استلفت انتباهي من نتائج المؤشر العربي في دورة ٢٠٢٠/٢٠١٩ أنه برغم محاولات وصم الربيع العربي بأنه وراء كل معاناة المواطنين في المنطقة من تردي أوضاعهم الاقتصادية ،وعدم الاستقرار، والنازحين الذين يبلغ عددهم عشر ملايين ،والحروب الأهلية، إلى ما هنالك من مشكلات علي مدار العقد الماضي هي عمر هذا الربيع؛ فلايزال ٥٨٪؜ من الرأي العام العربي يري في الانتفاضات عملا إيجابيا وإن عاني من التعثرات، في مقابل ٢٨٪؜ فقط يرونه بشكل سلبي. ولقد ظل هذا النظر الايجابي قائما منذ ٢٠١١(كان ٥٩٪) ولم يتغير، والطريف أن هذه النسبة ترتفع بشكل ملفت في الأقاليم التي شهدت بلدانها حراكا ثوريا؛ فكان إقليم وادي النيل الأعلى في تقييمه الإيجابي للثورة 75% (تراوح ما بين إيجابي جدا وإيجابي إلى حد ما)، يليه إقليم المغرب العربي، والذي قيم 60% من مواطنيه الثورات بالإيجابية، وهو ما يشير إلى أن تقييمات الإقليمين يتخذ فيها ما يسمّى بالتيار العام المؤيد للثورات والاحتجاجات الشعبية مساحةً كبيرة.

دفعتني هذه الملاحظة لاختبار مدي واقعية مفهوم “النموذج الانتفاضي العربي”؛ ذلك المفهوم الذي صاغة الكاتب ليمكن من خلاله فهم وتفسير ديناميات الاحتجاج العربي التي استمرت على مدار العقد الماضي، ولا أظنها تنتهي وإن اتخذت أشكالا جديدة.

يعكس الربيع العربي – في موجتيه – تطلع الشعوب العربية وخاصة الفئات الشابة منها للحرية والعدالة الاجتماعية والحكم الرشيد، واحتجاج على الفساد وسوء توزيع الدخل. سردية الانتفاضات العربية – كما أظن – بحث عن عقد اجتماعي جديد يتم به إعادة بناء الدولة الوطنية بنخب جديدة، ويستند هذا العقد إلى مقومات ثلاثة: الحرية/الديموقراطية باعتبارها اسم جامع لكثير من القيم وفي مقدمتها التعددية، والعدالة الاجتماعية/التوزيع العادل للموارد والتي جعلت من أولوية المواطن العربي خطابات المعاش وليس جدالات الهوية، وتحرير الإرادة الوطنية من الهيمنة الإقليمية والدولية. هذا الحلم يكاد يكون عليه توافق من الطبقة الوسطي والطبقات الدنيا وبعض شرائح من الطبقة الوسطي العليا، لكن قوته المحركة أجيال جديدة من الشباب مع حضور نسائي ملحوظ.

بالطبع لا يمكن الحديث عن المنطقة العربية باعتبارها كلا واحدا – وإن ظل ٨١ ٪؜ من الجمهور العربي -وفق المؤشر العربي – يدرك أنهم أمة واحدة وإن تمايزت شعوبها؛ فأحد سمات النموذج الانتفاضي العربي أنه يعترف بالخصوصيات التي يعكسها التطور التاريخي وطبيعة الدولة وسمات المجتمع والوضع الجيوسياسي، لذا فقد أحسن المؤشر العربي حين استعرض بياناته فقسمها وفق أقاليم أربع (الخليج، والمغرب، والمشرق العربي، بالإضافة إلى وادي النيل) تتوزع عليها دول المنطقة. إلا أن هذه الخصوصيات لا تنفي المشتركات أو الأنماط العامة التي يمكن استخلاصها من البيانات.

من جدالات الهوية إلي خطاب المعاش

في الرأي العام العربي تتكامل ثلاث اتجاهات مع بعضها البعض لتبرز أولوية القضايا الحياتية المرتبطة بمستوى معيشة الناس وتقدمها على سائر افتراضات وخطابات النخب الرسمية وغير الرسمية، ويزعم كاتب السطور أنها تخلق نسيج متميز من الأولويات بإعادة رسم طبيعة العلاقات بينها.

