مصطفي عبد السلام يكتب : أردوغان وأزمة الليرة التركية


لا أعرف هل يدرك أردوغان أنه بات أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار تهاوي سعر الليرة التركية، ولا أعرف إن كان المستشار الاقتصادي للرئيس التركي قد نصحه بالتوقف عن الحديث عن سعر الليرة والتدخل في إدارة البنك المركزي وسياسته النقدية خاصة المتعلقة باتخاذ قرارات سعر الفائدة والصرف واحتواء التضخم أم لا.

ولا أعرف كذلك إن كان هذا المستشار يضع أمام أردوغان الأسباب الحقيقية لاستمرار تهاوي الليرة ومن أبرزها الإصرار على خفض سعر الفائدة رغم زيادة معدلي التضخم والبطالة والضغوط الشديدة على العملة.

أم أنه يضع أمامه أسبابا بعضها وهمي وواهي وأخرى حقيقي منها المؤامرة الكونية على العملة التركية، وعدم تنفيذ كبار مسؤولي البنك المركزي التعليمات الصادرة عن مؤسسة الرئاسة خاصة المتعلقة بخفض الفائدة على العملة المحلية، ووجود “خلايا نائمة ورموز ثورة مضادة” داخل البنك المركزي.

يوم الثلاثاء الماضي رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد التركي خلال العام الجاري، من 5.8% إلى 9%.

خبر كهذا كان كفيلا برفع قيمة الليرة التركية مقابل الدولار خاصة وأن الاقتصاد التركي بات متماسكا أمام جائحة كورونا حيث نما بمعدلات قياسية تصل إلى 21.7% في الربع الثاني من العام الجاري 2021، متعافيا بقوة من تباطؤ حاد حدث قبل عام بسبب القيود الشديدة التي تم فرضها وقتئذ لمحاصرة جائحة كورونا.

وسجل الاقتصاد معدل نمو إيجابي بنسبة 1.8% خلال العام الماضي، ليسجل واحدة من الحالات القليلة حول العالم، التي تجنبت الانكماش، في عام الجائحة.

كما سجلت الصادرات التركية قفزات قوية خلال العام الجاري رغم قيود كورونا لتسجل أعلى رقم في تاريخها وتربح تركيا 161 مليار دولار من هذا النشاط وحده في التسعة شهور الأولى من العام الجاري، وهناك توقعات بتجاوز الرقم 210 مليارات دولار بنهاية العام، وهو رقم كفيل بدعم سوق الصرف وقيمة العملة وسداد التزامات البلاد الخارجية سواء لأغراض أعباء الديون أو الواردات.

أيضا من الأرقام الداعمة لليرة التركية زيادة احتياطي البلاد من النقد الأجنبي ليبلغ 122 مليار دولار، إضافة إلى زيادة مخزون البلاد من الذهب، والاكتشافات البترولية الأخيرة، وتدفق الغاز الروسي على تركيا وغيرها.

أرقام كتلك كانت كفيلة بتقوية قيمة الليرة مقابل الدولار، إلا أنه واكب الإعلان عن تلك الأرقام تسريبات مفادها أن أردوغان غير راضٍ عن أداء محافظ البنك المركزي، فقد نقلت وكالة “رويترز” عن ثلاثة مصادر مطلعة قبل أيام قولها إن الرئيس التركي بدأ يفقد الثقة في محافظ البنك المركزي، شهاب قافجي أوغلو.

صحيح أن فخر الدين ألتون رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية سارع ونفى مثل هذه الأنباء، لكن هذه التسريبات وغيرها كانت كفيلة بامتصاص أي اثار إيجابية لأرقام تحسن الاقتصاد التركي على العملة، بل وإثارة الفوضى في سوق الصرف لأنها تعطي رسائل قوية باستمرار سيطرة مؤسسة الرئاسة التركية على البنك المركزي.

وبالتالي فإن البنك ليس حرا في إدارة السياسة النقدية، وليس حرا كذلك في تحديد اتجاهات سعر الفائدة والصرف، وأن هذه السياسات مفروضة عليه من أعلى، وبالتالي فالبنك لا يراعي الأسس الفنية الصحيحة عند اتخاذ أي قرار يتعلق بمكافحة التضخم والبطالة وإدارة سوق الصرف.

ما زاد الطين بلة اقالة أردوغان، اليوم الخميس، نائبين لمحافظ البنك المركزي التركي وعضو بلجنة السياسة النقدية، بعد استمرار تراجع الليرة التي فقدت 19% من قيمتها خلال العام الجاري، وهو ما عمق ما تردد عن تدخله في إدارة السياسة النقدية، خاصة وأنه في أقل من عامين أقال ثلاثة محافظين للبنك المركزي، الأول هو مراد تيشتين قايا وتلاه مراد أويصال، وصولا إلى إقالة ناجي أغبال، في مارس الماضي.

رسائل سلبية كتلك كفيلة بإجهاض تأثيرات أي نجاحات يحققها الاقتصاد التركي على سعر الليرة، ولذا لا نرى مردودا للقفزة المتواصلة في الصادرات وتعافي قطاع السياحة وجذب الاستثمارات الخارجية على سوق الصرف المضطرب وتحسن الليرة.


Comments

comments

شاهد أيضاً

أحمد مولانا يكتب : ماذا يفعل قادة أجهزة الاستخبارات بعد التقاعد؟

يراكم قادة أجهزة الأمن والاستخبارات خبرات ومعارف نوعية، كما يكتسبون خلال شغلهم لمناصبهم الحساسة علاقات …