نافعة: الجيش أعاد مصر لوضع أسوأ مما كان قبل ثورة يناير وأتوقع ثورات جياع


قال الأكاديمي المصري البارز وأستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، الدكتور حسن نافعة، أن المجلس العسكري أعاد مصر إلى وضع أسوأ مما كان قبل اندلاع ثورة يناير، وأنه يتوقع حدوث هبات غضب أو ثورات جياع لا أحد يعلم متى تبدأ ولا كيف ستنتهي.

وفي حوار مع موقع “عربي 21” قال: الثورات الكبرى لا تفشل ولكنها قد تنتكس أو تتعثر في طريقها و25 يناير ثورة كبرى لم تحقق كل أهدافها بعد، وأهداف الثورة ستظل حلما يراود المصريين إلى أن تتحقق لكن ذلك سيستغرق وقتا وسيمر بمنعطفات كثيرة.

وأضاف: ثورة يناير لا تزال تعيش مرحلة التيه حتى الآن ولم تعد بعد إلى مسارها الصحيح، ومصر من بين أكثر أنظمة الحكم فسادا في العالم وفقا لمعايير منظمة الشفافية، والنظام غير قادر على توفير مطالب الشعب وغير قادر أيضا على توفير القنوات المشروعة التي تسمح بالتغيير.

وتابع: بعد تفرق شباب الثورة، المجلس العسكري انتصر حاليا في صراعه مع ثورة يناير لكنه انتصار مؤقت وغير دائم.

وشدد علي قوله: “أنا ممن يعتقدون أن التيار الإسلامي ضرورة وله دور حيوي في المجتمع بشرط أن يؤمن بالديمقراطية وعدم استبعاد الآخر المختلف”.

 

وفيما يأتي نص الحلقة الأولى من المقابلة الخاصة معه:

كيف تنظر للعشر سنوات الماضية في أعقاب اندلاع ثورة يناير؟ وكيف تقرأ أبرز تلك المحطات والملاحظات خلال تلك السنوات؟

هذا يتوقف على العين التي أنظر بها إلى تلك السنوات: هل بعين المواطن الذي أتيح له أن يشارك في الثورة ويتابع كبواتها من داخل صفوفها، أم بعين الباحث المتخصص في العلوم السياسية الذي يحاول أن يفهم ويحلل ما يدور حوله.

إذا نظرت إليها بعين المواطن المشارك في الثورة، فسأرى فيها سنوات ولادة حلم عظيم هو حلم الثورة على نظام مبارك. وهي ثورة استهدفت، ضمن أشياء أخرى كثيرة، إجهاض مشروع التوريث الذي وقفت ضده بكل كياني وكتبت عنه عشرات المقالات.

فقبل اندلاع الثورة بسنوات كنت أرى أن مشروع توريث نقل السلطة من مبارك الأب إلى جمال الابن في ظل نظام جمهوري يُشكّل خطرا على مستقبل مصر وعلى أمنها الوطني، لأنه سيفضي في النهاية إلى تسليم مقاليد الأمور إلى مجموعة فاسدة من رجال الأعمال، التفت حول شاب غير مؤهل للحكم، ولا يملك من هذه المؤهلات شيئا سوى أنه الابن الطموح أو المدلل لرئيس الدولة.

وأود هنا أن أؤكد لك مُخلصا أن الأيام الثمانية عشر التي عشتها، إلى جانب الثوار في ميدان التحرير، كانت وما تزال هي أروع أيام حياتي على الإطلاق، وأحمد الله أن أطال في عمري لكي أراها وأعيشها وأتنفس عبيرها..

وتابعت أيضا ما حدث للثورة بعد نجاحها في إسقاط مبارك، وكان قلبي ينزف دما طوال السنوات العشر التالية على هذا الحدث العظيم وأنا أرى الثورة تقع في كبوات وسقطات يتبدد معها الحلم الجميل الذي عشناه.

وما زلت حتى هذه اللحظة أعود بين الحين والآخر إلى كتاباتي خلال هذه الفترة لأراجع أين أصبت؟ وأين أخطأت؟ وأعتبر نفسي محظوظا لأن الظروف كانت قد أتاحت لي، منذ ما قبل اندلاع الثورة وحتى نهاية عام 2014 تقريبا، أن أكتب عمودا يوميا في صحيفة “المصري اليوم” سمح لي بمواكبة الأحداث يوما بيوم.