يبرز الملمح الأول في موقف الرأي العام العربي من أسباب الثورات، فبرغم عدم القدرة على فصل الأسباب الاقتصادية عن تلك السياسية والاجتماعية والقيمية؛ إلا أن الأسباب الاقتصادية عند المبحوثين تظل لها الأولوية فيما يخص انطلاق الثورات: سيطرت أسباب الفساد (31%) والأوضاع الاقتصادية السيئة (16%) على أعلى درجات دوافع للثورات، وبلغ مجموعها 47% من إجمالي أسباب الثورة. وإذا أضيفت إليها أهداف إنهاء الظلم وتحقيق العدل والمساواة والكرامة فستصل إلى 60%؛ ما يعني غلبة قضايا اقتصادية واجتماعية وقيمية على أسباب الثورة ومطالبها، بجانب الأسباب السياسية مثل إنهاء الديكتاتورية (16%)، وتحقيق الديمقراطية (3%) وانتزاع الحريات (6%)، أي أن المطالب السياسية تبلغ الربع من أسباب الثورة.

ويتضافر مع ذلك أن الكتلة الأكبر (57%) قالت إن أولوياتهم اقتصادية، إذ ذكر ما يزيد على نصف المواطنين أن البطالة، وارتفاع الأسعار، وسوء الأوضاع الاقتصادية، والفقر، هي أهم التحديات التي تواجه بلدهم، وتزداد هذه النسبة لتصل إلى قرب الثلاثة أرباع (٧٢٪؜) إذا اضيفت إليها نسبة (١٦٪؜) أولويات متعلقة بأداء الحكومات وسياساتها، مثل ضعف الخدمات العامة، والفساد المالي والإداري، والحكم وسياساته، والانتقال الديمقراطي، وهي مشكلات تقع في إطار أوضاع المعاش اليومي وإن تعلق جزء منها بسياسات الحكم في البلدان العربية.

وتعزز هذه الأولوية إدراك المواطنين العرب لمستوي معيشتهم فقد أفاد 27% من الرأي العام العربي، وفق العينة، أن دخل أسرهم يكفي نفقات احتياجاتهم الأساسية، ويستطيعون أن يوفّروا منه (أسر الوفر)، والتي تتركز أساسا في إقليم الخليج العربي، بينما قال ٤٣٪؜ إن دخل أسرهم يغطي احتياجاتهم، ولا يستطيعون أن يوفّروا منه (أسر الكفاف)، وهي الأسر المرشحة لأن تكون – مع أية تطورات – ضمن الفئة الثالثة؛ التي تبلغ نسبتهم ٢٦٪؜ من المستجيبين؛ الذين أفادوا أن أسرهم تعيش في حالة حاجة وعوز؛ حيث دخولهم لا تغطي نفقات احتياجاتهم الأساسية. وثمة فجوة – بالطبع – بين دول الخليج وبقية الدول (ولا سيما المشرق العربي) في نسبة أسر العوز. وقد انعكست هذه الأوضاع الاقتصادية في رغبة قرابة الربع (٢٢٪؜) من العرب في الهجرة، والدافع لدى أكثريتهم هو تحسين الوضع الاقتصادي.

الملمح الثاني الذي يتكامل مع سابقه هو انقسام الرأي العام العربي حول مسألة فصل الدين عن السياسة بما يحمل امكانية حدوث استقطابات حول هذه القضايا أو بالأحرى توظيفات سياسية لها؛ إذ أيد ٤٩٪؜ من المستجيبون الفصل في حين عارض ٤٤٪؜ هذه المقولة، وبرغم ذلك يلاحظ وجود أغلبية من تيار عام “معتدل” يرسم ملامح علاقة الدين بالحياة العامة؛ ففي تعريف المواطنين لمستوي تدينهم أفاد ما يقارب الثلثين(٦٣٪؜) بأنهم متدينون إلي حد ما، في مقابل ربع المستجيبين تقريبا( ٢٣٪؜) الذين أفادوا بأنهم متدينون جدا، و١٢٪؜ قالوا أنهم غير متدينين.

