نِعْمَ الشيطان أنت!!

عندما تبيع آخرتك بدنيا غيرك،

عندما تنتعش وأنت في طرق الغواية والضلال والفساد والإفساد،

عندما ترى شيطاناً وتثني عليه وتصفق له،

عندما تذل قدمك إلى الهاوية وأنت مُنشرح الصدر مُبتسم وكأنك ترقى للمجد،

حينها تكون قد تبلدت مشاعرك وتجردت من آدميتك ومن الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها.

حينها تكون قد حصلت على صك الغفران من الشيطان الأكبر الذي به تتناسى واقعك المرير وُيبرر لك التصرفات البلهاء ويُضفي عليها الحكمة والعقل والمشروعية.

لقد خلق الله تعالى الإنسان لمُهمة واحدة معروفة الأوصاف مُحددة المعالم, وذلك في قوله تعالى: ” وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ” ( الذاريات 56 ) . وفي مقابل الإخلاص في العبادة والنجاح في أداء التكاليف التي كلف الله تعالى بها العباد, وعد الله تعالى عباده المُخلصين بجنة وُصِفت بأن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وكذلك توعَّدَ الله تعالى من يُعرِض عن عبادته بنار وقودها الناس والحجارة وقد وصفت بأنها سوداء مُظلمة.

ولتمام التكليف أرسل الله تعالى الرسل مُبشرين ومُنذرين، ولتمام التكليف أيضاً بيَّن الله تعالى للإنسان أن هناك عدواً له يتربص به ويُزين له الذنوب والمعاصي والفواحش ما ظهر منها وما بطن لكي يُبعده عن رحمة الله تعالى ويحرمه من جنته.

وبعد أن فرض الله سبحانه التكليف وبيًّن صفاته وحدوده, وجزاء من أحسن, وعقاب من أساء, وأرسل الرسل ليكونوا حُجَّة على العباد, وحذَّر العباد من عدوهم الذي ما يريد لهم سوى الخسران المبين, فلا عذر لمعتذر. فمن اللحظة الأولى التي يُولد فيها الإنسان يتلقاه الشيطان حتى يُورِده المهالك. روى البخاري: ” ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يُولد، فيستهل صارخاً من مس الشيطان، غير مريم وابنها…. ” ، وفي رواية مسلم: ” ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخاً من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه ” ( ومعنى نخسه أي: هيَّجه وأزعجه ).

الشيطان في القرآن الكريم

وردت كلمة (الشيطان) بصيغة المفرد في كتاب الله تعالى (63 مرة)، وبصيغة الجمع المُعرَّف (15 مرة) وبصيغة الجمع النكرة (مرتين). وكلمة (إبليس) وردت في كتاب الله تعالى ( 11 مرة ) ، وكلمة ( الجن والإنس) وردت ( 9  مرات ) وكلمة (الإنس والجن) ( 3 مرات ) وكلمة ( الجنة والناس ) وردت ( 3 مرات ) بخلاف كلمة (الجن) التي وردت ( 10 مرات ) وأخيراً كلمة (عِفريت) وردت ( مرة واحدة). وهكذا تنوعت الصيغ والأساليب لكي يحذرنا الله تعالى ويذكرنا بعدونا الذي لا يغفل عن وسوسته لنا وإبعادنا عن المُهمة التي من أجلها خلقنا وذلك لكي نتجنب حِيله ونحذر مكائده .

تصنيف الجن كما ورد في السنة

روى ابن حبان والحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” الجن ثلاثة أصناف، صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب، وصنف يحلون ويظعنون” (صححه الحاكم ووافقه الذهبي والألباني) . ومعنى يحلون ويظعنون أي : يُقيمون ويرتحلون. وروى مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا .. فيقول إبليس: لا والله، ما صنعت شيئاً. ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرَّقت بينه وبين أهله, فيُقرِّبه ويُدنيه ويلتزمه، ويقول: نِعْم أنت ” ( يلتزمه أي: يُقربه منه ) . وقد ذكر أهل العلم أن الجن يتشكلون بأشكال مُختلفة فيتصورون بصور الكلاب، ففي صحيح مسلم الكلب الأسود شيطان، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: الكلب الأسود شيطان الكلاب, والجن تتصور بصورته كثيراً، وكذلك بصورة القط الأسود، لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره وفيه قوة الحرارة.

بعض أسماء ومهام الشياطين

الشياطين لهم أسماء يتداولوها فيما بينهم. فمن أسمائهم ( خنزب – الولهان – الأجدع – الأعور – داسم – دهار – مقلاص – لاقيس ……. الخ ). وكما أن للشياطين أسماء فكذلك لهم مهام يُكلفون بها من الشيطان الأكبر ليتحركوا بها بين الناس للفتنة والوقيعة بينهم ولإبعادهم عن طريق الله عز وجل.

فهناك من الشياطين من هو مُكَلَّف بإيذاء الناس وتخويفهم والظهور لهم بهيئة حيوانات مخيفة.

