هل تستغل مصر حرب “تيجراي” الإثيوبية لضرب السد مباشرة أو سراً؟


في يوليو الماضي 2020م، انتقدت السلطات المصرية حديث وسائل الإعلام عن عمل عسكري محتمل بسبب سد النهضة، وأعلنت بوضوح رفضها التهديد بحرب ضد إثيوبيا، مؤكدة أن بلادها حريصة على التعامل مع أزمة سد النهضة من خلال التفاوض وليس الخيار العسكري.

إلا أن نيران الحرب الاهلية المتصاعدة بين حكومة أثيوبيا الفيدرالية وإقليم تيجراي، التي امتد شررها الى أريتريا بقصف مطارها وقواعد بها، والسودان بتدفق الاف اللاجئين، ووصول القصف لمناطق قريبة من سد “تنكزي”، طرح تساؤلات بين المصريين قبل غيرهم حول احتمالات أن تستغل السلطات فوضى اثيوبيا وتقوم بتوجيه ضربة للسد الاثيوبي تعرقل عمله لإجبارها على التفاوض، مثلما فعلت هي واستغلت فوضى مصر خلال ثورة 25 يناير 2011م وقامت ببناء السد وترفض الالتزام بأي اتفاقيات بشأنه.

وساهمت سلسلة تطورات وقعت مؤخراً في تعزيز الحديث عن عمل عسكري مصري محتمل ضد السد، سواء بضربة مباشرة علنية أو عمل استخباري عسكري سري يمكن رصدها فيما يلي:

  1. زيارة وزير الدفاع السوداني (رئيس مجلس السيادة) عبد الفتاح البرهان المفاجئة و”العاجلة” – كما وصفت -للقاهرة يوم 27 أكتوبر 2020م، ومعه رئيس المخابرات العامة السودانية الفريق ركن جمال الدين، وهي زيارة أكد “المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية”، القريب من دوائر صنع القرار بمصر، أنها “تتزامن هذه الزيارة العاجلة مع مجموعة من المستجدات الداخلية والإقليمية، التي في إطارها تتلاقى مصالح البلدين الاستراتيجية”، ومنها مفاوضات سدّ النهضة.
  2. زيارة رئيس الأركان المصري للسودان أول نوفمبر الجاري (على رأس وفد رفيع المستوى ضم قادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة المصرية)، والاتفاق على “تكثيف التعاون في مجالات التدريب وتبادل الخبرات وتأمين الحدود ومكافحة الإرهاب”، والحديث عن أن “المباحثات استهدفت الإجراءات التنفيذية لنتائج زيارة الفريق عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة”، و”توافق القيادتين المصرية والسودانية حول ضرورة الإسراع بتطوير مجالات التعاون العسكري والأمني بما يعزز قدرات الجانبين على مواجهة التحديات لأمنهما القومي ومصالحهما المشتركة”.
  3. إعلان مصر والسودان 14 نوفمبر 2020م إجراء مناورات عسكرية بالتزامن مع تصاعد الحرب في إقليم تيجراي بشمال إثيوبيا، تضمنت إجراء كل من الخرطوم والقاهرة مناورات جوية مشتركة قرب قاعدة مروي الجوية السودانية في شمال البلاد، ووصول مقاتلات MiG-29M المصرية، ما يثير تساؤلات حول احتمالات تدخل مصر والسودان في أزمة تيجراي، أو استغلالها في التنسيق المشترك لتحقيق مكاسب (دبلوماسية أو عسكرية) في ملف سد النهضة.
  4. نشر موقع (القاهرة 24) القريب من الدوائر العسكرية بمصر تقريرا بعنوان: “هل تضرب تيجراي سد النهضة ردا على ضرب إثيوبيا محطة كهرباء سد تكيزي)، يبدو من سياقه كأن القاهرة ترتب لتوجيه عمل عسكري استخباري ضد سد النهضة بشكل سري، حسبما قال نشطاء على مواقع التواصل، بحيث يبدو القصف كأنه عمل عسكري أثيوبي داخلي أو ضربة من جانب متمردي أقليم تجراي لسد النهضة ردا على ما قيل عن قصف اثيوبيا سد تنكيزي ومحطة الكهرباء الملحقة به ما أدي لقطع التيار عن الإقليم.

سيناريوهات محتملة

برغم توقع مراقبين ألا تُقدم مصر على أي عمل سواء ضد سد النهضة أو فيما يتعلق باستغلال ما يجري في إقليم تيجراي، وتوقع فريق ثان من المراقبين أن يكون أي تدخل مصري في أزمة تيغراي عن طريق إمداد الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي بالسلاح أو سماح السودان، على الأقل، بوصول الإمداد للإقليم المحاصَر من قِبل إثيوبيا وأريتريا، وليس عبر تدخل عسكري مباشر، إلا أن فريق ثالث يرى أن سلسلة التطورات الاربعة السابقة، والشماتة التي أبداها الاعلام المصري الرسمي فيما يجري في اثيوبيا من حرب أهلية، مؤشر على تحرك مصري ما ربما يكون ضرب سد النهضة لتعطيله واجبار اثيوبيا على العودة للتفاوض.