ويلاحظ أن سمات هذا التدين منفتحة على الآخر رافضة التكفير؛ فأغلبية العرب ترفض مقولة أن كل شخص غير متدين هو شخص سيئ، كما ترفض تكفير الذين ينتمون إلى أديان أخري (٦٥٪؜)، أو الذين لديهم وجهات نظر مختلفة في تفسير الدين، كما عبرت أغلبية (٦٢٪؜) أنها لا تتعامل مع الناس على أساس تدينهم من عدمه، فيما أفاد ٣٠٪؜ بأنهم يفضلون التعامل مع أناس متدينون.

وترفض أغلبية الرأي العام أن يؤثر رجال/شيوخ الدين في قرارات الحكومة أو في كيفية تصويت الناخبين، كما أن الأكثرية (٧١٪؜) ترفض أن تقوم الدولة باستخدام الدين للحصول على تأييد الناس لسياساتها، وترفض أيضا أن يستخدم المرشحون في الانتخابات الدين من أجل كسب أصوات الناخبين.

الملمح الثالث الذي يشكل سمة خطاب المعاش يتعلق بخطابات تستخدم من أطراف عدة للتغطية عليه؛ وهي تستند إلي التخويف من هذه الانتفاضات، و تدور حول الأمن والاستقرار بالإضافة إلي محاربة الارهاب؛ فحوالي١٠٪؜ فقط من المستجيبين أفادوا أن أولوياتهم مرتبطة بقضايا متعلقة بالأمن والأمان والاستقرار السياسي، واحتل الارهاب نسبة ١٤٪؜ فقط من التهديدات التي تمثل أولوية أولى للفرد، في حين تقدمت المخدرات بنسبة ١٨٪؜ عليه، وتوزعت نسبة الثلثين الباقية (٦٨٪) علي مروحة متسعة من التهديدات التي تشمل المخاطر الخارجية أو التدخلات الخارجية(١٠٪؜)، والجريمة(٦٪؜)، والفجوة بين الأغنياء والفقراء التي احتلت نسبة ٩٪؜ كأولوية أولي في التهديدات المباشرة للفرد، وشح المياه(٨٪؜).

وفي حين ركز الرأي العام في كل أقاليم المنطقة العربية على المخدرات كتهديد أول للفرد، ركز مستجيبو المشرق والمغرب العربي على هذا التهديد بنسب أكبر من أقاليم أخرى. كما ركز مستجيبو المشرق العربي على عدم الاستقرار السياسي والمخاطر الخارجية والفجوة بين الفقراء والأغنياء.

الحرية /الديموقراطية

وفق بيانات المؤشر العربي فإن تأييد أغلبية كبيرة تصل إلى الثلاثة أرباع محسومة للنظام الديموقراطي وتعده ملائما لبلدانهم، كما ترفض أغلبية الرأي العام النظام السلطوي، والملفت في هذا الصدد هو التعريف الذي يقدمه الجمهور العربي للديموقراطية وعدم إقامته معارضة بينها وبين الإسلام -كما تري بعض الحركات الإسلامية والنخب العلمانية، بالإضافة إلى رفضه لأي اقصاء في الحياة السياسية.

فقد أيد الرأي العام العربي النظام الديمقراطي بنسبة 76%، مقابل معارضة 17% فقط؛ وبرغم أن التأييد للديمقراطية متقارب في أقاليم المنطقة العربية، فقد كانت أعلى نسب التأييد في منطقتي المشرق والمغرب. وترفض أغلبية الرأي العام نظام الحكم السلطوي، ونظاما سياسيًا يتولى فيه الحكم العسكريون، والأنظمة التنافسية التي تقتصر على أحزاب بعينها (سواء أكانت هذه الأحزاب دينية أم غير دينية)، وكذلك النظام القائم على الشريعة من دون انتخابات وأحزاب سياسية ؛ فنتائج المؤشر العربي لعام ١٠١٨/٢٠١٧ تشير إلي أن نحو ثلاثة أرباع المستجيبين (72%) عبرت عن معارضتها لمقولة “إن النظام الديموقراطي يتعارض مع الإسلام” مقابل تأييد ١٨٪؜ فقط لهذه المقولة، وكان هذا الرفض في بعض البلدان أعلى منه في الأخرى؛ إذ إن أكثر من ثلاثة أرباع مستجيبي الأردن، والكويت، ولبنان أفادوا أنهم يرفضون هذه المقولة.

