مصطفى عبد السلام يكتب : قروض الفيمتو ثانية في مصر


بات المتابع للشأن الاقتصادي المصري في حيرة من أمره، يسأل أسئلة منطقية وملحة فلا يجد لها إجابة.
من بين تلك الأسئلة: ما سر إصرار الحكومة المصرية على اغتراف كل هذه القروض الخارجية وخلال فترات زمنية متقاربة، ولمَ الإصرار على اقتراض مليارات الدولارات من الخارج في الوقت الذي تعاني فيه البلاد تراجعا في إيرادات النقد الأجنبي، خاصة من قطاع السياحة الحيوي؟
وما الضرورة الملحة في اقتراض مليارات الدولارات لتمويل إقامة ناطحات سحاب وأبراج شاهقة وأكبر مسجد في المنطقة وأضخم دار للأوبرا في الشرق الأوسط، أو حتى تمويل قطار فائق السرعة يخدم بالدرجة الأولى كبار المستثمرين ورجال الأعمال وأصحاب الحظوة والياقات البيضاء ورواد مارينا والعلمين والساحل الشمالي والعين السخنة وقاطني العاصمة الإدارية الجديدة؟
ما أهمية تلك المشروعات للمواطن والاقتصاد وخطط التنمية، وما الضرر في أن يتم تأجيلها بعض الوقت إذا كانت تمثل إرهاقا شديدا لاحتياطي البلاد من النقد الأجنبي وتضغط على العملة المحلية وقبلها المواطن؟
هل تدرك الحكومة أنّ المواطن الذي يتحمل وحده عبء كلفة القروض الخارجية بات يئن خصوصاً مع قفزات أسعار السلع والخدمات وتآكل قدرته الشرائية وضعف الدخول مقارنة بتضخم الأسعار؟
هل تدرك الحكومة أن الفقراء، وفي مقدمتهم موظفو الدولة والقطاع العام، هم من باتوا يتحملون العبء الأكبر للديون الخارجية إذ يتم اقتطاع الضرائب من دخولهم المحدودة أو من قوت يومهم ويسددون من “اللحم الحي” ضريبة قيمة مضافة تعادل 15% من ثمن السكر والزيوت والشاي والسلع الأساسية التي يشترونها، إضافة إلى رسوم حكومية ترتفع قيمتها يوما بعد يوم يتم فرضها حتى على تصاريح دفن الموتى وركن السيارة في الشارع؟
المتابع لحركة الديون الخارجية لمصر يجد أنها في زيادة مستمرة رغم وعود سابقة للحكومة بالحد من هذه النوعية من الديون، وعدم الاقتراض إلا لأغراض محددة، ولمشروعات تدر عائدا بالنقد الأجنبي يتم من خلاله سداد أعباء الدين، لكن هذه الوعود تبخرت وذهبت أدراج الرياح.
والمتابع لتلك النوعية من القروض يجد أن الحكومة باتت تبتكر الأساليب والأدوات التي تحصل من خلالها على أموال من الخارج وآخرها طرح سندات سيادية وسندات خضراء سيادية وصكوك إسلامية، وربما غدا نقرأ عن طرح سندات حمراء موجهة لأسواق الصين وروسيا، وسندات خليجية تستهدف الحصول على قروض من الدول النفطية.
والمتابع للفترة الزمنية يجد أنّ الحكومة اختصرت الأوقات وحرقت المسافات، فبعدما كانت في أيام نظام عبد الناصر والسادات ومبارك تحصل على قرض خارجي واحد كل سنوات، اختصرت الفترة إلى قرض كل سنة، ثم كل نصف سنة، والآن قلصت الفترة إلى أسابيع وربما أيام، وربما يأتي اليوم الذي نحسب فيه القروض بمقياس الفيمتو ثانية خصوصاً مع ضخامتها وسرعة الحصول عليها وتعامل الحكومة معها على أنها أحد إنجازاتها رغم أن كل دول العالم تتعامل مع القروض على أنها عبء للأجيال الحالية والمقبلة، وقد تغرق أعباء تلك الديون البلاد في أزمات لا حصر لها، وما مثال لبنان واليونان والأرجنتين عنا ببعيد.
دليل ذلك ما فعلته الحكومة قبل أيام، فخلال فترة زمنية لا تتجاوز الأسبوعين أعلنت الحكومة عن عدة قروض تتجاوز قيمتها 5 مليارات دولار، القرض الأول كان بقيمة 3 مليارات دولار وحصلت عليه يوم 23 سبتمبر 2021 في صورة سندات دولية.
ولم تمر أيام على القرض حتى أعلنت وزارة المالية يوم 7 أكتوبر الماضي عن اختيار كل من “بنك الإمارات دبي الوطني كابيتال” و”بنك أبوظبي الأول” لترتيب صفقة الحصول على قروض بقيمة ملياري دولار عبر طرح سندات خضراء وأخرى إسلامية، وقبلها بأيام قليلة قال وزير المالية محمد معيط، إنّ بلاده تتجه لإصدار أول صكوك سيادية بقيمة 500 مليون دولار.
ومنذ بداية العام الجاري تسابق الحكومة الزمن للاقتراض من الخارج، ففي شهر واحد هو فبرايرالماضي اقترضت 3.8 مليارات دولار من بيع سندات مقومة بالدولار من الأسواق الدولية. كما تم الحصول على قروض من صندوق النقد الدولي قيمتها 20 مليار دولار منذ نهاية 2016.
