مصطفى عبد السلام يكتب : هل يتم تعويم الجنيه المصري مجدداً؟


لم يعد السؤال الملح الآن يتعلق باسم الجهة التي تقف وراء اتخاذ أخطر قرار في تاريخ الحياة الاقتصادية والمالية المصرية وهو تعويم الجنيه في مثل هذه الأيام قبل 5 سنوات وتحديداً في 3 نوفمبر 2016.
ولم يعد السؤال الأهم عما إذا كان قرار التعويم جاء بإملاءات من صندوق النقد الدولي كأحد الشروط الرئيسية لمنح مصر قرض بقيمة 12 مليار دولار ضمن شروط أخرى منها الغاء دعم الوقود وفرض ضريبة القيمة المضافة وزيادة الأسعار والرسوم والضرائب.
أم كانت الحكومة المصرية مجبرة على تطبيق القرار الخطير وبسرعة تحت ضغط تهاوي الاحتياطي الأجنبي الذي دخل في ذلك التوقيت مرحلة حرجة حيث بلغ نحو 16.3 مليار دولار، وتوحش السوق السوداء للعملة، وسيطرة المضاربين وتجار العملة على سوق الصرف الأجنبي، وهروب الدولارات والنقد الأجنبي من البنوك إلى البيوت وخارج البلاد، وتحول معظم بيوت المصريين إلى شركات صرافة غير مرخصة، وتراجع التحويلات والاستثمارات الأجنبية المتدفقة على البلاد.
والأخطر من كل ذلك هو فقدان البنك المركزي السيطرة على سوق الصرف في ظل عدم امتلاكه الموارد المالية الكافية للدفاع عن العملة، وبالتالي لجأت الحكومة إلى قرار التعويم لضرب كل هذه العصافير السامة بحجر واحد، والحيلولة دون انهيار العملة المحلية وقبلها الاحتياطي الأجنبي.
ولم يعد السؤال الملحّ الآن كذلك عمّا إذا كان قرار التعويم قد حقق أهدافه من عدمه، خاصة أن الحكومة صورت للرأي العام قبيل القرار أن تعويم الجنيه فاتحة خير على البلاد، حيث سيحدث طفرة في معدلات النمو الاقتصادي، وكذا في إيرادات مصر من النقد الأجنبي، وخاصة من أنشطة الصادرات والسياحة وتحويلات العاملين في الخارج وتدفق الاستثمارات الأجنبية، وهو ما لم يحدث طوال السنوات الماضية، حيث ظلت الأرقام على حالها باستثناء زيادات ليست بالكبيرة في بعض الإيرادات.
كما أن المواطن خسر الكثير جراء هذه الخطوة حيث تهاوت مدخراته بين ليلة وضحاها، وألتهم أعنف تضخم مرت به البلاد منذ الحرب العالمية الثانية قوته وقدرته الشرائية.
بل إن التعويم كانت له تداعيات خطيرة، منها أنه فتح الباب على مصراعيه أمام تهاوي قيمة العملة المحلية وفقدانها 70% خلال أيام قليلة، وتهاوي القدرة الشرائية للمصريين ومدخراتهم، وخلق موجة تضخم هي الأعنف حيث لم تشهدها الأسعار منذ أكثر من 70 عاماً، وتآكل الطبقة الوسطى بشكل دراماتيكي، وزيادة معدلات الفقر، وتدحرج ملايين المصريين تحت خط الفقر المدقع.
كذلك فتح قرار التعويم الباب على مصراعيه أمام التوسع المفرط في الاستدانة ليبلغ حجم الدين الخارجي للبلاد 137.8 مليار دولار، مقابل 55.8 مليار دولار في نهاية العام المالي 2015-2016، أي إن مصر اقترضت 82 مليار دولار خلال 5 سنوات، مع إنفاق جزء من هذه القروض على مشروعات غير مجدية اقتصادياً ولا إنتاجياً ولا تمثل إضافة سريعة.
السؤال الملح الآن هو: هل سيتم تعويم الجنيه المصري مجدداً كما حدث في نهاية 2016؟، أم سيواصل الارتفاع كما حدث خلال العامين الماضيين حيث زاد بنسبة 15% رغم تراجع معظم عملات العالم في ظل أزمات اقتصادية ومالية وصحية ضربت العالم جراء تفشي وباء كورونا؟
الإجابة المتوقعة هي أنه لن يحدث تعويم للجنيه على المدى القصير والمتوسط، أي خلال السنوات القليلة المقبلة، خاصة مع التزام مصر بسداد أعباء وأقساط الدين الخارجي، وفي حال العمل على خطة حكومية تقوم على محاور رئيسية، منها تنشيط إيرادات البلاد الدولارية خاصة من السياحة والصادرات والاستثمارات المباشرة، والحد من الواردات والاقتراض الخارجي إلا للضرورة، وتجميد تنفيذ المشروعات غير الضرورية والتي من المتوقع أن تلتهم أكثر من 60 مليار دولار مرة واحدة.
لكن إذا استمر الحال على ما هو عليه من دفاع البنك المركزي المصري المتواصل عن قيمة الجنيه رغم تراجع إيرادات البلاد الدولارية في العامين الأخيرين بسبب جائحة كورونا، وتطبيق سياسة تثبيت العملة، والتوسع المفرط في الاقتراض الخارجي والذي لا يتناسب مع موارد الدولة، وزيادة أعباء الدين، وإعطاء أولوية للأموال الساخنة والبالغ قيمتها نحو 33 مليار دولار بنهاية شهر سبتمبر الماضي وذلك على حساب قطاعات التصدير والإنتاج وتنشيط السياحة والاستثمارات، وتأجيل سداد القروض الخليجية البالغة قيمتها أكثر من 17 مليار دولار، ومدّ أجل سدادها عاماً بعد آخر، فإن احتمالات التعويم تظل قائمة. لكن من الصعب تحديد الموعد، لأنه يتوقف على أمور وحسابات وبيانات كثيرة لا تتوافر سوى عند البنك المركزي.

Comments

comments

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب سحب الأموال من البنوك… دعوات مسمومة وخبيثة

خلال الأيام الماضية انتشرت دعوات مسمومة وخبيثة على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب المصريين بسحب أموالهم من البنوك، …