مصطفي عبد السلام يكتب :اللعب بنار الفرص وقنص الصفقات


في عالم المال والاستثمار والادخار، هناك من يلعب بنار الفرص فتحرقه وتحوّله إلى ركام وتُحمله خسائر وأعباء مالية لا قبل له بها، وقد يعاني منها طوال العمر، وهناك من يلعب مع تلك النار فتخرج له ذهباً وفضة ودولارات ويوروهات وثروات وقصوراً ويخوتاً وبيتكوين.

وفي عالم إدارة الأموال هناك أنواع كثيرة من المستثمرين؛ المتحفظ الذي يسير “جنب” الحائط، بل وأحياناً داخل الحائط، وهو الشخص الذي يفضل الاستثمار في الأدوات التقليدية وشبه المضمونة، ودائع البنوك، شهادات الادخار، الذهب والفضة، الأراضي والعقارات.

وهناك المستثمر نصف المغامر أو شبه المتحفظ الذي يوزّع استثماراته ما بين أدوات آمنة كودائع البنوك، ونصف آمنة مثل الأسهم والسندات وأذون الخزانة الحكومية.

وهناك المستثمر المغامر الذي لا يعرف سوى قنص الصفقات واللعب مع نار الفرص، ولذا يستثمر أمواله في الأدوات الخطرة وأحياناً عالية المخاطر، البورصات، صناديق رأس المال المخاطر، المضاربة في العملات، المشتقات المالية، العقود المستقبلية، الاستثمار في المعادن، وأخيراً الاستثمار في العملات الرقمية.

المستثمر المغامر درجات، فهناك قناص الفرص، وهناك الطماع المندفع الذي يلهث وراء الربح السريع والخيالي، والنوع الأخير تعامل مع شركات توظيف الأموال في مصر والمنطقة والتي كانت تمنحه عوائد ضخمة على أمواله تفوق 25% وربما 50% سنوياً، وتعامل مع “هوامير” البورصة في الخليج الذين وعوده بأرباح قياسية تزيد عن مائة في المائة في العام، وهذا النوع يستثمر أمواله حالياً في العملات الرقمية، وأبرزها بيتكوين والتي حققت زيادات قياسية خلال الأيام الأخيرة لتتجاوز قيمتها 50 ألف دولار.

المستثمر المغامر يضع أمام عينيه قاعدة ذهبية هي “ربح أكبر يعادل خسائر أكبر” والفرص لا تتكرر، ولذا تتم تسمية بعضهم في الأسواق الدولية بقناصي الصفقات، لا يحركهم الطمع فقط عند إدارة الأموال، بل تحركهم وتحدد قراراتهم قواعد ومعلومات وتحليلات دقيقة يحصلون عليها من مصادرهم الخاصة، أو من محلّلي الشركات التي يؤسسونها.

خذ مثلاً صفقة رهان القرن، ففي عام 1992، جثا بنك إنكلترا المركزي على ركبتيه، بسبب رهان مضمون من المضارب العالمي جورج سورس ضد الجنيه الإسترليني ربح خلاله أكثر من مليار دولار، ليتسبب في انهيار النظام النقدي لبريطانيا العظمى في يوم واحد ويُثير ذعر حكومة مارغريت تاتشر في ذلك التوقيت.

وبعدها تردد اسم سورس مع كل أزمة مالية، وقيل إنه لعب الدور الأكبر في أزمة النمور الآسيوية التي وقعت في جنوب شرق آسيا عام 1996، حيث استخدم المليارات التي جمعها من مضاربات في عملات الأسواق الغربية لتحطيم تلك الدول الصاعدة، والمضاربة في أسواقها وتحطيم عملاتها، ومن ثم انهيارها اقتصادياً، وهو ما دفع رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد عام 1997 إلى وصفه بـ “الشيطان”.

إدارة الأموال والمضاربة في الأسواق وقنص الصفقات فن، إما أن تؤدي بك إلى الإفلاس والخروج من السوق مبكراً إذا كنت لا تجيد هذا الفن وقواعده، وإما الانضمام إلى عالم المليارديرات كما هو الحال مع الملياردير الأميركي الشهير جورج سورس، أو وارن بافين صاحب القاعدة الاستثمارية الشهيرة 5/25 والذي زادت ثروته 10 مليارات دولار خلال 3 أشهر من عام 2020، وأخيراً الرئيس التنفيذي لشركة تسلا Tesla إيلون ماسك الذي قرر استثمار 1.5 مليار دولار في عملة بيتكوين قبل أيام، وهو ما أدى إلى حدوث قفزات قياسية في سعرها.

الحظ وحده ليس هو من يحدد مصير كبار المضاربين والمستثمرين وحجم تراكم الأموال والثروات لديهم، بل المعلومة الدقيقة والتحليل السليم واتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب وقراءة المستقبل بشكل صحيح.


Comments

comments

شاهد أيضاً

محمد سيف الدولة يكتب : مصر والردة المستحيلة لما قبل الميلاد

ان الذين يتصيدون اى حدث أو مناسبة ولو كان استعراضا ناجحا نظمته الدولة للترويج عالميا …