يلاحظ أن الرأي العام العربي منذ استطلاع ٢٠١٣/٢٠١٢ وبنسب متقاربة يحافظ على رفض مقولة تعارض الإسلام مع الديموقراطية؛ فعلي مدار عقد – هي عمر المؤشر تقريبا – فإن نسبة من يقبل هذه المقولة تدور حول الخمس تقريبا (كانت ٢١٪؜ في استطلاع ٢٠١٤، و٢٠٪؜ في استطلاع ٢٠١٥، و٢٢٪؜ في استطلاع ٢٠١٦).

كما يلاحظ أن ٨٩٪؜ من مواطني المنطقة العربيّة قادرون على تقديم تعريف ذي محتوى للديمقراطية؛ فـ ٣٩٪؜ منهم عرف الديمقراطية بأنّها ضمان الحريات السياسيّة والمدنيّة، وأفاد 20% أن الديمقراطيّة هي ضمان المساواة والعدل بين المواطنين، وركز ١٢٪؜ على المشاركة والجانب المؤسسي للنظام الديمقراطي (تداول السلطة والرقابة والفصل بين السلطات)، وعرف ٦٪؜ الديمقراطية بأنها ضمان الأمن والاستقرار، وعرف ٧٪؜ بأنها تحسين الأوضاع الاقتصاديّة.

وحول عدم إقصاء أحد القوي من النظام السياسي فإن 27% من المستجيبين يرون أن النظام السياسي الذي يقتصر على تنافس الأحزاب الإسلامية فقط هو “ملائم جًّدا”، أو “ملائم إلى حد ما”. في حين أفاد 64% من الرأي العام في المنطقة العربية أن مثل هذا النظام “غير ملائم إلى حد ما” أو “غير ملائم على الإطلاق” ليطبَّق في بلدانهم، في حين قال أكثر من ثلثي المستجيبين (71%) أن نظاما سياسيا يقتصر التنافس فيه على أحزاب غير دينية “غير ملائم إلى حد ما” أو “غير ملائم على الإطلاق”.

أما على صعيد مدى ملاءمة نظام محكوم بالشريعة الإسلامية من دون وجود انتخابات أو أحزاب سياسية، فقد رأي ٣٠٪؜ فقط أن هذا النظام ملائم جدا أو ملائم إلى حد ما، في مقابل ٦٠٪ رأوا أنه غير ملائم إلى حد ما أو علي الإطلاق. ؜

أما على صعيد مدى ملاءمة نظام حكم غير ديموقراطي لا يأبه بالتعددية السياسية، حتى إن أجرى انتخابات شكلية، فقد رأت ثلاثة أرباع الرأي العام بنسبة 74% أنه “غير ملائم إلى حد ما” أو “غير ملائم على الإطلاق”؛ مقابل 15% قالوا إنه “ملائم جًّدا”، أو “ملائم إلى حد ما”.

وهذا يثبت أننا حاليا بإزاء توجه عام بين الرأي العام العربي يؤمن بالديموقراطية ويدرك أبعادها المتسعة وهو من الوضوح والاتساع ليصل إلى ثلاثة الأرباع، والأهم أنه يراها نظاما لا يقصي أحدًا ويتسم بالاستيعابية.

حضور ملحوظ للمرأة لم يترجم لواقع بعد

وفق بيانات الباروميتر العربي، فإن أغلب المبحوثين في المنطقة يعتقد أنه يجب أن يكون للنساء نفس الحقوق المكفولة للرجال في مجالات متعددة، منها الحصول على التعليم الجامعي (٧٥ ٪؜)والعمل (٨٤٪؜)، وشغل المناصب السياسية (٦٢٪؜)، إلا أنه وبرغم الدعم العريض لحقوق النساء، فالأغلبية في بلدان عربية عديدة تفضل الحد من الأدوار التي تشغلها النساء في المجتمع: فعلى سبيل المثال، يعتقد الثلث بأن النساء يتمتعن بنفس الفعالية التي يتمتع بها الرجال في المناصب القيادية العامة. ويعتقد ستة من كل عشرة أشخاص بأنه يجب أن يكون للزوج الكلمة الأخيرة في صناعة القرارات الخاصة بالأسرة.

