“ميدل إيست آي” يكشف عن تفاصيل الليلة التي انقلب فيها بن سلمان على ابن نايف


نشر موقع “ميدل إيست آي” تقريرا لمحرره ديفيد هيرست، تحت عنوان “كيف بدأت ليلة مصيرية في السعودية سلسلة من عمليات التطهير الوحشية؟”  الليلة التي أحكم فيها محمد بن سلمان السيطرة على ولاية العرش وجرّد ابن عمه الأمير محمد بن نايف من منصبه.

 والمفارقة أن العملية تزامنت مع إحياء ليلة القدر في شهر رمضان، وبدلا من العبادة تحولت إلى ليلة تطهير. وقال هيرست: “في مثل هذه الليلة قبل ثلاث سنين، أحكم محمد بن سلمان، أقل أمراء آل سعود تديّنا، خطته لإسقاط محمد بن نايف ابن عمه الذي يكبره سنا، ليصبح بذلك هو نفسه وليا للعهد، ويحصل على البيعة لنفسه من باقي أفراد العائلة داخل أحد القصور الملكية القريبة من الكعبة في مكة. وشتان بين تلك اللحظة وهذه”.

العملية تزامنت مع إحياء ليلة القدر في شهر رمضان، وبدلا من العبادة تحولت إلى ليلة تطهير.

وقارن هيرست بين فترتين حيث قال: ” قبل ثلاث سنوات، كان الأمير الشاب في ذروة سطوته. فقد مكّنه انقلاب القصر من إحكام قبضته على العرش، وليس أدل على هذا، من أن الكثيرين من أفراد العائلة، الذين ما لبث بعد حين أن سجنهم، سارعوا حينها إليه في مكة ينحنون أمامه ويقبلون يده”.

ويضيف التقرير: في تلك الليلة كانت مكة تحتشد بالمعتمرين والمصلين، وكانت المملكة في قمة الثراء، وتحاول فرض إرادتها بالقوة على اليمن، حيث وقع العالم كله في مصيدة وهم أن محمد بن سلمان هو مصلح جاء ليحول المملكة ويدخلها في عصر الحداثة، وليس بلده الذي يعيش زمنه القديم ولكن لكل الشرق الأوسط.

أما اليوم، يقول هيرست “فمكة فارغة تماما إلا من مجموعة مصلين تفصل بين الواحد والآخر متران. وفي الأحياء الشعبية ومدن الصفيح التي تحيط بفنادق مكة الفارهة التي بنيت حول الكعبة هناك آلاف العمال الأجانب الذين حبسوا فيها بدون توفر أدنى ظروف الصحة والإنسانية، حيث تتجمع أكوام النفايات في الطرقات، ولا منفذ أمامهم للوصول إلى النظام الصحي، في وقت انتشرت بينهم حالات الإصابة بكوفيد- 19 الناجم عن فيروس كورونا”.

ويشير الكاتب إلى أن مكة المدينة المقدسة أصبحت علامة عن الحال الذي وصلت إليه الأوضاع في المملكة، فخلال خمسة أعوام فقط، ارتفع دين المملكة الخارجي بشكل كبير ومتسارع من 12 مليار دولار في 2014 إلى 183 مليار دولار بنهاية 2019. وانخفضت احتياطاتها في نفس الفترة من 732 مليار دولار إلى 499 مليار دولار، بخسارة قدرها 233 مليار دولار.

 وأضاف أن الملك سلمان أعلن في أكتوبر/ تشرين الأول 2018 عن أن الصندوق السيادي للمملكة الذي يعرف باسم هيئة الاستثمار العامة، لديه أرصدة بـ400 مليار دولار وأنه سيتجاوز 600 مليار دولار بحلول عام 2020. ولكن قيمته اليوم لا تتجاوز 320 مليار دولار.

وعلق هيرست أن جزءا من هذه المبالغ كانت كافية لأن تعمل على إنقاذ القطاع الاقتصادي والصناعي وتوفير فرص العمل وتحسين مستويات الحياة الكريمة للسعوديين. وبدلا من ذلك، فالبلد يدخل في مرحلة طويلة من التقشف. أما حكامه، فيعيشون في حياة البذخ التي يصعب على المرء فهمها علاوة على تخيلها.

ويرى هيرست أن السعودية ومنذ مقتل الصحافي جمال خاشقجي في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، جعلت من محمد بن سلمان شخصا غير مرغوب فيه في الأوساط السياسية في أمريكا وفي كل عاصمة من عواصم أوروبا. وفي كل مرة يشير فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إليه بالصديق، تندلع عاصفة من النقد في الإعلام والكونغرس.

