ممدوح الولي يكتب : دلالات عجز العملات الأجنبية بالمصارف المصرية

أشارت بيانات المصرف المركزي المصري إلى استمرار العجز في صافي الأصول الأجنبية في الجهاز المصرفي، للشهر الرابع على التوالي، ليصل إلى 16.4 مليار دولار في مايو من العام الحالي، موزعا ما بين 6.15 مليار دولار في المصرف المركزي، و10.26 مليار دولار في باقي المصارف التجارية الثمانية والثلاثين الخاضعة لإشراف المصرف المركزي.

ورغم خطورة تلك البيانات إلا أنها لا تجد اهتماما كافيا من الجمهور، لسبب رئيس وهو عدم فهم الغالبية لمدلول مصطلح صافي الأصول الأجنبية، الذي يشير إلى إجمالي الأصول المستحقة لكل من المصرف المركزي والمصارف تجاه غير المقيمين، مقابل التزاماتهما تجاههم.

ولأن التفسير السابق أيضا غير مفهموم لدى الغالبية، يتطلب الأمر التوضيح على مرحلتين، المرحلة الأولى من خلال التعرف على الأصول والالتزامات المالية بالعملات الأجنبية بالبنوك، حيث يتضمن جانب الأصول المالية لدى البنوك، أي العناصر المالية التي تمتلكها:

– النقدية من العملات الأجنبية اللازمة لمواجهة مطالب العملاء من الكاش الأجنبي عبر 4591 فرعا تتبع البنوك الثمانية والثلاثين.

– استثمارات البنوك في أوراق مالية بالعملات الأجنبية، مثل مشترياتها من أذون وسندات الخزانة الأمريكية وغيرها من أوراق مالية لدول أخرى.

– أرصدة البنوك المصرية لدى بنوك خارجية بالعملات الأجنبية.

– القروض التي قدمتها البنوك بعملات أجنبية

قروض خارجية طويلة الأجل للبنوك

وعلى الجانب الآخر فهناك التزامات مالية على تلك البنوك، عليها سدادها للغير عند حلول آجال استحقاقها أو عند طلبها وأبرزها:

– الودائع بالعملات الأجنبية المختلفة، والتي تتعدد أنماطها من ودائع جارية وودائع توفير وشهادات ادخار مختلفة الآجال.

– التزامات بعملات أجنبية تجاه البنوك الخارجية.

– قروض طويلة الأجل، حصلت عليها تلك البنوك من جهات أخرى، سواء بنوك قُطرية أو إقليمية أو مؤسسات أو صناديق خارجية.

ويتم استخراج صافي المركز المالي ما بين إجمالي تلك الأصول بالعملات الأجنبية والالتزامات بالعملات الأجنبية، والذي عادة ما يسفر عن وجود فائض في حالة كبر قيمة الأصول عن الالتزامات، أو وجود عجز في الحالة المعاكسة.

المرحلة الثانية من التفسير تتضمن استبعاد ما يخص المواطنين المحليين من تلك الأصول والالتزامات بالعملات الأجنبية، للتوصل إلى ما يخص غير المقيمين من تلك الأصول والالتزامات، وهو ما بلغت قيمته 48.573 مليار دولار كأصول تخص غير المقيمين، مقابل 64.985 مليار دولار تمثل الالتزامات تجاههم، مما يعني وجود عجز بلغ 16.412 مليار دولار في الجهاز المصرفي المصرفي في شهر مايو الماضي.

وتجمع تسمية الجهاز المصرفي بين كل من المصرف المركزي والمصارف التي يشرف على أدائها، وسوف نطلق على المصارف العاملة في مصر المصارف التجارية، رغم أن بعضها قد حصل على ترخيصه كبنك استثمار وأعمال، وأخرى كبنك متخصص، إلا أن السمة الغالبة في أعمال تلك البنوك جميعا هي ممارسة أعمال المصارف التجارية.

زيادة قيمة الواردات رغم التشدد معها

فقد ظهر العجز في صافي الأصول والخصوم بالعملات الأجنبية لغير المقيمين في البنوك التجارية، منذ شهر يوليو من العام الماضي، واستمر العجز بلا انقطاع للشهر الحادي عشر حتى مايو كآخر بيانات معلنة، بينما بدأ العجز بصافي الأصول والخصوم بالعملات الأجنبية في المصرف المركزي منذ شهر مارس الماضي، وهو ما أدى إلى ظهور العجز في الجهاز المصرفي الذي يجمع بين الطرفين منذ شهر فبراير الماضي.

وللتدليل على خطورة ذلك العجز في صافي الأصول والخصوم الأجنبية في الجهاز المصرفي، والذي زادت قيمته تدريجيا من 3.3 مليار دولار في شهر شباط/ فبراير، حتى بلغ 16.4 مليار دولار في شهر مايو، أن هذا العجز لم يشهده الجهاز المصرفي المصري طوال الفترة الممتدة من عام 1998 وحتى عام 2015، والتي هيمن الفائض عليها، حتى بدأ ظهور العجز للمرة الأولى في شهر نوفمبر 2015، واستمر ذلك العجز لمدة 18 شهرا متواصلة، ليعود إلى حالة الفائض منذ مايو 2017 بعد تحرير سعر الصرف أواخر عام 2016، مستمرا بها لمدة 57 شهرا متصلة حتى فبراير الماضي، شهد خلالها سعر الصرف استقرارا بسبب تحكم المصرف المركزي في تحديد سعره، حتى خلال تداعيات أزمة كورونا.