ومن غير المثير للدهشة أن الرجال بشكل عام كانوا أقل دعما لحقوق النساء وأكثر محدودية في تصورهم للأدوار التي يرونها مرغوبة للنساء. كما أن المواطنين الأقل نصيبا من التعليم كانوا في أغلب الحالات يعتنقون آراء أقل تفضيلا للمساواة، ما يظهر أنه مع ارتفاع مستوى التعليم في المنطقة، قد تتغير السلوكيات إزاء النساء أيضا.

وإجمالا، تظهر هذه النتائج الخاصة باستطلاعات الرأي العام على المستوى القطري التي نفذها الباروميتر العربي أن هناك حاجة إلى تحسين حالة المساواة للنساء، بما يتجاوز ضمان المساواة في الحقوق، إلى التركيز على تغيير الآراء إزاء الأدوار التي يجب أن تشغلها النساء في المجتمع.

هذه النتيجة تبرز أحد تناقضات الربيع العربي، فبرغم تقدم النساء الصفوف في هذه الاحتجاجات مع طرح اقترابات مواطنية تتجاوز ثنائية الذكر/الأنثى التي حكمت الحركات النسوية التقليدية أو التيار السائد في الحركات الإسلامية؛ برغم ذلك كله فإن وضعية النساء في المجال العام تحتاج إلى مزيد من التعزيز، وعلى ما يبدو أن المحافظة الاجتماعية قد تفوقت حتى الآن على النموذج الانتفاضي العربي.

الاستقلال الوطني

من سمات السياسة في حقبة الربيع العربي هو زيادة التدخلات الخارجية في صنع السياسة علي المستوي الوطني، لكن يلاحظ من خلال بيانات المؤشر العربي ٢٠٢٠/٢٠١٩ رفض واضح لسياسات المحاور التي هيمنت علي المنطقة خلال الفترة الماضية برغم ما يبدو في أحيان من انقسام حول تأثير سياسات أحد الدول علي أوضاع المنطقة، كما يلاحظ أنه برغم تصاعد عدم الاستقرار والحروب الأهلية في ثلاث بلدان علي الأقل في المنطقة فلايزال يوافق 66% من الرأي العام العربي على أن إسرائيل والولايات المتّحدة مجتمعتين هما الدولتان الأكثر تهديدًا لأمن الوطن العربي، بينما جاءت في المرتبة الثالثة إيران بنسبة 12%. ويلاحظ أن مستجيبي المغرب العربي هم الأعلى نسبة من حيث إيراد إسرائيل كأكثر دولة تهديدًا لأمن الوطن العربي، فيما كان مستجيبو المشرق العربي الأعلى نسبة في ذكر الولايات المتحدة بهذا الشأن.

أما كيف يقيّم العرب سياسات القوى الدولية والإقليمية؛ فيكاد يكون هناك اجماع على أن السياسات الأميركية والروسية والإيرانية سياسات سلبية تجاه البلدان العربية، في حين ينقسم الرأي العام بشأن السياسات التركية والفرنسية، فيما يري السياسات الألمانية، والصينية، أكثر إيجابية من القوى الدولية والإقليمية الأخرى.

ويلاحظ أن الرأي العام العربي منقسم حول سياسات تركيا نحو فلسطين، فقد رأي بأنها إيجابية بنسبة 42% وسلبية بنسبة 41%، وقيّم 38% من المستجيبين سياساتها نحو سورية بالإيجابية، مقابل 46% قيّموها بالسلبية، في حين أن ٤٢٪؜ وصفوا السياسات التركية نحو ليبيا بالسلبية.

وإذا كان الرأي العام العربي منقسم حول سياسات تركيا لكنه متوافق حول سياسات الولايات المتحدة، فـ 81% من الرأي العام يراها سيئة أو سيئة جدًا تجاه فلسطين، وكذلك 77% تجاه سورية، و74% نحو اليمن، و70% نحو ليبيا، في حين قيم ٦٠٪؜ من الرأي العام العربي السياسات الروسية بالسلبية نحو فلسطين وسوريا واليمن، وتَوافق على ذلك نحو 47% فيما يتعلق بسياسات روسيا نحو ليبيا.