ولأن كتاباتي طوال هذه الفترة موجودة ومسجلة ويمكن لأي باحث الرجوع إليها، فلن يستطيع أحد أن يزايد عليّ، وبوسعي أن أقول لك إنني في كل مرة أعود فيها إلى هذه الكتابات ينتابني شعور بالرضا ولا أشعر أبدا بأي خجل من أي موقف عبرت عنه أو من أي سطر خطه قلمي، لأن كل ما كتبته كان عن اقتناع تام، وبوحي من ضميري.

ويتضح من هذه الكتابات، وبجلاء تام، أنني طالبت عقب رحيل مبارك مباشرة بأن تطول الفترة الانتقالية إلى 18 شهرا أو عامين، وبأن يشارك في إدارتها ممثلون عن الثورة، وألا ينفرد المجلس العسكري بهذه المهمة الخطيرة، كما أني وقفت ضد تعديل الدستور، وطالبت بتشكيل لجنة فنية لكتابة دستور جديد، ونبهت إلى خطورة الذهاب إلى انتخابات تشريعية ورئاسية قبل الاستفتاء على دستور جديد يُعبّر عن طموحات الثورة، وكنت أحث الثوار دائما على المحافظة على وحدتهم وتجنب الانقسامات.

وستجد في كتاباتي هذه انتقادات شديدة للطريقة التي أديرت بها مختلف المراحل الانتقالية، سواء تلك التي تمت تحت إشراف المجلس العسكري أو الدكتور محمد مرسي أو المستشار عدلي منصور، وكلها كانت تنبع من نفس القناعات وتُعبّر عن حرص واضح على إقامة نظام حكم ديمقراطي يشارك فيه الجميع ولا يستبعد أحدا، لكن الرياح هبت للأسف بما لا تشتهي سفن الثورة والثوار.

أما إذا نظرت إلى هذه السنوات بمنظور الباحث الأكاديمي، فمن السهل عليّ أن أفهم، وليس بالضرورة أن أتفهم، أسباب ما حدث. فالذين قاموا بإشعال فتيل الثورة كانوا شبابا ينتمون للشرائح العُليا من الطبقة المتوسطة الأكثر تعليما وانفتاحا على الغرب وإتقانا لعلوم وفنون التواصل الاجتماعي.. التفت حولهم فيما بعد كل الفصائل والأحزاب والقوى السياسية التقليدية بسبب كراهية الجميع لنظام مبارك ولمشروع التوريث.

لكن عندما سقط رأس النظام المستبد والفاسد تصور شباب الثورة أن النصر تحقق، ومن ثم تفرقوا شيعا وأحزابا، ولم يبق من الناحية التنظيمية، كقوى مؤثرة على مسار الأحداث، سوى المجلس العسكري، من ناحية، وجماعة الإخوان والقوى المتحالفة معها، من ناحية أخرى.

جماعة الإخوان اعتقدت أن الفرصة باتت سانحة أمامها لإقامة مشروعها السياسي والمجتمعي الخاص، وهو ليس مشروع الثورة، وبالتالي فإنها قررت التخلي عن شباب الثورة، وتحالفت مع الجماعات السلفية. أما المجلس العسكري فقد اعتقد أن بوسعه أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، وأن يحكم بنفس النظام القديم، ولكن بأسماء جديدة.

ويشير مسار الأحداث بعد ذلك إلى أن المجلس العسكري انتصر في هذا الصراع، لكنه انتصار مؤقت وغير قابل للدوام، لأنه أعاد مصر إلى وضع أسوأ مما كان قبل ثورة يناير، فأنا على يقين تام من أن ثورة يناير ستظل تمارس تأثيرها على تطور الأوضاع في مصر، ولكن بطرق وأشكال أخرى. فما تواجهه الآن هو نفس المصير الذي واجهته كل الثورات العالمية الكبرى، فالثورة لا تحقق كل أهدافها بضربة قاضية واحدة، ولكن تنتصر دائما في النهاية بالنقاط على المدى الطويل.

