مصطفى عبد السلام يكتب : متى يلتقط العالم أنفاسه؟


يبدو أن الاقتصاد العالمي لن يلتقط أنفاسه في المستقبل القريب، ففي الوقت الذي لم يودع فيه العالم بعد التأثيرات الاقتصادية الخطيرة لأزمة كورونا وخسائرها الفادحة التي قدرها صندوق النقد الدولي بنحو 28 مليار دولار، طفت على السطح أزمات أخرى قد يعادل تأثيرها تداعيات أسوأ أزمة صحية عرفها القرن العشرين وربما في التاريخ المعاصر.

أول الأزمات التي انفجرت في وجهنا جميعا هي القفزات التي تشهدها حاليا أسعار الطاقة على مستوى العالم، فسعر النفط مرشح للذهاب إلى 100 دولار للبرميل وربما أكثر، وأسعار الغاز الطبيعي زاد بنسبة 400% خلال العام الجاري.

هذا بالطبع خبر سار لحكومات الدول النفطية مثل دول الخليج والعراق وليبيا والجزائر، ولكنه خبر سيئ لمواطني باقي الشعوب العربية الأخرى.

وربما سيئ لشعوب الدول النفطية نفسها والتي قد لا تستفد من قفزات أسعار النفط والغاز مع إصرار بعض حكوماتها على رفع أسعار السلع والخدمات بما فيها البنزين والسولار والغاز والغذاء والكهرباء والمياه والرسوم والضرائب رغم مئات الملايين من الدولارات التي تتدفق على موازنات هذه الدول يوميا بسبب قفزات أسعار النفط والغاز.

خبر قفزات أسعار الطاقة هو خبر سيئ بالنسبة لمواطني مصر والسودان وتونس والمغرب والجزائر والأردن واليمن وسورية وليبيا والعراق وغيرها من البلدان العربية التي ستتحمل موازناتها العامة أعباء جديدة تقدر بمليارات الدولارات سنوياً بسبب زيادة أسعار المشتقات البترولية مثل البنزين والسولار، واستسهال الحكومات زيادة سعر الوقود على البحث عن بدائل أخرى منها ترشيد الانفاق العام ومكافحة الفساد والتهرب الضريبي ووقف إساءة استخدام المال العام وهدره على مشروعات لا تمثل أي أولوية للاقتصاد.

والخبر سيئ أيضا للشعوب الغربية، خاصة الأوروبية، التي ستواجه شتاء قارسا هذا العام بسبب تراجع مخزون الغاز وقفزات أسعار الوقود والكهرباء كما يحدث هذه الأيام. وكذا سيئ للشعب الصيني الذي انقطعت عنه الكهرباء لمدة أسبوعين منذ أيام.

أيضاً من الأزمات التي تفجرت في وجه العالم زيادة معدل تضخم الأسعار، وإذا كانت هذه الزيادة تربك الحكومات والبنوك المركزية، فإنها تربك المواطن بالدرجة الأولى، خاصة أن التضخم يمتد لأسعار الأغذية التي شهدت زيادات قياسية على مستوى العالم، بما فيها الحبوب والقمح والذرة والسكر والزيوت واللحوم وغيرها.

كذلك يمتد داء التضخم القاتل لأسعار سلع وخدمات أخرى مرتبطة مباشرة بالمواطن مثل العقارات والسلع الأولية والوسيطة والمواد الخام. وقبلها فواتير النفع العام مثل الكهرباء والمياه.

ومع استمرار قفزات أسعار الأغذية التي تعد الأعلى منذ 60 عاما، بات الجوع يهدد ملايين المواطنين العرب خاصة في الدول التي تشهد حروب وقلاقل واضطرابات سياسية وأمنية مثل سورية واليمن والسودان.

وفي الوقت الذي كانت فيه الصين تحلم بقيادة العالم عقب تغلبها على جائحة كورونا، فإن الأزمات العنيفة تفجرت في وجه حكومتها فجأة.

من بين هذه الأزمات قرب انهيار شركة التطوير العقاري الأكثر مديونية في العالم “تشاينا إيفرغراند”، التي تعثرت في سداد مديونيات ضخمة مستحقة عليها، وامتداد الأزمة لشركات عقارية صينية كبرى أخرى.

ومن المتوقع أن يهزّ إفلاس شركة إيفرغراند البالغة مديونيتها أكثر من 300 مليار دولار قطاعات المصارف والمال والعقارات والاستثمار المباشر في الصين، وقد يمتد لشرايين الاقتصاد الأخرى، وهو ما سيمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي ليعيد إلى الأذهان ذكرى انهيار بنك ليمان براذرز الأميركي الذي كان شرارة اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

من الأزمات المتوقعة أيضاً، تجدد الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، وهو ما قد يُربك حركة التجارة العالمية ويزيد أوجاع حركة الصادرات والواردات من جديد، وربما حركة السفر والشحن.

وهناك أزمة الرقائق والنقص الحادّ في أشباه الموصلات التي من المتوقع أن تكبد صناعة السيارات العالمية خسائر تقدر بنحو 210 مليار دولار خلال العام الجاري، وأزمة دخول بعض الاقتصادات في مرحلة انكماش شديد، وتفاقم أزمة المديونية العالمية وعجز الموازنات العامة، في ظل اندفاع بعض الحكومات الشديد نحو الاقتراض الخارجي في الفترة الماضية، إما لتغطية نفقات مواجهة أزمة كورونا والتداعيات الناجمة عنها أو لتغطية عجز الموازنة العامة.

كذلك فإن بعض الحكومات ستكون بحاجة إلى سيولة وأموال ضخمة لتحفيز الاقتصاد وخلق فرص عمل، وهو ما قد يدفعها نحو زيادة أسعار السلع والخدمات، وبالتالي الصدام مع شعوبها.

هذه الأزمات وغيرها ستنعكس بالطبع على المواطن، سواء كان مستهلكاً أو عاملاً أو باحثاً عن فرصة عمل أو تاجراً ورجل أعمال وغيره، خاصة أنها قد تربك الدورة الاقتصادية بالكامل وتدفع دولاً نحو الانكفاء على ذاتها ومنع تصدير سلع ومحاصيل رئيسية لتغطية احتياجات أسواقها ومواطنيها أولاً، وقد بدأت دول بالفعل بحظر تصدير الأغذية والغاز وزيادة مخزوناتها الاستراتيجية.


Comments

comments

شاهد أيضاً

أحمد مفرح يكتب : محاكمة قتلة ريجيني في إيطاليا.. فماذا عن “ريجيني” الآخرين في مصر؟

من المألوف أن تَكتُب الديكتاتوريات العسكرية أهازيج الاستقرار الوهمية خلف سياج الخوف، وعلى أنغام نظريات …