ممدوح الولي يكتب : استصلاح 3 ملايين فدان خلال عامين.. لماذا يعِد الجنرال بما لا يستطيع؟

في منتدى للشباب جرى عقده مؤخراً بمصر قال “الجنرال” السيسي إنه خلال عامين على الأكثر سيتم الانتهاء من إضافة ثلاثة ملايين فدان إلى الرقعة الزراعية، والمعروف أن المساحة المنزرعة بمصر قد بلغت مساحتها 9.333 مليون فدان حتى عام 2019، حوالي 70 % منها بالأراضي القديمة الخصبة بالوادي والدلتا والباقي أراضٍ مستصلحة. 

وبلغ متوسط الزيادة السنوية لمساحة الأراضي المنزرعة خلال السنوات العشرين الأخيرة 161 ألف فدان، إلا أن هذا المعدل للزيادة السنوية انخفض من 106.5 ألف فدان بالعشرية الأولى من القرن الحالي، إلى أقل من 55 ألف فدان سنوياً بالعشرية الثانية، والتي تشمل المساحات المستصلحة التي تقوم بها كل من الدولة وشركات القطاع الخاص والجمعيات التعاونية لاستصلاح الأراضي معاً.

ومن خلال بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الذي يمثل الجهة الحكومية الرسمية للبيانات، فقد بلغت مساحة الأراضي المستصلحة خلال السنوات العشر الأخيرة، من العام المالي 2010/2011 وحتى 2019/2020 نحو 448 ألف فدان، وساهمت شركات القطاع الخاص بنسبة 47 % من تلك المساحة، وجمعيات استصلاح الأراضي بنسبة 42 % والجهات الحكومية بنسبة 11 % فقط.

حيث بلغ نصيب الجهات الحكومية 49 ألف فدان خلال عشر سنوات، توزعت ما بين 34 ألف فدان لقطاع استصلاح الأراضي بوزارة الزراعة، وأقل من خمسة آلاف فدان لهيئة مشروعات التعمير والتنمية الزراعية المسؤولة عن حصر ودراسة المناطق القابلة للاستصلاح حتى إن تلك الهيئة لم تستصلح شيئاً خلال ثلاث سنوات من تلك السنوات العشر. 

324 ألف فدان من مشروع 1.5 مليون 

بالطبع سيقول البعض: ولكن أين مساحة مشروع استصلاح المليون ونصف المليون فدان، الذي تم الإعلان عنه في يوليو/تموز 2014 بمساحة مليون فدان لاستصلاحها خلال عام واحد، ثم تمت زيادة المساحة خلال الشهور التالية إلى مليون ونصف المليون فدان.

وبعد أن كانت مسؤولية تنفيذه تقع على عاتق وزارتي الزراعة والري، تحول إلى شركة بمسمى شركة “الريف المصري”، لتقوم بالاستصلاح والتسويق والتوزيع لأراضيه، ليبدأ تسليم الأراضي للشباب وصغار المستثمرين في سبتمبر/أيلول 2017 كدفعة أولى.

وتشير بيانات جهاز الإحصاء إلى أنه حتى العام المالي 2019/2020 المنتهي آخر يونيو/حزيران 2020، أي بعد ست سنوات من الإعلان عن المشروع، فقد تم استصلاح 430 ألف فدان فقط، وبلغت المساحة المنزرعة منها 115 ألف فدان وما زالت مساحة 481 ألف فدان قابلة للاستصلاح.

مع الأخذ في الاعتبار أن المساحة المستصلحة البالغة أقل من 430 ألف فدان، تتضمن مساحة 106 آلاف فدان مستصلحة وضع يد، أي أن هناك أطرافاً غير حكومية قامت باستصلاحها دون ترخيص، ثم استولت الدولة على تلك المساحة منهم، وهو ما يعني أن جملة المساحة التي استصلحتها الدولة تصل إلى 324 ألف فدان خلال ست سنوات، بمتوسط سنوي أقل من 54 ألف فدان سنوياً. 

ويظل السؤال: لماذا أخفق مشروع استصلاح المليون ونصف المليون فدان في تحقيق مستهدفاته؟ وهو ما يرتبط به أيضاً بالسؤال عن أسباب صغر المساحة التي استصلحتها هيئة مشروعات التعمير والتنمية الزراعية وقطاع استصلاح الأراضي بوزارة الزراعة. 

وتأتي الإجابة من خلال إعلان الدولة عام 2014 وبعد تولي الجنرال السيسي السلطة في يونيو/حزيران من نفس العام، عن الدخول في عدة مشروعات منها تفريعة جديدة لقناة السويس خلال عام، وشبكة جديدة للطرق خلال عام، ومشروع استصلاح المليون فدان خلال عام.

فعندما انتهى العام سأل الصحفيون وزير النقل عن سبب تأخر تنفيذ مشروع الطرق الجديدة، فأشار إلى أن كافة المعدات الهندسية لدى شركات المقاولات كانت مشغولة بحفر تفريعة قناة السويس، وهو سبب انعكس أيضاً على مشروع استصلاح المليون فدان. 