وأشار الكاتب إلى عمليات التطهير متواصلة، حيث لا يزال في السجن أكثر من عشرين أميرا، ولهذه الأسباب، بات واضحا للعيان أن المملكة في عهده خسرت المال والنفوذ والسلطة والأصدقاء.

 ولم يعد الأمير الذي كان بإمكانه زيارة لندن أو واشنطن قادرا على القيام برحلة كهذه، ولا حتى إلى “سيليكون فالي” مركز شركات التكنولوجيا العملاقة، حيث كان يقابل الأقوياء والمؤثرين في عالم التكنولوجيا الحديثة.

صحيح أنه سوف يستضيف قمة مجموعة العشرين هذا العام، إلا أن انهيار سعر النفط، سيعيد تركيز النظر بشأن استمرار منح بلاده مقعدا في هذه المجموعة المختارة من البلدان. وما يمكن قوله بالتأكيد أن “ماركة” الأمير الشخصية لم تعد مهمة ويزهد فيها الجميع.

انهيار سعر النفط، سيعيد تركيز النظر بشأن استمرار منح السعودية مقعدا في مجموعة العشرين

ويرى هيرست أن هذا الكلام كان قبل ثلاثة أعوام مجرد ضرب بالمندل، أي أنك لو قلت لأي شخص إن عواصم الدول حول العالم ستخلو من الناس بسبب فيروس، لما صدقك كثيرون. وما كان أحد سيصدق بأن تراجع الثروة السعودية سيكون حادا وسريعا بهذا الشكل.

وهنا يتساءل هيرست، ماذا حدث قبل ثلاث سنين؟ ولماذا شن محمد بن سلمان ثلاث عمليات تطهير، كانت اثنتان منها موجهتين ضد أفراد عائلته، مباشرة بعد أن حظي بالعرش؟

يقول الكتب: “لا بد من العودة إلى تلك الليلة واستعادة أحداثها الدرامية. قيل لنا في حينه إن الأمير محمد بن نايف جُرّد من جميع مواقعه وجرى تنصيب محمد بن سلمان بعد تصويت تم داخل هيئة البيعة التي شكلها الملك السابق عبد الله. وحصل ذلك في الساعات الأولى من الفجر وهي لحظة غير مريحة، حيث نُشر مقطع فيديو بدا من فحواه أنه أعد على عجل، ظهر فيه محمد بن سلمان وهو يقبل يد محمد بن نايف”.

وما نعرفه هو أن مجلس أو هيئة البيعة لم يجتمع فعليا، ولم يكن في كامل نصابه. وما حصل هو أن الأصوات جمعت عبر الهاتف. وهذا يعني أن العملية كلها لم تكن شرعية كما تقتضي أصول وقواعد المجلس.

وتم الإعلان عن المجلس بمرسوم ملكي في 2006. وقصد منه أن يكون إجراء إصلاحيا مهما داخل ملكية مطلقة لا دستور لها، وبهدف تغيير الطريقة التي يعين من خلالها الملوك في المستقبل انتقالا من حالة “من يملك القوة يملك الحق” إلى حالة يتخذ فيها نوع من الإجراء الذي يقترب من تحقيق الإجماع. وكان جميع أعضاء الهيئة الثلاثة والأربعون هم من أفراد العائلة الملكية الحاكمة.

إلا أن المشروع ولد ميتا، فقد أعفي الملك عبد الله نفسه من العملية، وتوفي حتى قبل أن تفعل الآلية الجديدة. وتم تعيين ثلاثة ولاة عهد هم الأمير سلطان بن عبد العزيز، والأمير نايف بن عبد العزيز، والأمير سلمان بن عبد العزيز، دون أن يكون لهيئة البيعة أي دور فيها.

 هيئة البيعة لم تجتمع فعليا، ولم يكن نصابها مكتملا. وما حصل هو أن الأصوات جمعت عبر الهاتف. وهذا يعني أن العملية كلها لم تكن شرعية

ولكن الملك عبد الله حاول الإستناد إلى هذه الآلية لكي يضمن ولاية ابنه الأمير متعب للعرش، وبالتالي نقل الحكم إلى أبناء الجيل التالي. وعندما لم يستطع القيام بالأمر مباشرة، استحدث منصبا جديدا هو “ولي ولي العهد”، وكانت الخطة تستهدف إبعاد سلمان من ولاية العهد وتعيين الأمير مقرن في ذلك المنصب، بحيث يكون متعب نائبا له، إلا أنه مات قبل أن ينفذ خطته.