بل ويرى نشطاء ومحللون على مواقع التواصل أن فرصة القاهرة الوحيدة الان هي استغلال أوضاع اثيوبيا (كما استغلت هي أوضاع مصر عام 2011). فهناك احتمالات قوية لتدخل مصر والسودان في أزمة تيجراي وربما سد النهضة بعد مراوغات رئيس وزراء إثيوبيا، آبي أحمد، في ملف سد النهضة، والتي انتهت ببدء إثيوبيا ملء السد رغم أنف القاهرة التي اعتبرت هذا خطا أحمرا ولكن أديس أبابا تجاوزته.

إلا أنه ليست هناك تقارير من إثيوبيا أو مصر عن هذا التدخل حتى الآن، رغم أن الإعلام المصري شبه الرسمي (والذي يكون عادةً أكثر تعبيراً عن حقيقة التوجهات الحكومية المصرية أكثر من الإعلام الرسمي) أبدى شماتة في إثيوبيا.

لهذا يبدو التدخل المصري (بتنسيق مع السودان) سيدور حول ثلاثة سيناريوهات:

(السيناريو الاول): التدخل المباشر بضربة عسكرية

وهو سيناريو تعززه تحركات مصرية سابقة لإنشاء قواعد عسكرية بالقرب من اثيوبيا كما هو الحال بالنسبة لأرض الصومال الجديد وجنوب السودان، والتي رغم نفيها، إلا أنها أقلقت اثيوبيا وتحركت للتصدي لها.

كما تعززه التدريبات والمناورات المصرية السودانية المشتركة في قاعدة مروي التي تعد أقرب نقطة عسكرية سودانية لسد النهضة حال ضربه بطائرات ميج 29 التي تشارك في تدريبات السودان، فضلا عن أن المسافة بين قاعدة برنيس المصرية وسد النهضة 1400 كم ومدي طيران الرافال الفرنسية حوالي 3200 كم وتستطيع اصابه أهدافها بدقه من مسافة 300كم.

وسبق ان ناقشت حكومة الرئيس الراحل محمد مرسي صراحة قصف السد، بينما اتخذت الحكومة الحالية موقفاً أكثر ليونة تجاه إثيوبيا، حسب موقع INTERNATIONAL POLICY DIGEST الأمريكي.

وسبق أن توقعت وكالة المخابرات المركزية في عام 2001م أن النزاعات على المياه ستشكل تحدياً كبيراً للأمن الدولي في العقود القادمة، معتبرة أن الأزمات المتعلقة بنهر النيل باعتبارها واحدة من أكثر النقاط الساخنة المحتملة لحروب المياه.

ولم يستبعد خبراء احتمال ان تكون مصر ابلغت أمريكا سرا، انها ستضرب السد بالفعل في نهاية المطاف، ولكن تصريح ترمب فضح ذلك، وعطل الضربة المصرية (أثيوبيا أعلنت تقوية سلاحها الجوي والدفاع الجوي ومنعت الطيران فقط السد)، والان بات الطريق ممهدا أكثر مع انشغال اديس ابابا بحروبها الداخلية.

وكان ترمب قال: “كان ينبغي عليهم إيقافه قبل وقتٍ طويل من بدايته”، مبدياً أسفه لأن مصر كانت تشهد اضطراباً داخلياً عندما بدأ مشروع سدّ النهضة الإثيوبي عام 2011م.

ومطلع أكتوبر 2020م، أعلن رئيس هيئة الطيران المدني الإثيوبية حظر الطيران فوق سد النهضة على النيل الأزرق لاعتبارات أمنية ما اعتبره مراقبون استعدادا وتحسبا لعمل عسكري محتمل مستقبلا ضد السد.

(السيناريو الثاني): التدخل بضربة عسكرية غير مباشرة أو تخريب للسد

والفكرة هنا تتعلق بتكهنات أن تقوم مصر بعمل استخباري سبق ان برعت فيه المخابرات المصرية حين دمرت الحفار “الاسرائيلي” والذي كان يتجه لحفر في سيناء وقت احتلالها لاستخراج النفط، أثناء توقفه في أبيدجان عاصمة ساحل العاج أثناء رحلته من كندا إلى “إسرائيل”، في 8 مارس 1970م.