كما وصف أكثر من نصف الرأي العام السياسات الإيرانية تجاه سورية واليمن وفلسطين بأنها سلبية، وقد سئل المستجيبون عن مدى تهديد سياسات بعض القوى لأمن المنطقة واستقرارها، وأظهرت النتائج أن الرأي العام متوافق بما يقارب الإجماع، وبنسبة 89%، على أن سياسات إسرائيل تهدّد أمن المنطقة العربية واستقرارها. كما توافق 81% من الرأي العام على أن السياسات الأميركية تهدّد أمن المنطقة واستقرارها، كما عبّر 67% من المستجيبين عن اعتقادهم بأن السياسات الإيرانية تهدّد أمن المنطقة واستقرارها، بينما كانت النسبة 55% فيما يتعلق بالسياسات الروسية، و43% بالنسبة إلى السياسات الفرنسية، و٣٤٪؜ للسياسة التركية.

وعلي ما يبدو وفق البيانات السابقة فإن الوعي العربي بات رافضا لصيغة التدخلات الخارجية والمحاور الاقليمية التي ثبت فشلها، وأصبح أكثر وعيا بضرورة تجاوزها، وذلك لأنها:

أنتجت حتى الآن ثلاثة حروب أهلية على الاقل، واستقطابات مدنية داخل عديد من البلدان.

لم يستطع أحدها أن يحسم الصراع لصالحه في أي مكان، ولن يستطيع لأن توازنات القوي الدولية تحول دون ذلك، وليبيا وسوريا واليمن أمثلة لذلك.

أدت إلى إضعاف قوي المنطقة وامكانياتها لصالح المشروع الصهيوني كما ظهر جليا الآن في مشاريع التطبيع.

أن سياسات المحاور الإقليمية ليست بعيدة عن صراعات القوي الكبري، فقد تحولت المنطقة بشكل متزايد إلي رهينة للصراعات بين واشنطن وموسكو، وبين واشنطن وبكين، خاصة أن بعض هذه القوي تتعامل مع المحاور الاقليمية بمنطق “أمطري حيث تمطري فسيأتيني خراجك” – انظر مثالا لما تفعله الولايات المتحدة مع الأزمة الخليجية، أو ما تفعله مع تركيا في ليبيا لتوازن الوجود الروسي.

أن الشعوب من تدفع ثمن ذلك كله من قتلي وجرحي ولاجئين وفقر وعدم تنمية.

أن المستفيد الأول من ذلك كله الاستبداد؛ إذ زاد المنزع الاستبدادي تصاعد في دول المنطقة جميعا، وتراجعت مؤشرات الديمقراطية في دولة كتركيا كانت تجربتها واعدة في هذا المسار.

وهكذا أصبحت التناحـرات بيـن دول المنطقـة فـي الوقـت الحالــي لعبــة ذات محصلــة صفريــة بيــن الجهــات الفاعلــة الرئيســة. كمــا صار إنشـاء نظام للأمن الجماعي أمرًا بعيـد المنـال، حيـث يشـارك الخصـوم بنشـاط فـي جهـود تغييـر الأنظمـة والتدميـر المتبـادل؛ علاوة علـى ذلـك بمجـرد أن يواجـه أحـد الأنظمـة تحديا مـا فإنـه يعمـل بشـكل تلقائـي علـى إثـارة النعـرات الطائفيـة لتعزيـز قواعـد دعمـه، بما يـؤدي إلى خلـق دائـرة مـن العنـف غيـر المنتهـي. وبالتالـي فإنه مـع تصاعـد التنافـس السياسـي إلـى مواجهـات عسـكرية وصراعـات أهليـة فـإن العنـف غيـر المقيـد سـيدمر كل احتمـالات التسـوية.