ويبدو أن الحكومة مغرمة بالرقم الأول، ولذا قررت إصدار أول طرح للسندات الخضراء السيادية الحكومية بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بقيمة 750 مليون دولار لمدة خمس سنوات وبسعر فائدة 5.25%.
لا يتوقف الأمر عند القروض الحكومية المباشرة، فهناك قروض دولارية أخرى تحصل عليها البنوك التابعة للدولة، وآخرها حصول بنك مصر على أكبر قرض خارجي في تاريخه بقيمة مليار دولار يوم 23 سبتمبر، وهو اليوم الذي حصلت فيه وزارة المالية على قرض آخر بقيمة 3 مليارات دولار.
والملفت أن حصيلة القرض الذي حصل عليه بنك مصر سيُستخدم لتسديد تمويل قديم كان البنك قد حصل عليه في ديسمبرمن عام 2018 بنحو 550 مليون دولار، كما حصلت بنوك عامة أخرى على قروض دولية.
ومع توسع الحكومة غير المحسوب في الاقتراض ارتفع الدين الخارجي لمصر بقيمة 14.3 مليار دولار خلال العام المالي 2020/2021 ليسجل 137.85 مليار دولار بنهاية يونيو 2021 مقابل 123.490 مليار دولار بنهاية يونيو 2020، بزيادة 11.16%.
وبلغت الزيادة في الدين الخارجي في الربع الأخير من السنة المالية 3.02 مليار دولار عن مستواه البالغ 134.84 مليار دولار في مارس الماضي.
والرقم الأخير للدين الخارجي المعلن من البنك المركزي والبالغ 137.85 مليار دولار لا يتضمن قروضا أخرى حصلت عليها البلاد في الربع الأول من العام المالي الجديد 2021-2022 منها 3 مليارات في صورة سندات دولية، أي أن ديون مصر الخارجية تجاوزت حاليا 140 مليار دولار.
البعض يسأل: ما السر وراء تكالب الدول والمؤسسات المالية وبنوك الاستثمار والصناديق المالية على إقراض مصر كل هذه المليارات من الدولارات؟
السر يكمن في أمرين الأول هو أن أسعار الفائدة العالية التي تمنحها الحكومة للمقرضين. ففي القرض الأخير الذي حصلت عليه يوم 23 سبتمبر منحت سعر فائدة 5.8% على القروض البالغ مدتها 6 سنوات، و7.3% لمدة 12 عاما و8.75% لمدة 30 سنة، كما أن وكالة “بلومبيرغ” الاقتصادية الأميركية قالت في وقت سابق إن مصر باتت تدفع أعلى سعر فائدة في العالم على القروض الدولارية.
أما الأمر الثاني فيتعلق بالتزام مصر الشديد في سداد أعباء الديون المستحقة عليها في المواعيد المحددة وعدم تأخرها، وهي نقطة جيدة تحسب للحكومات المتعاقبة.
لا تكمن خطورة استمرار توسع الحكومة في الاقتراض الخارجي في رهن القرار الاقتصادي للدولة للدائنين الدوليين الذين قد يتدخلون في تحديد أوجه الإنفاق العام للموازنة المصرية ويفرضون على الحكومة تطبيق إجراءات تقشفية عنيفة بحق المواطن وإجراء زيادات مستمرة في الأسعار وخفض للدعم الحكومي.
لكن هناك مخاطر أخرى تكمن في الضغط على الجنيه المصري واحتياطي النقد الأجنبي، ودوران الدولة في حلقة مفرغة تدفع الحكومة للحصول على قروض جديدة لسداد قروض قائمة، إضافة إلى ارهاق الموازنة ومعها الضغط المستمر على المواطن، وربما في وقت لاحق يتم تخيير المواطن بين الحصول على الدعم، أو سداد الديون الخارجية.
فقد كشفت قاعدة بيانات البنك الدولي أن مصر مطالبة بسداد أكثر من 40 مليار دولار خلال العام الجاري، وحسب البنك فإنّ البلاد مطالبة بسداد 15.78 مليار دولار خلال الربع الأول من العام المالي الحالي، و 7.5 مليارات دولار خلال الفترة من أكتوبر الحالي إلى ديسمبر المقبل، و8.49 مليارات دولار خلال الربع الأول من 2022، و 8.74 مليارات دولار خلال الربع الثاني من العام، بإجمالي أرصدة مستحقة خلال العام من يونيو 2021 إلى يونيو 2022 تصل إلى 40.5 مليار دولار، تمثل ودائع الخليج، التي يتم تجديدها باستمرار، أو جزء كبير منها.
40.5 مليار دولار، أي نحو 636 مليار جنيه، مصر مطالبة بسدادها خلال العام المالي الحالي 2021-2022، فماذا يتبقى من إيرادات الدولة وموازنتها العامة وحصيلة ضرائبها لسداد البنود الأساسية ومنها الرواتب والدعم ومخصصات التعليم والصحة والدفاع والأمن وتمويل الخدمات العامة واستثمارات البنية التحتية؟

Comments

comments

شاهد أيضاً

أحمد مولانا يكتب : ماذا يفعل قادة أجهزة الاستخبارات بعد التقاعد؟

يراكم قادة أجهزة الأمن والاستخبارات خبرات ومعارف نوعية، كما يكتسبون خلال شغلهم لمناصبهم الحساسة علاقات …