وقد كشفت برقية للسفارة الأمريكية تعود إلى عام 2010م، نشرها موقع “ويكيليكس” لاحقاً، أنَّ المصريين فجَّروا معدات كانت في طريقها إلى إثيوبيا في منتصف السبعينيات.

وسبق أن قال ديفيد هيرست، رئيس تحرير موقع Middle East Eye البريطاني إن مصدراً وصفه الأمريكيون بأنه موثوق للغاية، والذي كان على تواصل مع حسني مبارك ومدير الاستخبارات العسكرية المصرية الراحل عمر سليمان، قد قال للأمريكيين: “لن تكون هناك أي حرب، إذا وصل الأمر إلى أزمة، فسوف نرسل طائرة لتُفجر السد وتعود في اليوم نفسه، بكل بساطة”

وأضاف: “أو يمكننا إرسال قواتنا الخاصة؛ لتخريب السد، لكننا لن نلجأ إلى الخيار العسكري الآن، هذا مجرد تخطيط طوارئ، انظر للوراء إلى عملية نفذتها مصر في منتصف السبعينيات، أعتقد في عام 1976م، عندما كانت إثيوبيا تحاول بناء سد ضخم. فجَرنا المعدات بينما كانت تُنقل إلى إثيوبيا عبر البحر، إنها دراسة حالة مفيدة”.

وضمن هذا السيناريو يتوقع البعض القيام بعمل عسكري دون الاعلان عنه وترويج انه رد من اقليم تيجراي على حكومة اديس ابابا لضربها سد تكيزي.

وحول هذا الاحتمال، يقول د.عباس شراقي أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية في جامعة القاهرة: إن هدف قومية التيجراي بإطلاق صواريخ مداها 300 كم، ليس له مبرر سوى الضغط على الحكومة الفدرالية التي يترأسها آبي أحمد لإنهاء الحرب.

وأضاف في تصريح صحفي أن حكومة التيجراي، أعلنت منذ أيام قيام الحكومة الفدرالية بضرب محطة الكهرباء لسد تكيزي وهذا السد على حدود الأمهرة والتيجراي، لكن محطة الكهرباء التابعة له توجد في منطقة التيجراي وأدى هذا إلى توقف الكهرباء تماما وإغلاق الطرق.

وأشار إلى تخوفه من تهور الحكومة الفدرالية وقيامها بضرب سد تكيزي الذي يعد بمثابة انتحار وتدمير شامل لإقليم تيجراي وشرق السودان، لأن هذا السد يُخزن حوالي 9 مليار متر مكعب، مضيفا أن قيام إقليم تيجراي بضرب سد النهضة يعد فقدانا للعقل لأن هذا بمثابة تدمير لبلادهم.

ونفت إثيوبيا رسمياً مسألة قصف سد تيكيزي على نهر ستيت (منابع عطبرة)، بعد اتهامات جبهة تحرير تيجراي للجيش الفيدرالي الإثيوبي بقصف السد.

ولفت شراقي، إلى أن الحرب الأهلية الدائرة في إثيوبيا لها تأثير على مفاوضات سد النهضة، أقلها تأجيل المفاوضات وتعطيلها، موضحًا أن هذه ليست المرة الأولى التي تم تأجيل المفاوضات فيها.

(السيناريو الثالث): التدخل في صراع اقليم تيجراي لإضعاف حكومة اثيوبيا وإجبار آبي أحمد علي التفاوض والتخلي عن صلف التعامل مع ملف سد النهضة وقبول شروط مصر والسودان

ويعيب هذا السيناريو أن محاولات القاهرة للتدخل في أزمة تيجراي، تواجه صعوبات تتعلق بالمسافة الجغرافية وبنقص خبراتها في مثل هذه العمليات، والأهم تقلبات حلفائها المفترضين، بما فيهم اريتريا.

كما أن أي تدخُل مصري في أزمة تيجراي سوف يكون في الأغلب، عبر تقديم السلاح والإمدادات عبر الحدود السودانية، في ضوء أن الإقليم محاَصر من إثيوبيا وإريتريا، ولكن يصعب أن يكون تدخلاً بالقتال أو القصف لأن ذلك يحرج القاهرة، ويزيد التفات الشعب الإثيوبي حول آبي أحمد.

وتواجه القاهرة هنا مشكلة ربما عدم رغبة السودان في التدخل في ازمة اثيوبيا، بسبب الوضع الهش في السودان، فالأوامر الصادرة للجيش السوداني هي الوقوف على الحياد، حسبما ذكرت مصادر سودانية لمجلة فورين بوليسي الأمريكية.


Comments

comments

شاهد أيضاً

العفو الدولية: الارتفاع المروع في إعدامات مصر يكشف عمق أزمة حقوق الإنسان

قالت منظمة العفو الدولية إنه في أكتوبر ونوفمبر 2020 فقط، أعدمت السلطات المصرية ما لا …