وهناك مُكَلَّف بالأسواق لتزيين الغش والحلف واللغو وارتكاب المعاصي .

– وهناك مُكَلَّف بالمساجد للوسوسة في الطهارة والصلاة .

– وهناك مُكَلَّف بتحريك الشهوات وتزيين المعاصي وارتكاب الفاحشة .

– وهناك من هو مُكَلَّف بإثارة الغضب والجزع عند المصائب وخمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب .

– وهناك من الشياطين من هو مُكَلَّف بإثارة ونشر الأخبار الكاذبة التي لا أصل لها بين الناس .

– وهناك المُكَلَّف بتفزيع الناس في نومهم بالكوابيس المُزعجة.

– وهناك من هو مُكَلَّف بالبيوت التي لا يُذكر اسم الله تعالى فيها فيثير الفتنة والوقيعة بين أصحابها.

شياطين الجن وتجنيدهم لشياطين الإنس

إن لفظ “الشَّيْطَانَ” مشتق من (شَطَنَ) بمعنى (بَعُد) أي: أنه بعيد عن الخير وبعيد عن طباع البشر فكل متمرد على عبادة ربه والانقياد له تعالى من الإنس أو الجن فهو شيطان. وقد ذكر القرآن الكريم أن هناك شياطين الإنس كما أن هناك شياطين الجن، فشياطين الجن يُجندون ويُسخرون شياطين الإنس ويوحون إليهم بمهام يقومون بها ليضمنوا بذلك نجاح مُهمتهم. فلو ظهر لنا الشيطان ليوسوس لنا لتجنبناه وفررنا منه؛ كونه العدو الذي حذرنا الله تعالى منه, لذلك هو يُسَخِّر شياطين الإنس ليقوموا بالمُهمة.

– قال تعالى: ” وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ”(الأنعام 112 )

– وقال تعالى: ” وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ” (الأنعام 121) – وقال تعالى: ” وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ” ( فصلت 29 ) .‏

ولذلك أمرنا الله أن نتعوذ به من الشياطين, قال تعالى : ” وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ  وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ {98}” ( المؤمنون 97- 98 ) . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله تعالى من شياطين الإنس والجن وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: ” أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فجلست فقال: ” يا أبا ذر هل صليت؟ قلت: لا ، قال: قم فصل، قال: فقمت فصليت ثم جلست فقال: يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن، قال: فقلت: يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال: نعم .. ” ( رواه أحمد) . وفي رواية: ” قال: نعم شر من شياطين الجن ” ( رواه ابن جرير ). وقال بعض السلف:     ” شياطين الإنس أشد من شياطين الجن، شيطان الجن يوسوس ولا تراه، وهذا يعاينك مُعاينة “.

فمن شياطين الإنس من يعملون تحت إمرة الشيطان الأكبر من جنسهم الذي يُجندهم ويُسَخِّرَهم لأداء مهمته التي وكله بها شيطان الجن الأكبر, فهم يقومون بنفس المهام لتنفيذ نفس الهدف وهو إغواء الناس وإضلالهم وصرفهم عن طريق ربهم.

وكما أن شياطين الجن لهم أصناف وأسماء ومهام فكذلك شياطين الإنس، فلا يغرنك أن هذا من عِلية القوم أو يشغل منصباً كبيراً أو من كبار الأثرياء أو المشاهير أو حتى من كبار العلماء فإنما هي مُسوحٌ وأقنعة يستترون خلفها لكي يؤدون مهام قد وكلوا بها من شيطانهم الأكبر حتى يقربهم منه وحتى يرضى عنهم ويلتزمهم قائلاً : ( نِعم أنت ) كما يفعل شيطان الجن .

دورنا تجاه شياطين الجن والإنس

بالنسبة لشياطين الجن فقد بيَّن لنا القرآن الكريم والسنة النبوية أن نستعيذ بالله تعالى منهم وأن نسد عليهم كل سُبُل الإغواء والضلال, بالإخلاص وحسن العبادة وفعل كل ما جاء في هذا الباب .

أما شياطين الإنس فيجب أن نفرق بين أئمة الضلال والغواية وبين من يتبعونهم من الضعفاء المهازيل. فأئمة الضلال والغواية ما لهم منا إلا أن نستعين بالله تعالى عليهم وأن نستعيذ به من شرهم ومكرهم وحِيلهم وتدبيرهم وألا نمالئهم ولا نركن إليهم بل نفضح أمرهم في كل المحافل وعلى كل المستويات ونحذر العباد من شرهم.

أما الأتباع الضعفاء المهازيل والمُغرَّر بهم  فلهم علينا واجب النصح والإرشاد والتوعية لكي نعذر أنفسنا أمام الله تعالى بدعوتهم فإن استجابوا فهم أخوة لنا وإن أعرضوا وتكبروا فهم وشياطينهم سواء .

رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون.

شاهد أيضاً

الدكتور يوسف القرضاوي: الاحتفال بمولد النبي والمناسبات الإسلامية

السؤال: ما حكم الاحتفال بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من المناسبات الإسلامية …