مقاصد الشريعة الإسلامية في فكر الإمام حسن البنا


    الدكتور رجب أبو مليح

 هل للإمام البنا ـ رحمه الله ـ دور واضح وملموس في علم المقاصد ؟ وإن كان له دور فلماذا لم يذكر ضمن علماء المقاصد كغيره من العلماء أمثال العلامة ابن عاشور، وعلَّال الفاسي، وغيرهم من العلماء السابقين والتالين له ؟!

   وهل كتب كتابا أو مقالة يتحدث فيها عن علم المقاصد حتى نعده من علماء المقاصد؟! .

   تزعم هذه الدراسة أن للإمام البنا ـ رحمه الله ـ دورا بارزا وملموسا، بل ومتميزا في هذا العلم، وعلى القارىء أن يتحلى بالصبر حتى يقف على ذلك بنفسه من خلال هذا الكتاب.

   أما لماذا لم يذكر الإمام البنا  ضمن علماء المقاصد على الرغم من الثورة الفكرية والفقهية حول علم المقاصد ـ خاصة في الثلاثين سنة الماضية ـ فهذا أمر يطول شرحه، وربما يحتاج لبحث خاص.

   غير أني ألمحت إلي شيء من هذا في الفصل الثاني من كتاب مقاصد الشريعة في فكر الإمام حسن البنا ([1])،  وحاصله أن حركية الرجل وعداء السلطان له، وتأسيسه جماعة ما زالت في خصومات سياسية حادة بين النظام حتى الآن أثرت بالسلب عليه كعالم شرعي، وفقيه مقاصدي متميز.

   إن كثيرا من المثقفين، وبعض المتخصصين ينظر إلى الإمام البنا على أنه زعيم سياسي أسس جماعة تعارض السلطان، وقتل بسبب ذلك، ولا ينظر إلى هذا الرجل على أنه في الأصل والتكوين عالم وفقيه، والسياسة جزء من مشروعه الفكري. 

   ونحن- الشرقيين وإن كنا مسلمين-  في الغالب لا نفرق بين العالم كثروة قومية يستفاد من أفكاره وعلومه ومشروعاته خاصة التي تفيد المجتمع في النواحي العلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها وبين خلافنا معه في الرأي حتى لو كانت مساحة الخلاف قليلة ([2]).

   وما زالت مقولة ( الحكمة ضالة المؤمن ) ومقولة ( نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه ) مقولات نظرية في الغالب الأعم لم تفعّل على المستوى العملي.

    وأحسب أن الإمام البنا وغيره من العلماء الكثير لو كانوا عند غيرنا من غير المسلمين لأحسنوا الإفادة منهم على الرغم من خلافهم العقدي معهم، لكنهم يطبقون هذه المقاولات تطبيقا عمليا حتى لو لم يسمعوها أو يعرفوها  نظريا.

   أما لماذا لم يكتب الإمام البنا ـ رسالة أو كتابا ـ يعرف فيه بعلم المقاصد فهذا كما لا يخفى على طالب علم – فضلا عن المتخصص – أن ثمة فرق واضح بين من يتحدث عن اللفظ أو المصطلح وبين من يعيش له وبه حتى لو لم يرد على لسانه. 

   فالصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ لم يتحدثوا عن المقاصد، وكذلك فقهاء التابعين، والأئمة الأربعة وغيرهم، ولا يشك دارس في فهمهم للمقاصد، واستيعابهم لها، وعملهم بها، وأن هذا الفهم يفوق ما نحن عليه الآن.

   وقد قُدِمت أطروحات علمية عن الإمام مالك وابن تيمية وسيد قطب وغيرهم وتحدثت عن دورهم في علم المقاصد حتى لو لم يرد هذا اللفظ على ألسنتهم. 

    وأحسب أن الإمام حسن البنا ـ رحمه الله ـ  يختلف عن غيره من العلماء الذين عاصروه أو جاءوا بعده أو قبله في أنه لم يقف بالفكرة عند حد التنظير والتأصيل النظري، لكنه خطا بها خطوات فساح نحو التطبيق العملي، صحيح أن أفكاره العملية لم يكتب الله لها النجاح والاستمرار إلى يومنا هذا، بخلاف أفكاره النظرية، ولهذا أسباب لا يمكننا الوقوف عندها الآن،  لكنه يكفيه شرف السبق والتطبيق، ويبقى على أتباعه خاصة، والمسلمين عامة الإفادة من هذه المحاولات، والامتداد بها الامتداد المناسب في الواقع العملي.