البعض يرى أن ثورة يناير لم تفشل إلا أنها لم تنجح أيضا.. هل هذا توصيف دقيق؟

الثورات الكبرى لا تفشل، ولكنها قد تنتكس أو تتعثر. ولا شك أن ثورة يناير المصرية هي ثورة كبرى، لكنها لم تحقق كل أهدافها. فهي أسقطت مشروع التوريث، لكنها لم تحقق حتى الآن بقية أهدافها أو مطالبها الأهم، وهي الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، لسبب رئيس وهو عدم تمكنها من إقامة نظام بديل يُعبّر عنها؛ فهي ثورة قام بها شعب لم يكن مُلتفا حول قيادة موحدة في الميدان، ولم تعرف النخب التي فجرتها كيف تختار من بين صفوفها جماعة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية بطريقة تمكنها من استئصال جذور النظام القديم أولا..

لذلك، فقد انحصر الصراع بعد سقوط رأس النظام القديم بين قوتين كبيرتين: جماعة الإخوان والمؤسسة العسكرية، ولكل مشروع مختلف عن مشروع الثورة الذي استهدف في الأساس إقامة دولة مدنية ديمقراطية لا يهيمن عليها فصيل بذاته وتتضمن آلية متفقا عليها تسمح بالتداول السلمي للسلطة.

فجماعة الإخوان، كما هو معروف، تسعى لإقامة دولة تحكم باسم الإسلام، وكأنها هي وحدها التي تحتكر التحدث باسم هذا الدين العظيم. أما المؤسسة العسكرية، فتدعي أنها تسعى لإقامة دولة تحكم باسم الوطنية، وكأنها هي وحدها التي يحق لها توزيع صكوك الوطنية.

في البداية، رجحت كفة الجماعة لفترة قصيرة، ثم رجحت بعد ذلك كفة المؤسسة العسكرية، وفي كلتا الحالتين لم تتحقق أهداف الثورة، ولا أعتقد أن الشعب قد تخلى عن هذه الأهداف أو صرف النظر عنها، ولذلك فهي ستظل حلما يراوده إلى أن تتحقق، لكن ذلك سيستغرق وقتا، وسيمر بمنعطفات كثيرة قبل أن ينبلج الفجر من جديد، وهذا هو الدرس الذي تعلمناه من تاريخ كل الثورات الكبرى.

مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بهي الدين حسن، قال في مقابلة مع “عربي21” إن قوى المعارضة الآن أضعف كثيرا مما كانت عليه في يناير 2011، والفجوة بينها لن تسدها “مصالحات ورقية”، وإن من أسباب إخفاقات الثورة أن القوى السياسية المختلفة لم تكن مؤهلة لحكم مصر.. هل تتفق معه في ما ذهب إليه؟

دعنا نتفق أولا على مفهوم “المعارضة”، فإذا كان المقصود القوى المعارضة للنظام الذي يحكم مصر حاليا؛ فهذه ليست ضعيفة، ولكنها منقسمة بعمق بين تيارين كبيرين أحدهما “إسلامي” والآخر “علماني”

وإذا كانت المعارضة تبدو أقوى في زمن حسني مبارك، فلأن التيارين توحدا ضد نظامه، وعملا معا لإسقاطه، لكن لم يكن لهما رؤية موحدة حول شكل ومضمون النظام المأمول، ولذلك انتكست الثورة.

ولأن هذين التيارين أصبحا أشد انقساما، وما زالا يتبادلان الاتهامات حول مسؤولية كل منهما في انتكاسة الثورة؛ فمن الطبيعي أن يصبحا أكثر ضعفا مما كانا عليه سواء في زمن مبارك أو في بداية الثورة.

وأنا أتفق مع بهي الدين حسن حين يقول إن الفجوة بين التيارين لن تسدها “مصالحات ورقية”، لأنها فجوة لن تُسد إلا بمصالحات حقيقية لن تتم إلا بعد قيام كل من التيارين بمراجعة حقيقية لما حدث طوال السنوات العشر السابقة، والاتفاق على صيغة تمكنهما من العمل معا من جديد لتأسيس تيار عريض يؤمن حقا بإقامة دولة مدنية ديمقراطية تتأسس على مفهوم المواطنة وتسمح بتداول سلمي للسلطة.

وفي تقديري أن الكرة ليست فقط في ملعب الإسلاميين، وإنما هي أيضا في ملعب بعض التيارات العلمانية التي تريد استئصال التيار الإسلامي كليا. فأنا ممن يعتقدون أن التيار الإسلامي ضرورة وله دور حيوي في المجتمع بشرط أن يؤمن بالديمقراطية وعدم استبعاد الآخر المختلف.