حدود النموذج الانتفاضي في الواقع

يعتبر الانتماء للكيانات السياسية بالوطن العربي هو الاستثناء، على الرغم مما سمحت به الثورات من انفتاح المجال العام، إلا أن ضعف البنى السياسية والنقابية في توسيع أطر حركتها لم يسمح بتحقيق مشاركة تتصف بالحيوية والتوسع، بل انحسرت مع انحصار موجة الثورات، وعادت إلى مستوى أقل. يوضح مؤشر قياس المشاركة السياسية بالمؤشر العربي أن غير المنتسبين لتيارات سياسية وفكرية، ولا يرون أن هناك تيارات سياسية تمثلهم، يشكلون (61%). ويمكن هنا ربط المؤشر السابق بمؤشّر قياس نسبة المهتمين بالشأن السياسي، والذي أظهر أن 42% يهتمون بالشأن السياسي من بينهم 12% مهتمون جدا، و30% مهتمون.

كما يدل مؤشّر ثقة المواطنين بالأحزاب السياسية على ضعف الأحزاب والمنظومة السياسية عموما. أظهر إقليم المشرق العربي أن 55% من المواطنين لا يثقون بشكل مطلق بالأحزاب والتيارات السياسية، وهي النسبة الأعلى في أقاليم الوطن العربي، بينما كان المعدل العام يشير إلى أن 43% من المستجيبين لا يثقون بها على الإطلاق، و24% لا يثقون إلى حدّ ما، بينما الذين يثقون بالأحزاب والتيارات السياسية كانت نسبتهم 27%، منهم 5% فحسب، لديهم ثقة كبيرة بالتيارات السياسية و22% يثقون إلى حد ما.

ويفاقم الأمر مؤشر انخراط المواطنين في منظمات مدنيّة وأهلية طوعيّة؛ فهو منخفض في المنطقة العربيّة، ولا تتجاوز ١٥٪؜ وتصبح النسب أقل من ذلك، إذا أخذنا في الاعتبار مدى مشاركة المستجيبين في الهيئات التي أفادوا أنهم ينتسبون إليها.

كما يلاحظ أن تأييد الثورات ليس شرطا للمشاركة في فاعليتها، كما ليس بالضرورة أن يكون تأييد الحراك مشمولا بالمشاركة فيه، وهذا ما تشير إليه قراءة الفروق بين نسبة المؤيدين والداعمين للحراك ونسبة المشاركين في المشهد الاحتجاجي، أي أننا يمكن أن نستنتج أن المشاركة في الأعمال الاحتجاجية من تظاهراتٍ واعتصاماتٍ وإضراباتٍ ومواجهاتٍ محكومة بعوامل عدة، منها القدرة على المشاركة في أماكن الاحتجاج، وتناسب أشكال الاحتجاج مع جمهور الثورة وقواها الاجتماعية المؤيدة لها، غير نسب الانتماء سياسيا ومدى العلاقة والقرب من شبكات التعبئة للاحتجاج، غير طبيعة مناطق وبؤر الاحتجاج، وما يتعلق بإمكانات المشاركة النشطة جغرافيا وثقافيا وعمريا وديمغرافيا، أي أن تأييد الحراك ليس شرطا وحيدا للمشاركة في فاعلياته، فعلى الرغم من التأييد العام للثورة السودانية (٨٥٪؜)، إلا أن هناك 37% هم من شاركوا فعليا في الاحتجاج؛ وهي أعلي نسبة للمشاركة. وفي العراق شارك 15% من ضمن المستجيبين للاستطلاع، على الرغم من أن الحراك أيده 82% من المواطنين، وفي الجزائر كانت نسبة التأييد ٧١٪؜ في حين شارك في الاحتجاجات ٢٧٪؜ فقط، أما لبنان فقد كانت نسبة التأييد ٦٧٪؜ في حين شارك فيها ٢٠٪؜ فقط.

هذه المؤشرات جميعا تطرح عديد الأسئلة فيما يخص حدود وامكانية تجذر النموذج الانتفاضي في الواقع، فلاتزال البنية السياسية غير قادرة على ترجمة الاتجاهات التي استقرت للرأي العام العربي إلي واقع ملموس، ويزعم كاتب هذه السطور أن هذه الفجوة لا يمكن تجاوزها إلا بتجديد يطال كلا من الكيانات السياسية جميعا وإلا فإن المأزق العربي الذي أظهرته هذه الانتفاضات المباركة سيظل قائما إلي حين.

(نقلا عن مركز الشرق للابحاث الاستراتيجية)