أخبار عاجلة

مصطفى عبد السلام يكتب : معركة الأتراك مع الأموال الساخنة


أخيراً، وبعد فترة تردد طويلة نسبياً، تحرك البنك المركزي التركي لمواجهة الاضطرابات العنيفة في سوق الصرف الأجنبي، ومحاولة وقف تهاوي الليرة مقابل العملات الأجنبية، إذ تدخّل في السوق العطشى للنقد الأجنبي بائعاً يوم الأربعاء للدولار.
وضخ الدولار تعد الآلية التي تلجأ إليها البنوك المركزية عند مواجهة عملاتها مضاربات وتراجعات غير مبررة وتدخلات من قبل تجار عملة في محاولة للتأثير سلباً على تلك العملات.
سبقت هذه الخطوة تحركات رسمية لملاحقة المضاربين قانونياً، إذ أمر أردوغان بفتح تحقيق في تلاعب محتمل بالعملة المحلية، وكلّف مجلس الرقابة الحكومي، وهو جهاز تدقيق يرفع تقاريره إلى مؤسسة الرئاسة، بتحديد المؤسسات التي اشترت كميات كبيرة من العملات الأجنبية، وما إذا كان قد حدث أيّ تلاعب في الليرة.
كما خرج علينا أردوغان يوم الأربعاء، ليتحدث عن مواجهة بلاده مضاربات بأسعار الصرف والفائدة، و”نحن فقط من يمكنه التصدي لذلك”.
وشدد على أنّ بلاده تواجه مضاربات في أسعار صرف العملات الأجنبية أمام الليرة، و”كلما همت تركيا بالخروج من نظام الفائدة المرتفعة تواجه ضغوطات بمثل هذه المضاربات والتلاعبات” حسب قوله.
بل اعترف أنّ البلاد تواجه عدة أزمات مالية في وقت واحد قائلاً: “هكذا، وقعنا في دوامة أسعار الصرف والفائدة والتضخم، لكننا لن نستمر في ذلك، ولن نسمح لهم بإعاقة الاستثمار والإنتاج، ولن نسمح لهم بزعزعة استقرار النمو وسنخرج من هذه الدوامة”.
وصاحب تلك التحركات استقالة وزير المالية التركي، لطفي ألوان، من منصبه، وتعيين نور الدين نباتي بدلا منه يوم الخميس، وهو الوزير المعروف عنه تأييده لسياسات أردوغان المتعلقة بخفض سعر الفائدة، وكذا من أنصار تقوية قطاعات الاقتصاد الإنتاجي وزيادة النمو والصادرات.
في مواجهة هذه التحركات الرسمية المكوكية، هناك تحركات أخرى شرسة من قبل المضاربين والأموال الساخنة وقناصي الصفقات، وهذه التحركات لا يجب التقليل من شأنها، خصوصاً مع امتلاكها عدة أسلحة.
سلاح مالي قوي يتمثل في مليارات الدولارات التي تحاول تحقيق أرباح ضخمة من السوق التركي عبر الحصول على سعر فائدة عالي عن استثماراتها، سواء في بورصة إسطنبول، أو في أدوات الدين الحكومية مثل أذون الخزانة والسندات، وذلك خلال فترة قصيرة.
وسلاح نشر الشائعات في سوق الصرف وبين المتعاملين وداخل القطاع المالي والمصرفي ومحاولة ضمان استمرار أسعار الفائدة المرتفعة والضغط على البنك المركزي لعدم خفضها، وسلاح أحزاب المعارضة التي تستغل تهاوي الليرة في تأليب الشارع ضد حكومة العدالة والتنمية.
في المقابل، تمتلك الدولة التركية أسلحة قوية، مثل احتياطي أجنبي متوافر لدى البنك المركزي يقدر بـ 127 مليار دولار، وهذا السلاح لم يتم اختباره بعد في الفترة الأخيرة، واحتياطي ضخم من الذهب يتجاوز 568 طنّاً، إذ إنّ تركيا تعدّ من أكبر 12 دولة في حيازة المعدن النفيس.
ثم سلاح إيرادات قوية من النقد الأجنبي، خصوصاً من حصيلة الصادرات التي تتجاوز 200 مليار دولار، ومؤشرات اقتصادية قوية، خاصة على مستوى النمو، وأخرها اعلان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، رفع توقعاتها لنمو الاقتصادي التركي إلى 9 بالمئة بحلول نهاية 2021.
وهناك سلاح سريع وناجح يصرّ أردوغان على عدم استخدامه في معركة سعر الليرة وهو رفع سعر الفائدة لأسباب عدة سبق وذكرناها بالتفصيل، وهو أسرع سلاح في عودة الهدوء لسوق الصرف ووقف تهاوي العملة المتواصل.
السؤال هنا: من يفوز في معركة تكسير العظام تلك؛ حكومة العدالة والتنمية التي تحاول بكل قوتها وقف التهاوي في سعر الليرة، أم المضاربون وخلفهم أصحاب الأموال الساخنة أكبر المستفيدين من الفائدة العالية والذين يسعون بكل طاقاتهم إلى دفع البنك المركزي للتخلي عن تطبيق سياسة خفض سعر الفائدة التي يتبناها أردوغان ويصر عليها في اطار ما يسميه بتحقيق الاستقلال الاقتصادي والمالي؟

Comments

comments

شاهد أيضاً

د . عزالدين الكومي يكتب : ثورة يناير والتحول الديمقراطي

مما لاشك فيه أن ثورة يناير نجحت فى تحقيق بعض الأهداف التى قامت من أجلها …