   فقد عاش الإمام البنا في فترة هامة من تاريخ أمتنا العربية والإسلامية، كانت الأمة فيها على مفترق طرق شتى بعد سقوط الخلافة الإسلامية سقوطا رسميا سنة1924م وإن كانت سقطت سقوطا عمليا وفعليا قبل هذا بسنوات .  

   ومن هنا كانت الأمة الإسلامية بحاجة إلى من يرشدها ويذكرها بانتمائها المناسب، وبهويتها الإسلامية  حتى لاتضل الطريق فتفقد الوعي والإدراك وتتفرق بها السبل.

   وقد قام الإمام حسن البنا مع من سبقه من المصلحين كأمثال الإمام محمد عبده والأفغاني ورشيد رضا  رحمهم الله بدور فاعل في تذكير الأمة بهويتها، والعودة بها إلى المنابع الصافية من القرآن الكريم والسنة والمطهرة.

   يقول الإمام البنا : في رسالة هل نحن قوم عمليون : (وقد شاءت لنا الظروف أن ننشأ في هذا الجيل الذي تتزاحم الأمم فيه المناكب، وتتنازع البقاء أشد التنازع، وتكون الغلبة دائماً للقوي السابق … وشاءت لنا الظروف كذلك أن نواجه نتائج أغاليط الماضي ونتجرع مرارتها، وأن يكون رأب الصدع وجبر الكسر، وإنقاذ أنفسنا وأبنائنا، واسترداد عزتنا ومجدنا، وإحياء حضارتنا وتعاليم ديننا ..

   وشاءت لن الظروف كذلك أن نخوض لجة عهد الانتقال الأهوج، حيث تلعب العواصف الفكرية والتيارات النفسية والأهواء الشخصية بالأفراد وبالأمم وبالحكومات وبالهيئات وبالعالم كله، وحيث يتبلبل الفكر وتضطرب النفس ويقف الربان في وسط اللجة يتلمس الطريق، ويتحسس السبيل وقد اشتبهت عليه الأعلام، وانطمست أمامه الصور، ووقف على رأس كل طريق داع يدعو إليه في ليل دامس معتكر وظلمات بعضها فوق بعض، حتى لا تجد كلمة تعبر بها عن نفسية الأمم في مثل هذا العهد أفضل من “الفوضى” ..

    كذلك شاءت لنا ظروفنا أن نواجه كل ذلك وأن نعمل على إنقاذ الأمة من الخطر المحدق بها من كل  ناحية .

   وإن الأمة التي تحيط بها ظروف كظروفنا، وتنهض لمهمة كمهمتنا، وتواجه واجبات كتلك التي نواجهها، لا ينفعها أن تتسلى بالمسكنات أو تتعلل بالآمال والأماني. وإنما عليها أن تعد نفسها لكفاح طويل عنيف وصراع قوي شديد : بين الحق والباطل، وبين النافع والضار، وبين صاحب الحق وغاصبه، وسالك الطريق وناكبه، وبين المخلصين الغيورين والأدعياء المزيفين. وأن عليها أن تعلم أن الجهاد من الجهد، والجهد هو التعب والعناء، وليس مع الجهاد راحه حتى يضع النضال أوزاره وعند الصباح يحمد القوم السرى)([3]).

وقد رأيت اختصار هذه الصفحات من كتاب كبير لي عن : المقاصد في فكر الشيخ حسن البنا – رحمه الله- ليسهل على القارئ الذي لا يصبر على قراءة الكتب الكبيرة، وليناسب النشر في المؤتمرات والندوات المتخصصة، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى أصل الكتب.

وقد قسمت هذا الدراسة إلى ستة فصول وخاتمة وتوصيات.

الفصل الأول: عن تعريف المقاصد ومراعاة الشيخ حسن البنا– رحمه الله –  لها بصفة عامة.

الفصل الثاني : مقصد حفظ الدين عند الشيخ حسن البنا – رحمه الله – وكيف اعتنى به؟

الفصل الثالث: مقصد حفظ النفس عند الشيخ حسن البنا – رحمه الله – وكيف اعتنى به؟

الفصل الرابع: مقصد حفظ العقل عند الشيخ حسن البنا – رحمه الله – وكيف اعتنى به؟

الفصل الخامس: مقصد حفظ النسل عند الشيخ حسن البنا – رحمه الله – وكيف اعتنى به؟

الفصل السادس: مقصد حفظ المال عند الشيخ حسن البنا – رحمه الله – وكيف اعتنى به؟

والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

﴿  رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286]   


Comments

comments

شاهد أيضاً

كيفية تغسيل المصابين بالأمراض المعدية ومنها (فيروس كورونا): د: أكرم كساب

اتفق جمهور الفقهاء على أن غسل الميت فرض كفاية[1]، هذا عند تعذر الموانع. كما أن …