هناك مقولة مفادها أن “الثورة التي لا تحكم تنتحر”.. فهل انتحرت ثورة يناير لأنها لم تحكم؟

هذه مقولة تعكس نوعا من التلاعب بالألفاظ أكثر مما تُعبّر عن حقيقة مُسلم بها. فالثورات لا تحكم تلقائيا، لأن قوى سياسية واجتماعية كثيرة تشارك في إنجاحها، إما في مرحلة التفجير أو في مرحلة التمكين، لكنها عادة ما تدخل بعد ذلك في مرحلة صراع فيما بينها، ما يؤدي إلى دخول الثورة نفسها في متاهات قد تجعلها تضل الطريق، خاصة حين تحاول بعض هذه القوى ركوب الثورة وتسخيرها لخدمة مصالحها وأهدافها.

لكن الثورات الحقيقية تنتهي دائما، وبعد مراحل تيه قد تطول أو تقصر، بالعودة إلى المسار الصحيح المُعبّر عن الأغلبية وعن قوى التغيير.

ولا شك أن ثورة يناير لا تزال تعيش مرحلة التيه حتى الآن، رغم أن كثيرين ممَن شاركوا في أحداث 30 حزيران/ يونيو تصوروا أنهم قادرون على العودة بها إلى مسارها الصحيح، وكان هذا خطأ في التقدير أو في الحساب، لأن موازين القوى في ذلك الوقت كانت تميل لصالح قوى الدولة العميقة وقوى الثورة المضادة.

مطالب وطموحات ملايين المصريين.. كيف كانت قبل 10 سنوات إبان اندلاع ثورة يناير؟ وكيف هي اليوم؟

أعتقد أن ملايين المصريين الذين ثاروا على نظام مبارك لم يقوموا بثورتهم من أجل أن تحكمهم جماعة الإخوان المسلمين أو من أجل أن تعيد المؤسسة العسكرية إحكام قبضتها على مقدرات البلاد. فالحكم المنفرد لجماعة الإخوان كان معناه الانخراط في مشروع سياسي واجتماعي مختلف عن المشروع الذي من أجله قامت ثورة يناير.

وعودة المؤسسة العسكرية إلى إحكام قبضتها المنفردة على البلاد كان معناه إعادة إنتاج نظام ما قبل ثورة يناير بأسماء جديدة، وكلا المشروعين كانا مرفوضين من جانب فصائل الثورة.

والقول بأن جماعة الإخوان وصلت إلى الحكم عبر انتخابات نزيهة، يفتقد إلى الدقة ويعكس نصف الحقيقة. فالثورة لم يفجّرها الإخوان لكنها جاءت بهم إلى البرلمان أولا ثم إلى مقعد الرئاسة، ولولاها لما استطاع الإخوان قط أن يصلوا إلى الحكم. لكن لا يجب أن ننسى في الوقت نفسه أن الانتخابات التي مكّنتهم من الهيمنة على البرلمان أولا جرت تحت رقابة وإشراف المجلس العسكري، وفي وقت كان فيه التفاهم بينهما في أفضل أطواره، حيث كان المجلس العسكري يسعى في ذلك الوقت لاقتسام السلطة مؤقتا مع الجماعة، وفقا لقاعدة (لكم البرلمان ولنا الرئاسة)، ربما تمهيدا للانقضاض عليها في مرحلة لاحقة.

وحين قررت الجماعة، وعلى عكس ما كان مُتفقا عليه من قبل، دخول الانتخابات الرئاسية بمرشح من عندها، حدث الصدام بينهما.

ولأن قوى الثورة كانت قد أنهكت تماما، بسبب الانقسامات التي اندلعت بين فصائلها المختلفة قبل بدء الانتخابات الرئاسية، فلم يكن غريبا أن يخرج كل مرشحي الثورة من السباق في جولته الأولى، وأن تقتصر جولة الإعادة على كل من الدكتور محمد مرسي، مرشح الإخوان، والفريق شفيق، المرشح غير الرسمي للمؤسسة العسكرية، ولا شك أن فوز أي منهما كان يعني دخول الثورة في مأزق.