وعلى نفس الوتيرة أبقى الملك سلمان عند اعتلائه العرش على الصيغة، حيث عيّن مقرن وليا للعهد، ومحمد بن نايف نائبا له. وبعد ثلاثة شهور أعفى مقرن، وعيّن محمد بن نايف مكانه، ثم عين محمد بن سلمان وليا لولي العهد.

وبالتالي يمكن النظر إلى تلك الليلة المصيرية قبل ثلاثة أعوام بأنها أول اختبار كبير لهيئة البيعة، وفشلت فيه فشلا ذريعا. في تلك الفترة، فقدت الهيئة رئيسها مشعل بن عبد العزيز، الذي توفي في مايو/ أيار 2017 ولم يخلفه أحد في منصبه.

وتقضي القواعد المنظمة لأعمال الهيئة بأن نصابها يتحقق بحضور ثلثي أعضائها على الأقل، شريطة أن يكون لها رئيس، وأن يمرر التصويت بأكثر من نصف عدد الأعضاء. وبهذه المثابة لم يعقد اجتماع فعلي، وكانت الهيئة بدون رئيس، ولم يتحقق النصاب القانوني. وأعلن فيما بعد بأن 31 من الأعضاء الذين يبلغ عددهم 34 صوتوا لمحمد بن سلمان مع أن التصويت كان عبر الهاتف.

وعليه يمكن اعتبار خلع محمد بن نايف ووصول محمد بن سلمان إلى منصب ولي العهد كان إجراء غير قانوني وغير شرعي. ولعل هذا يفسر حساسيته المفرطة تجاه اثنين من الأمراء وكلاهما في السجن حاليا، الأول، هو محمد بن نايف، الذي اتهم بداية بالإدمان على المخدرات، وتوجه له الآن تهمة الخيانة وتدبير محاولة انقلابية. وأما الثاني، فهو شقيق الملك، الأمير أحمد بن عبد العزيز، الذي عاد من لندن وكان راغبا في أن يعين رئيسا لهيئة البيعة حتى يتمكن من الحيلولة دون ارتقاء محمد بن سلمان إلى العرش. فهو لم يذهب إلى مكة لكي يعطي صوته لابن أخيه مثلما لم يخف حقيقة أنه لم يمنح صوته له.

وطالما بقي هذان الأميران على قيد الحياة سيظل محمد بن سلمان يشعر بالخطر على موقعه. ولهذا استهدف أربعة من أعضاء هيئة البيعة، حيث تعرض ثلاثة منهم للسجن والاستجواب، بينما تمكن الرابع من الحصول على جنسية قبرصية؛ سعيا منه للفرار.

طالما بقي الأميران أحمد بن عبد العزيز ومحمد بن نايف على قيد الحياة، سيظل محمد بن سلمان يشعر بالخطر على موقعه.

وأشار هيرست إلى ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” من أن بعض الأمراء المحتجزين لجأوا إلى مؤسسات الضغط في واشنطن لتذكير الكونجرس بما آل إليه مصيرهم، وبذلك يظل الخطر الذي يشكلونه على محمد بن سلمان قائما.

ويقول الكاتب أن هدف البيعة هو نقل الولاء من ملك إلى ملك، وهو ما لم يحدث أبدا، وهذا يفسر عمليات التطهير التي أعقبت الإعلان عن تعيين بن سلمان وليا للعهد، مما عمق الأزمة السياسية التي يواجهها في وقت يستعد لقطف الثمرة التي يرى أنها أينعت وحان وقت قطافها.

ويختم بالقول إن محمد بن سلمان، ومنذ تلك الليلة فشل في كل شيء، من الحرب في اليمن، إلى طرح جزء من أسهم شركة أرامكو في الأسواق المالية، وبناء مدينة المستقبل “نيوم”  والتنويع الاقتصادي بموجب رؤية 2030، والمواجهة مع إيران، وسعر النفط، والآن فيروس كورونا.


Comments

comments

شاهد أيضاً

السودان: نرفض أي خطوة أحادية بشأن “سد النهضة” وتسبب ضررا للآخرين

أكد السودان رفضه لأي خطوة أحادية بشأن التعاطي مع أزمة “سد النهضة” الإثيوبي، لافتا إلى …