثمار والحد من الواردات، وهو ما يقلل الطلب على النقد الأجنبي، وتمتد الأهداف إلى لجم الدين العام بسبب تأثيرات زيادته الخطيرة على الاقتصاد والموازنة والمواطن.
المدرسة الأولى يقودها البنك الاحتياطي الفيدرالي وتقوم على فلسفة تقليدية وهي تشديد السياسة النقدية، ولذا رفع البنك المركزي الأميركي سعر الفائدة 5 مرات خلال العام الجاري، وأعلن عن اتجاهه لإجراء زيادات أخرى بهدف كبح جماح التضخم الذي يعد الأعلى منذ 40 سنة، حتى لو أدى ذلك إلى دخول البلاد في ركود تضخمي وربما كساد، باعتبار أن مكافحة التضخم هي أولوية قصوى لأي حكومة أو بنك مركزي، وأنها تسبق أي اعتبارات اقتصادية أخرى، لما للتضخم من تداعيات خطيرة على استقرار الدولة والأسواق.
وسارت البنوك المركزية العالمية الكبرى في هذا الاتجاه، فالبنك المركزي الأوروبي رفع في اجتماعه الأخير الفائدة على اليورو بنسبة 0.75%. كما أقر زيادة بنسبة نصف في المائة في يوليو/تموز لأول مرة منذ عقد من الزمن.
ويوم الاثنين خرجت علينا رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، قائلة إن البنك سيواصل زيادة معدلات الفائدة، رغم توقعات بتباطؤ النشاط الاقتصادي بشكل كبير. كما توقعت رفع معدلات الفائدة بشكل إضافي على مدى الاجتماعات المقبلة، من أجل خفض الطلب والحماية من أخطار التحول المستمر في الاتجاه الصاعد لتوقعات التضخم.
ومن الداعمين لهذه المدرسة بنك إنكلترا المركزي الذي رفع الفائدة على الإسترليني بنسبة نصف في المائة قبل أيام، ووعد بزيادات أخرى، كما رفعت البنوك المركزية في اليابان وسويسرا ودول شرق أسيا وأميركا اللاتينية ودول الخليج وغيرها من دول العالم سعر الفائدة بهدف مكافحة التضخم.
أما المدرسة الثانية فباتت تطبقها البنوك المركزية في دول قليلة من أبرزها مصر وتركيا وتقوم فلسفتها على أنه مهما رفعت البنوك من سعر الفائدة فإن التضخم سيواصل زيادته، خاصة أن الجزء الأكبر من زيادة الأسعار يعود لأسباب خارجية وليست مرتبطة بأسباب محلية وسحب السيولة من الأسواق.
ومن هنا خفض البنك المركزي التركي سعر الفائدة في اجتماعه الأخير، في حين ثبتها البنك المركزي المصري للمرة الثالثة.
ولذا فإن تركيز هذه المدرسة، وكما يفهم من قراراتها، هو تجاهل قضية رفع سعر الفائدة والتركيز على زيادة معدل النمو وتنشيط الاقتصاد باعتبار أن النمو يلعب دورا كبيرا في زيادة الصادرات كما في الحالة التركية، والحد من تفاقم أزمة الدين العام المحلي كما في الحالة المصرية. وأن خفض تكلفة الاقتراض والأموال داخل المجتمع تنشط الاقتصاد.
السؤال هنا: أي المدرستين تنجح في تحقيق أهدافها، وإذا كانت قضية مكافحة التضخم والتخفيف عن المواطن تلقى كل هذا الاهتمام من قبل البنوك المركزية العريقة، فلما لا تلقى هذا الاهتمام في بعض دولنا؟
هل الفيدرالي الأميركي والبنوك المركزية الكبرى على خطأ ونحن على صواب، أم أن المواطن ورفاهيته وتلبية احتياجاته هو الأهم لدى حكومات هذه الدول، في حين أن أهم شيء لدينا هو تجميل الأرقام ومنها الموازنة العامة للحصول على مزيد من القروض الخارجية؟

شاهد أيضاً

عز الدين الكومي يكتب : الفتاوى والمدائح الشاذة .. وصناعة الطواغيت

تروي كتب الأدب أن الخليفة المتوكل رمى عصفوراً فلم يصده ، فقال الوزير : “أحسنت …