والمثير للتأمل هنا أن الدكتور مرسي لم ينتبه إلى أنه فاز بأصوات فصيل من التيار العلماني كان يرى في فوز شفيق انتصارا للثورة المضادة، بدليل أن مرشحي تيار الإسلام السياسي لم يحصلوا مجتمعين إلا على 40% من أصوات الناخبين.

وعندما سيطرت الجماعة على كل مفاصل السلطة، من الناحية القانونية على الأقل، تصورت أنها وحدها المُعبّرة عن إرادة الثورة، ومن ثم وقعت تحت إغراء الشروع في وضع مشروعها السياسي والاجتماعي الخاص موضع التطبيق، وكان هذا خطأ استراتيجيا فادحا. فالشعب لم يكن جاهزا أو مُستعدا لهذه الخطوة بعد، بدليل ما حدث في حزيران/ يونيو 2013.

أما عن مطالب وطموحات ملايين المصريين الآن، فأظن أنها نفس المطالب والطموحات التي كانت قائمة قبل الثورة، وكلها لم تتحقق.

هل غياب الأحزاب عن الحياة السياسية المصرية منذ 30 حزيران/ يونيو 2013 سيظل مستمرا إلى ما لانهاية؟

غياب الأحزاب عن الحياة السياسية يعود إلى ما قبل ذلك بكثير، وتحديدا إلى ما بعد تموز/ يوليو 1952 التي ألغت الأحزاب، وخلقت فراغا سياسيا لم يستطع أحد أن يملأه حتى الآن. وهو أحد أهم أسباب انتكاسة ثورة يناير..

فلو كان لدى مصر أحزاب متجذرة في الواقع السياسي والاجتماعي لما انتكست ثورة يناير بهذه السرعة ولأديرت المرحلة الانتقالية بطريقة أكثر عقلانية.

صحيح أن التعددية السياسية كانت قد بدأت تعود إلى الحياة السياسية على خجل منذ أواخر أيام السادات، لكنها كانت مُقيدة وكادت تحتضر تماما بعد أحداث أيلول/ سبتمبر 1981، وصحيح أيضا أن السنوات الخمس الأخيرة من عهد مبارك شهدت نوعا من الصحوة السياسية، تأسست خلالها حركات نشطة مثل حركة كفاية، وحركة 6 إبريل، والحملة ضد التوريث، والجمعية الوطنية للتغيير، وغيرها من الحركات التي لعبت دورا رئيسا في إشعال ثورة يناير، لكنها كانت صحوة لفترة قصيرة لم تسمح بترسيخ جذور الأحزاب القديمة أو بإنضاج الحركات والأحزاب المستجدة على الساحة.

وصحيح كذلك أن الحياة السياسية شهدت صحوة كبرى عقب ثورة يناير، أخذت شكل الانفجار في تشكيل الأحزاب الجديدة، لكنها دامت أقل من ثلاث سنوات ثم أصيبت بالسكتة القلبية بعد 30 حزيران/ يونيو 2013، وبالتالي فإنه لم تتح لأحزاب ما بعد الثورة فرصة حقيقية لاختبار ثقلها الجماهيري؛ فالأحزاب تحتاج إلى مناخ من الحرية وإلى معامل لإنضاجها لا تتوافر إلا من خلال انتخابات حرة ونزيهة تتم بشكل دوري. والمناخ الآن لا يساعد مطلقا على ازدهار الأحزاب السياسية.

هل كان مجلس الشيوخ بمثابة نقلة وإضافة للحياة البرلمانية المصرية؟ وهل البرلمان الحالي يختلف عن البرلمان السابق؟

لست شخصيا من المتحمسين كثيرا لوجود برلمان بغرفتين؛ فهذا نظام قد يناسب الدول الفيدرالية، كالولايات المتحدة وغيرها، لكنه ليس مناسبا للدول المركزية مثل مصر. ورغم أن بعض الدول المركزية تأخذ بنظام الغرفتين، إلا أن لدى هذه الدول أسبابا سياسية أو اجتماعية تبرر العمل به، خاصة أنها تمنح مجالس الشيوخ فيها اختصاصات وصلاحيات لم يمنحها الدستور المصري.

وفي تقديري أن تجربة مصر التاريخية، خاصة منذ زمن مبارك، أثبتت أن مجلس الشيوخ لم يقم بأي دور تشريعي أو رقابي حقيقي، وأن سبب وجوده يعود إلى رغبة النظام في إرضاء أو إسكات شرائح معينة من النخب.