تعثر شركات استصلاح الأراضي الحكومية 

سبب آخر وهو تعثر الأداء المالي لشركات استصلاح الأراضي الحكومية، وصغر رؤوس أموالها واستنزاف الخسائر لحقوق الملكية بها حتى أصبحت سالبة بمعظم الشركات، ففي مصر شركة قابضة لاستصلاح الأراضي يشرف عليها وزير الزراعة، تتبعها ست شركات خمس منها متخصصة في استصلاح الأراضي وواحدة في الأبحاث والمياه الجوفية. 

ومن تلك الشركات الخمس نجد الشركة العامة لاستصلاح الأراضي تحقق خسائر بالسنوات الأخيرة وبلغت ديونها 80 مليون جنه قبل عامين، والشركة العقارية لاستصلاح الأراضي التي تعاني من خسائر مزمنة، حتى أصبحت حقوق ملكيتها سالبة بأكثر من مليار جنيه رغم أن رأس مالها عشرون مليون جنيه فقط، كما بلغت ديونها 57 مليون قبل عامين، ولا تنشر شركة “مساهمة البحيرة” قوائمها المالية مع تأخر انعقاد جمعيتها العمومية، وشركة “وادي كوم أمبو” لاستصلاح الأراضي لديها خسائر مرحلة بقيمة 139 مليون جنيه قبل عامين وحقوق الملكية بها سالبة. 

صورة لرقعة زراعية وفي الخلفية أهرامات الجيزة – iStock

وتتشابه الصورة في هيئة مشروعات “التعمير والتنمية الزراعية” المختصة بحصر تصنيف الأراضي البور والصحراوية، القابلة للإستصلاح وإجراء الدراسات الفنية والاقتصادية لاستصلاحها، والتي اندمجت بها مؤخرا هيئة “تنمية بحيرة السد العالي” بما لديها من مساحات أراض ضخمة، حيث تعاني هيئة مشروعات التعمير من خسائر مزمنة أمكن حصر استمرارها منذ العام المالى 2010/2011 وحتى العام المالي 2019/2020 فيما عدا عام وحيد، حتى إن تقديرات قانون موازنتها بالعام المالي الحالي يتوقع تحقيقها خسائر.

وتتعلل الهيئة بأن وزارة الكهرباء لا توفر الكهرباء المطلوبة لمشروعاتها، وكذلك وزارة الري لا توفر المياه اللازمة لتلك المشروعات، وإن كان يلاحظ أن قيمة الخسائر قد تراجعت بالسنوات الأخيرة فبعد أن خسائرها تتخطى الأربعمائة مليون جنيه، انخفضت إلى 12 مليون جنيه بالعام المالى 2019/2020 وتوقعت بيانات موازنتها للعام المالى الأخير لبلوغ الخسائر 21 مليون جنيه.

التكلفة الباهظة وعجز الموازنة الضخم 

أما قطاع استصلاح الأراضي بوزارة الزراعة فيتوقف نشاطه على الميزانيات التي تدبرها وزارة المالية له، ومن الواضح أن دوره منحسر بالسنوات الأخيرة في ضوء توسع نشاط الجهات التابعة للجيش بالنشاط الزراعي، من خلال الشركة “الوطنية لاستصلاح وزراعة الأراضي الصحراوية”، لكن الشركة لا تنشر أية بيانات مالية للتعرف على حجم نشاطها. 

سبب رئيسي يجعلنا لا نتوقع تحقق استصلاح الملايين الثلاثة من الأفدنة التي وعد الجنرال بها خلال عامين، وهو التكلفة حيث أشار الجنرال نفسه في الثاني عشر من ديسمبر/كانون الأول الماضي في لقاء عام، إلى بلوغ تكلفة استصلاح الفدان الواحد 300 ألف جنيه للزراعة بخلاف تكلفة الطرق والترع، وقال الجنرال إن تكلفة استصلاح مليون فدان تصل إلى 300 مليار جنيه. 

وهو ما يعني أن استصلاح 3 ملايين فدان يحتاج 900 مليار جنيه، فمن أين يأتي التمويل وموازنة الحكومة بالعام المالي الحالي 2021/2022، التي كانت تتوقع تحقيق عجز كلي قيمته 475.5 مليار جنيه؟ قد أشارت نتائج أداء أول خمسة شهور من العام المالي إلى أن هذا العجز يتوقع بلوغه 641 مليار جنيه، بسبب زيادة العجز المتحقق فعلياً عن التقديرات له، وهو رقم لا يتضمن قيمة أقساط الدين الحكومي البالغة 593 مليار جنيه أخرى خلال العام المالي الحالي.

Comments

comments

شاهد أيضاً

سليمان صالح يكتب : هل فقدت الصحافة المطبوعة أهميتها بتخليها عن الدفاع عن الحريات؟

الصحافة المطبوعة تواجه تحديات يمكن أن تهدد وجودها وحياتها، فكان من أهم نتائج ثورة الاتصال …