وتتعدد آثار حالة العجز في صافي الأصول الأجنبية التي تعبر عن نقص السيولة الدولارية، والتي أصبحت شاملة لكل من المصرف المركزي والمصارف التجارية التي يشرف عليها، ومنها الأخذ من احتياطي العملات الأجنبية في المصرف المركزي، حتى تراجعت قيمتها من 45.5 مليار دولار في شباط/ فبراير 2020، إلى 33.4 مليار دولار خلال شهر يونيو الماضي، الأمر الذي لا يُمكّن المصرف المركزي من ضخ سيولة دولارية في البنوك التجارية بالقدر الكافي، لمواجهة طلبات العملاء من النقد الأجنبي للاستخدامات المختلفة، وأبرزها تمويل الواردات السلعية التي بلغ متوسطها الشهري 7.7 مليار دولار خلال الثلث الأول من العام الحالي حسب بيانات جهاز الإحصاء الحكومي.

رغم التشدد تجاه الواردات السلعية والذي مارسه كل من المصرف المركزي من خلال التحول لأسلوب الاعتمادات المستندية، ووزارة المالية من خلال اشتراط الموافقة المسبقة قبل شحن البضائع من دول الاستيراد، ووزارة التجارة الخارجية من خلال الموافقة المسبقة على الجهة الخارجية التي يتم الاستيراد منها، ومن المؤكد أن زيادة الأسعار العالمية للنفط والحبوب والغذاء كان لها دورها في زيادة قيمة الواردات، خاصة مع حالة الركود المستمرة في الأسواق والتي تنعكس على خفض الطلب على الواردات.

ورغم التحسن الجزئي لموارد الصادرات السلعية وتحويلات المصريين في الخارج، وإيرادات قناة السويس خلال الشهور المنقضية من العام الحالي، إلا أن تعدد الالتزامات بالعملات الأجنبية، من سداد أقساط وفوائد الدين الخارجي، وتمويل الواردات السلعية والخدمية، ومدفوعات فوائد الاستثمارات الأجنبية في مصر بنوعيها المباشرة وغير المباشرة، جعلها أعلى من الموارد بعد تحسنها، خاصة وأن التحسن لم يشمل كافة الموارد خاصة السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر.

الفائدة السلبية تمنع عودة الأموال الساخنة

وهكذا تتحدد البدائل أمام الجهاز المصرفي لسد الفجوة الدولارية الحالية، في المزيد من الاقتراض الخارجى، رغم بلوغ قيمة الدين الخارجي في نهاية آذار/ مارس الماضي 157.8 مليار دولار، وطرح سندات في الأسواق الخارجية، وجذب المزيد من الودائع بالعملات الأجنبية، ومحاولة استقطاب قدر من الأموال الساخنة، بالإضافة إلى زيادة كافة موارد النقد الأجنبي التقليدية، وعلى الجانب الآخر تقليل المدفوعات من خلال تأجيل سداد أقساط الديون للدول الخارجية، وتشديد إجراءات الاستيراد وغير ذلك.

إلا أن تلك الحلول تجد صعوبات حالية، حيث تسببت زيادة أسعار الفائدة في غالبية بلدان العالم حاليا في طلب معدلات فائدة أعلى للإقراض الخارجي، خاصة بعد تعديل مؤسسة موديز للتصنيف الائتماني النظرة المستقبلية لمصر من مستقر إلى سلبية، علاوة على أن درجة تصنيف مصر لدى مؤسسات التصنيف الأمريكية الثلاث، ستاندرد آند بور وفيتش وموديز، غير استثمارية.

ومن هنا سيجد طرح سندات خارجية طويلة الأجل مطالبة بفائدة عالية، الأمر الذي دفع وزارة المالية المصرية لتأجيل عزمها على طرح صكوك سيادية في الأسواق الدولية، كما أن عودة السوق الموازية للدولار خلال الشهور الأخيرة دفع الكثيرين للسعي لاقتناء الدولار للمضاربة فيه أملا في بيعه بسعر أعلى، مع توقع خفض جديد من قبل المصرف المركزي لسعر صرف الجنيه المصري قريبا، كما أن أسعار الفائدة على الودائع الدولارية غير جاذبة.

ومن ناحية أخرى، فإن تحول الفائدة الحقيقية المصرية إلى سالبة، من شأنه التأثير على عدم عودة الأموال الساخنة في الوقت الحالي، ففى شهر يونيو الماضي كان سعر الفائدة بالمصرف المركزي للودائع لمدة ليلة 11.25 في المائة، بينما بلغ معدل التضخم بالحضر حسب جهاز الإحصاء الحكومي 13.2 في المائة، ومعدل التضخم الأساسي في المصرف المركزي لنفس الشهر 14.6 في المائة، بل لقد وصل معدل التضخم بأنحاء الجمهورية شاملا الحضر والريف حسب جهاز الإحصاء 14.7 في المائة بنفس الشهر.

ولهذا لجأت الحكومة مؤخرا للاتجاه لبيع الأصول المصرية إلى مستثمرين خليجيين، ويقوم صندوق مصر السيادي بتجهيز عدد من تلك الأصول حاليا، وذلك لتقليل قيمة ديونهم بعد استبدالها بأصول من ناحية، والحصول على موارد دولارية تساهم في تقليل العجز المتزايد بها في كل من المصرف المركزي والبنوك التجارية.

Comments

comments

شاهد أيضاً

د. محمد الصغير يكتب : السفير رفاعة الطهطاوي في غزة

أصبحت الحرب على غزة من الثوابت الموسمية لدى العصابة الصهيونية، ويحرص كل من يصل إلى …