هل تعلم أن حجم البرلمان في مصر الآن، بمجلسيه، يزيد على الـ900 شخص بينما هو في الولايات المتحدة لا يزيد على الـ535 شخصا، أي أن مصر التي يقل عدد سكانها عن ثلث سكان الولايات المتحدة ولا يزيد متوسط دخل الفرد فيها على الـ5% من متوسط دخل الفرد الأمريكي لديها برلمان يبلغ حجمه ضعف البرلمان الأمريكي. أليس هذا نوعا من السفه؟

هل الشعب المصري بات يخشى من حدوث التغيير عبر الثورة؟ وهل الأزمة المصرية مرشحة للتفاقم أكثر خلال المرحلة المقبلة؟

الثورة ليست هدفا في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق أهداف مشروعة في الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وحين يعجز أي نظام حاكم عن توفير هذه المقومات الأساسية لمواطنيه، فإن من الطبيعي أن تتوتر العلاقة بينه وبين الشعب. وإذا لم تجد مشاعر الغضب وعدم الرضا متنفسا وقنوات شرعية أو رسمية تُعبّر من خلالها عن مطالبها، فمن الطبيعي أن نتوقع انفجار هذه المشاعر في شكل هبات أو انتفاضات أو ثورات.

الفرق بين الثورة وغيرها من مظاهر الاحتجاج الشعبي أن الثورة عمل جماعي منظم يهدف إلى إحداث تغيير جذري يؤدي إلى نقل المجتمع من التوتر والغضب إلى حالة من الاستقرار المبني على الرضا والتوافق العام.

ومشكلة النظام الحاكم في مصر حاليا أنه غير قادر لا على توفير المطالب المشروعة للمواطنين، ولا على توفير القنوات المشروعة التي تسمح بالتغيير، من خلال التداول السلمي للسلطة، أو حتى على تنفيس غضبها. لذا فإنه يتوقع أن تحدث هبات غضب أو ثورات جياع لا أحد يعلم متى تبدأ ولا كيف ستنتهي.

وحدة المعلومات الاقتصادية، التابعة لمجلة إيكونوميست البريطانية، كشفت أن الزيادة المتوقعة في الدين العام نهاية العام المالي الحالي هي 116.8% من الناتج المحلي الإجمالي، مُحذّرة من تباطؤ في وتيرة الترشيد المالي عام 2023-2024 على خلفية الإنفاق الرسمي المرتبط بالانتخابات الرئاسية المقبلة، 2024، وفي ظل تقلبات أسعار صرف الجنيه أمام الدولار هذا العام، جراء تراجع معنويات المستثمرين في الاقتصادات الناشئة.. ما تعقيبكم؟

أتابع بقلق تضاعف حجم الديون المصرية، خاصة الخارجية منها، لكنني لست خبيرا لأعلق على هذه المسألة من منظور تأثيراتها الاقتصادية، لكني كباحث في العلوم السياسية أرى أن المشكلة الأساسية ليست فقط في زيادة حجم الديون أو تزايد وتيرة الاقتراض من الخارج، وإنما في أوجه إنفاق الأموال المتحصلة من هذه القروض. فهناك خلل واضح في الأولويات، فالإنفاق على القطاعات الإنتاجية وعلى التعليم والصحة يحتل موقعا متدنيا جدا على سلم أولويات الحكومة، مقارنة بالإنفاق على الخدمات والمشروعات الترفيهية.

لكن الأهم من ذلك أن هذا الإنفاق الضخم لا يخضع لرقابة سياسية أو قضائية تضمن ترشيده وحوكمته، الأمر الذي قد يفتح الباب واسعا أمام استشراء الفساد. وللعلم فإن مصر تحتل الموقع الـ117 من بين 178 دولة على سلم مؤشر الشفافية الدولية لهذا العام، وبنسبة لا تتجاوز الـ23%. أي إنها من بين أكثر شرائح أنظمة الحكم فسادا في العالم وفقا لمعايير منظمة الشفافية.

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

الافراج بـ “نص المدة” ميزة للسجناء الجنائيين في مصر وممنوعة علي “السياسيين”!

أقر البرلمان المصري تعديلات تشريعية تحظر الإفراج الشرطي عن المدانين بموجب قانوني التظاهر ومكافحة الإرهاب، علي عكس …