مصطفي عبد السلام يكتب : حيرة البنك المركزي المصري


بات البنك المركزي المصري في موقف لا يُحسد عليه، في ظل عودة المضاربات على الجنيه المصري بسبب نقص النقد الأجنبي، وعودة السوق السوداء للعملة لتطل برأسها من جديد لكن بخجل شديد هذه المرة، رغم القضاء عليها بقرار تعويم الجنيه المصري في شهر نوفمبر 2016.

تزداد صعوبة الموقف مع فقدان احتياطي البلاد من النقد الأجنبي نحو 9.5 مليارات دولار من قيمته خلال فترة وجيزة لا تتعدى 3 شهور، وبنسبة انخفاض تبلغ نحو 20%، وهي نسبة كبيرة مقارنة بحجم الاحتياطي الذي يمثل خط الدفاع الأول في حماية الجنيه المصري من خطر الانزلاق.

البنك المركزي مطالب بأمور كثيرة ومتناقضة، لكن أوراق اللعبة ليست كلها بيده، هو مطالب مثلا بدعم استقرار سوق الصرف الأجنبي، وإجهاض أي مضاربات محتملة على العملة المحلية، ووأد السوق السوداء في مهدها، ووقف صعود الدولار حفاظا على استقرار أسعار السلع، والضرب بيد من حديد على أيدي المضاربين وتجار العملة الذين يريدون حصد ملايين الدولارات، حتى ولو جاء ذلك على حساب جثث وآهات ملايين الفقراء الذين سيعانون من ارتفاعات في الأسعار تفوق قدرتهم الشرائية.

كما أن البنك المركزي المصري مطالب بمكافحة تضخم الأسعار مع عودة سعر الدولار للارتفاع مقابل الجنيه، حتى لا تتأثر الطبقات الفقيرة ويزداد عدد المنتمين إلى طبقة الفقر المدقع.

كما أنه مطالب بسداد أقساط الديون الخارجية في موعدها من دون تأخر، حتى لا تتأثر صورة البلاد الخارجية سلباً. والأهم أنه مطالب بتدبير النقد الأجنبي اللازم لتمويل واردات البلاد من السلع الرئيسية، وفي مقدمتها القمح والأغذية والزيوت والسكر والبنزين واللحوم وغيرها.

والبنك المركزي مطالب أيضا بزيادة معدل النمو للمساعدة في توفير فرص عمل والحد من البطالة، وكذا مطالب بتشجيع الاستثمار عبر خفض سعر الفائدة وتكلفة الأموال والقروض في المجتمع.

وفي المقابل هو مطالب بأن يرضي ملايين المودعين، خاصة صغارهم وأصحاب المعاشات، عبر زيادة سعر الفائدة على المدخرات، وبالتالي توفير عائد شهري مناسب يساعد هؤلاء الملايين على مواجهة ظروف الحياة الصعبة وقفزات الأسعار.

المطلوب أن يرضي البنك المركزي كل هذه الرغبات المتعارضة، وفي نفس الوقت يحافظ على استقلاليته ويأخذ مسافة بعيدة عن الحكومة، ويؤدي دوره الأساسي على أكمل وجه، خاصة المتعلق بإدارة السياسة النقدية، والحفاظ على أموال المودعين، والرقابة على البنوك وشركات الصرافة، وإدارة الدين العام وسوق الصرف، وطباعة البنكنوت، وتحديد مستوى السيولة المالية في المجتمع حتى لا تزيد فينتعش التضخم، أو تنقص فيحدث كساد وربما ركود اقتصادي يؤدي إلى حدوث شلل في الاقتصاد والبلاد.

لكن في مقابل هذه الالتزامات، فإن العين بصيرة واليد قصيرة، كما يقول المثل العامي المصري، فالمناخ العام لا يساعد البنك المركزي على تحقيق كل تلك الأهداف مجتمعة، في ظل تأثيرات فيروس كورونا الخطيرة على الاقتصاد المصري، والذي ضرب المصادر الستة لإيرادات النقد الأجنبي مرة واحدة، وهي “السياحة وتحويلات العاملين في الخارج والصادرات السلعية وقناة السويس والاستثمارات الأجنبية المباشرة وإيرادات النفط والغاز”.

والبنك المركزي لا يمتلك القدرة وحده على تحريك الاقتصاد، لأنه لا يدير وزارات: المالية والصناعة والتجارة والزراعة والاستثمار والسياحة، أو وقف تراجع الاحتياطي الأجنبي، أو إقناع مستثمرين دوليين بإعادة ضخ مليارات الدولارات في شرايين الاقتصاد المتعطش للسيولة.

ولا يعرف البنك المركزي موعد إعادة أنشطة حيوية مثل السياحة والطيران، ولا يعرف متى تنتهي أزمة تهاوي أسعار النفط فيتوقف الخليج عن تسريح العمالة المصرية وخفض رواتبها، وبالتالي وقف نزيف تحويلات المغتربين، أهم مصدر للنقد الأجنبي في البلاد.

ببساطة، البنك المركزي في موقف لا يحسد عليه، موقف ربما لم يمر به من قبل، ومطلوب منه عمل “عجين الفلاحة”، رغم أنه لا يمتلك كل الأدوات والأوراق في يديه. كان الله في عونه.


Comments

comments

شاهد أيضاً

أحمد مفرح يكتب :بهي الدين والعريان وحقوق الإنسان في مصر

  على الرغم من أن أحدًا لا يستطيع التنبؤ بموعد وفاة أحد المعتقلين السياسيين داخل …