موفق السباعي يكتب: مفهوم الحرية

قامت الثورة السورية منذ خمس سنوات لأجل الحرية, وقدمت مئات الآلاف من الشهداء والجرحى .. ومثلهم من المعتقلين والمسجونين .. لأجل الحرية.

وتشرد الملايين وهجروا بيوتهم وديارهم .. وخلفوا وراءهم أموالهم وممتلكاتهم .. ونزحوا إلى البلدان المجاورة .. لأجل الحرية.

وسالت الدماء على بطاح سورية وجبالها ووديانها .. وفي شوارعها وأزقتها .. أنهاراً وبحاراً .. لأجل الحرية.

وتهدمت البيوت فوق رؤوس ساكنيها وتمزقت أجسامهم إلى أشلاء .. وأوصال .. لأجل الحرية.

ومع هذه العذابات والأوجاع .. والآلام والفواجع .. والنكبات, لايزال – للأسف العميق والحزن الشديد – كثير من السوريين لا يعقلون معنى الحرية التي لأجلها ثاروا وقدموا كل هذه التضحيات النفيسة.

لايزالون يمارسون مع من يخالفوهم الرأي نفس ممارسات النظام الطاغي .. الباغي, ولكن بدون قتل .. لأنهم لا يملكون سلاحاً .. ولو ملكوه لاستخدموه ضد المخالفين.

وبما أن المجال الوحيد المتوفر بين أيدي السوريين وسواهم من البشر للتعبير عن الحرية .. هو الفيس بوك.

وهو سلاح في الوقت نفسه .. إذ يمكّنهم من استخدام ميزات الحظر  والمنع..

والتي هي عبارة عن أساليب استبدادية ديكتاتورية طاغوتية .. تشابه وتماثل في مظهرها العام .. أساليب النظام الأسدي .. أو أي نظام استبدادي آخر.

ولهذا أردت في هذه الرسالة أن أبين وأوضح المفهوم العام .. الحقيقي للحرية.

مفهوم الحرية لغوياً وأدبياً وسياسياً وعلمياً وعقلياً واجتماعياً ..  وتاريخياً .. هو:

حرية الإنسان . . أيا كان شكله أو جنسه .. أو فكره أو دينه .. أو عقيدته .. في أن يعبر عن رأيه بكل حرية .. وبكل جرأة .. وبكل صراحة .. وبشكل مطلق .. وبدون قيود

طالما أنه لا يمس ولا يتعرض للقضايا الدينية المقدسة في المجتمع

وأن يتكلم .. ويخوض في أي شأن من شؤون الحياة العامة والخاصة ..

سواء كان بالانتقاد أو الإحتجاج أو الاستنكار أو الاعتراض على أي تصرفات أو سلوكيات صادرة من الأفراد أو من المؤسسات الحكومية أو الجماعات الحزبية..

وقد أكد الله الخالق البصير العليم, قيمة الحرية وأوجب احترامها أشد الاحترام, في قوله تعالى : ( وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ) الكهف – 29

بل جعل الله تعالى غاية الخلق .. هو الاختلاف في الآراء والتفكير .. والاعتقاد وفي سلوك طريق الهدى أو الضلال دون إكراه أو إجبار.

( وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَ‌ ٰحِدَةًۭ ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿١١٨﴾ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَ‌ ٰلِكَ خَلَقَهُمْ )  هود 119

بل زاد رب العالمين أكثر وأكثر في تثبيت الحرية في الأرض .. ووجوب المحافظة عليها .. حينما وجه تعالى شأنه سؤالاً استنكارياً لرسوله : ( أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ) يونس 99

وأي حظر .. أو منع لهذا الإنسان – مطلق الإنسان – من التعبير عن رأيه فهو استبداد وطغيان وكبت .. وقمع للحرية الإنسانية .. وإهانة للإنسان الذي كرمه رب العالمين بقوله: ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ) الإسراء 70

سواء صدر المنع والحظر من فرد أو جماعة أو حزب أو هيئة تنظيمية أو من النظام الحاكم.

فكل هذا المنع من التعبير عن الرأي استبداد وفساد وديكتاتورية .. وطغيان وانحراف.

ولا عذر في المنع ولا مبرر .. ولا مسوغ بأي شكل من الأشكال أن يقال إن هذا الإنسان أو هذه الجماعة فاسدة مجرمة خائنة عميلة .. لا تفهم .. ولا يستحق أو لا تستحق الاستماع إلى رأيه أو رأيها .. وليس له أو لها احترام .. ولا مكان في المجتمع ..

فهذا كله من تدليس إبليس ومن عمل الشيطان ومن الهوى والمزاج الشخصي والضلال الفكري والإنحراف المنهجي والشذوذ السلوكي والأخلاقي.

والله تعالى يحذر أشد التحذير من اتباع الهوى فيقول: ( وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ .) . ص 26

فالإستبداد .. والديكتاتورية .. كله سواء, سواء صدر من النظام الحاكم أو الفرد أو من جماعة أو حزب .

والذي يطلب الحرية ويثور لأجلها ويقدم التضحيات الغالية ..

عليه أن يكون أول الملتزمين بمفهومها الإنساني العام الواسع .. الشامل المشترك بين كل البشر ..

وليس المفهوم المزاجي الشخصي الشيطاني والهوى الضلالي ..

وإلا فهو كذاب أفاك .. يريد أن يفصل الحرية على مزاجه وهواه.

( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيْرِ هُدًۭى مِّنَ ٱللَّهِ ) القصص 50

شاهد أيضاً

د عز الدين الكومي يكتب : خيانة الأوطان و”العودة بخفي حنين”

تتلخص قصة هذا المثل العربي “عاد بخفي حنين” أن حُنَيناً هذا كان إسكافياً من أهل …