نادر نور الدين محمد يكتب:تحديات المياه وإنتاج الغذاء في مصر


تعانى مصر حاليًا عجزًا مائيًا صافيًا يبلغ 22 مليار متر مكعب، وذلك بعد إعادة استخدام نحو 20 مليار م3 من مياه مخلفات الصرف الزراعي والصحي والصناعي، ولولا ذلك لارتفع العجز إلى 42 مليار م3 سنويًا. يتسبب هذا العجز في استيرادنا نحو 65% من احتياجاتنا من السلع الغذائية الأساسية بسبب عدم وجود مياه كافية لزراعتها، حيث نستورد ما بين 15- 20 مليار م3 من المياه الافتراضية على صورة سلع غذائية، ونتربع على قمة الدول المستوردة للقمح بحجم 13.5 مليون طن سنويًا، ونُعتبر رابع أكبر مستورد للذرة الصفراء بنحو 10 ملايين طن سنويًا، وخامس أكبر مستورد لزيوت الطعام بنحو 3 ملايين طن سنويًا، ومعها 1.25 طن من السكر ونحو 50% من احتياجاتنا من اللحوم الحمراء والألبان المجففة، و100% من احتياجاتنا من العدس ونحو 80% من الفول. وفى المقابل نحقق اكتفاء ذاتيًا في الخضروات والفاكهة، (وهى ليست من السلع الاستراتيجية الأساسية)، والبيض والدواجن والبطاطس والطماطم، بل إن مصر خامس أكبر منتج عالمي في إنتاج الطماطم، ولكننا لا نستغل ذلك جيدًا في حجم صادراتها.

ارتباط إنتاج الغذاء بالمياه لهو ارتباط أكيد، وانضم إليهما في المنظومة إنتاج الطاقة، التي تمثل نحو 33% من الإنتاج الزراعي، وبالتالي أصبحت منظومة «المياه والطاقة والغذاء» منظومة واحدة، ولا يصح علميًا أن نتحدث عن مستقبل إنتاج أي منها دون الاثنين الآخرين، بل انضم إليها أيضًا عدد السكان وتغيرات المناخ.

ونتيجة لهذا العجز المائي الكبير، اتجهت مصر إلى خطوات حتمية للتقليل منه مثل تطوير شبكات نقل المياه للترع الطينية المسامية، والتي تفقد عالميًا ما بين 25- 35% من حجم المياه التي تضخ بها سواء في مصر أو في باكستان وبنجلاديش والهند وجميع الدول التي تستخدم الترع المسامية المفتوحة لنقل المياه. وتبطين أغلب الترع وتحويل بعضها إلى مواسير يمكن أن يوفر لمصر ما بين 5- 10 مليارات متر مكعب سنويًا، تُعينها في تحمل العجز المائي، وتزيد من إنتاجها الزراعي، فتقلل من وارداتها. هناك أيضًا إعادة هيكلة السياسات الزراعية بإدخال نظم زراعات الصوبات الزراعية، التي تقلل استهلاك المياه بنسبة 60%، وتضاعف من إنتاج الغذاء إلى أربعة أضعاف، ولكن ينبغي التنسيق بينها وبين الزراعات المفتوحة لإنتاج الخضروات حتى لا تنهار أسعار الخضروات كما هو حادث الآن في الطماطم والبطاطس وكل أنواع الخضروات بما يُكبِّد المزارعين سواء في الصوبات أو في الزراعات المفتوحة خسائر كبيرة تهدد مستقبل الزراعة والتخلي عن الأرض الزراعية، حيث ينبغي مع التوسع في زراعات الصوبات الزراعية تقليل مساحات الزراعات المفتوحة من نفس الحاصلات وتحويلها إلى زراعة الحاصلات الاستراتيجية التي نستوردها.

 

هناك أيضًا التقليل من مساحات الحاصلات عالية الاستهلاك للمياه مثل الأرز وقصب السكر والموز والكرنب والقلقاس والأعلاف أو عدم التوسع في زراعتها مستقبلًا والحفاظ على المساحة الحالية دون زيادة، خاصة في قصب السكر، وتقليص مساحات الأرز إلى نحو 1.4 مليون فدان سنويًا لنحافظ على اكتفائنا الذاتي منه، وغسل تراكمات الأملاح والتلوث والحد من اقتحام مياه البحر المتوسط للتربة والمياه الجوفية لأراضي الدلتا، حيث يعمل الأرز كمحصول اقتصادي وفير الإنتاج وأيضًا محصول استصلاح وتحسين لأراضي شمال ووسط الدلتا، التي ملح البحر ورذاذه وأمواجه- تحت تأثير ارتفاع مستوى سطح البحر- نصفها. ومع سياسات الصوبات الزراعية تأتى أيضًا زراعات التحميل، أى زراعة محصولين في نفس المساحة من الأرض، على أن يكونا مختلفين في الارتفاع أو مختلفين في عمق الجذور حتى لا يتنافسا على نفس العمق من التربة للحصول على العناصر الغذائية أو على الإضاءة مثل زراعة فول الصويا القصير أسفل الذرة الطويلة، والجزر مع البسلة، والطماطم أسفل عُقَل قصب السكر في شهور الشتاء والعُقَل مازالت قصيرة، والعديد من صور التحميل وحسن استغلال التربة الزراعية مع إضافة الأسمدة الكيميائية المناسبة حتى لا ننهك ونستنزف التربة من عناصرها الغذائية وللحفاظ على خصوبتها.

 

تحديات ومستقبل المياه وإنتاج الغذاء في مصر لم تعد تهم الباحثين المصريين فقط، بل إن العديد من البنوك الأوروبية اهتمت مؤخرًا بهذا الأمر، وطلبت من كبار الباحثين المصريين دراسات عنه، فأوروبا تعتمد كثيرًا خلال موسم الشتاء والصقيع والثلوج على استيراد الخضروات والفاكهة من دول المناخ الدفيء شتاء، ومنها مصر، وبالتالي فقد يستحق الأمر البحث عن دول بديلة في حال استفحال وزيادة أزمة النقص المائي وتراجع إنتاج الغذاء، حتى لو كانت مصر متأقلمة حاليًا مع نصيب للفرد من المياه المتجددة لا يتجاوز 600 متر مكعب سنويًا بدلًا من ألف متر مكعب، ولا أحد يشكو نقص المياه سواء في المنازل أو المصانع أو الحقول، ولكن الأمر يدعو إلى بحث الأمر في المستقبل القريب حين يصل عدد سكان مصر إلى 150 مليون نسمة في عام 2050 ويرتفع العجز المائي إلى 75 مليار متر مكعب، ولا تستطيع تحلية مياه البحر سد سوى 5 مليارات متر مكعب من هذا العجز على أقصى تقدير.

 

تحتاج الزراعة في مصر إلى إعادة هيكلة لتحويل الزراعة إلى مهنة مربحة والحفاظ على الأراضي الزراعية، ووضع استراتيجيات لإنتاج الغذاء تحت ظروف الشح المائي وتحت ظروف الاحترار العالمي وارتفاع درجات الحرارة واستهلاك الزراعة مياهًا أكثر لإنتاج نفس الكم الحالي من الغذاء والإنفاق على البحث العلمي لإنتاج غذاء أكثر من مياه أقل ومن حاصلات تتحمل العطش وزيادة درجات الحرارة.

 

عندما يزيد العجز المائي عام 2050 إلى 75 مليار متر مكعب سنويًا، فهل هناك بديل لربط نهر الكونغو بنهر النيل لتغطية هذا العجز الضخم، خاصة أنه لن يأخذ من حصة أحد من دول حوض نهر الكونغو، بل سيأخذ من نحو 1284 مليار م3 من مياه النهر تلقى في المحيط الأطلنطي سنويًا، خاصة أن التكاليف المُتوقَّعة، المُقدَّرة بنحو 25 مليار دولار، يمكن أن تقل عن تكاليف تحلية مياه البحر وتبطين الترع، وتعطى أضعافًا مضاعفة من المياه، وتقلل من مخاطر حروب المياه في شرق إفريقيا.

مستقبل المياه وإنتاج الغذاء والطاقة في مصر ينبغي أن تكون له الأولوية في الأبحاث المستقبلية.

نقلا عن المصري اليوم


Comments

comments

شاهد أيضاً

محمد سيف الدولة يكتب : مصر والردة المستحيلة لما قبل الميلاد

ان الذين يتصيدون اى حدث أو مناسبة ولو كان استعراضا ناجحا نظمته الدولة للترويج عالميا …