هل كانت خسارة ترامب إجهاض لـ “مشيئة الله” كما زعم أنصاره؟


كانت مقولة Deus lo vult أو God Willing أي “الرب يريد ذلك” أو “هذه مشيئة الله” أو “هكذا أراد الله”، هي شعار وصيحة “الحرب الصليبية” الأولى التي أطلقها البابا أوربان الثاني في مؤتمر كلير مون سنة (1095م) وما تلاها من حروب صليبية وصلت إلى تسعة حروب، امتدت حتى عام 1291م.

وحين تولي رؤساء جمهوريون أمريكيون إنجيليون متطرفون أمثال رونالد ريجان وجورج بوش وترامب، كانوا يكررون نفس هذه العبارات لتبرير حروبهم في العالم العربي والاسلامي، حيث برر جورج بوش الاب والابن حروبهما في العراق وافغانستان وغيرها على انها “حرب أرادها الله”!.

ولكن مع فوز ترامب في انتخابات الرئاسة عام 2016 بدأ مستشاروه الدينيون وقساوسة انجيليون يصفون فوزه أيضا بانه “مشيئة الرب”، ومع ظهور منافسة بادين عام 2019، سعي مسئولي ترامب للربط بين بقاؤه في البيت الابيض والدين، حتى أن “سارة ساندرز” متحدثة البيت الأبيض زعمت إنّ “الربّ أراد أن يصبح دونالد ترامب رئيساً”.

بل ورفض القس الانجيلي كينيث كوبلاند المؤيد لدونالد ترامب اعلان وسائل الاعلام فوز جو بايدن بالرئاسة، بناء على احصائيات فرز الصناديق، وسخر منها وظل يضحك بطريقة هستيرية، للتعبير عن رفضه لما أعلنته الصحف بالمخالفة لمشيئة الرب، وفق رأيه.

ومع ظهور بوادر هزيمة ترامب أمام الرئيس الجديد بايدن، حشد القساوسة ومستشاري ترامب جهودهم للصلاة ليفوز، وظهرت مستشارة ترامب الروحية “باولا وايت” في فيديو كأنها تقيم حفلة زار، وهي تطلب تعزيزات من الملائكة من افريقيا لدعم ترامب لكي يفوز في الانتخابات، وتزعم أن “الشياطين تحاول سرقة فوزنا، والملائكة قادمة من أفريقيا لنصرة ترامب”، وتقول: “الرب يقول إن الأمر قد حُسِم” لترامب، وهذا أيضا كان سبب حيرة وجنون المتطرفين المؤيدين له، لأنهم تصوروا أن فوزه محسوم لأنها “إرادة الله” كما أخبرهم احبارهم.

وسبق أن ظهرت القسيسة باولا وايت، المستشارة الروحية الخاصة بالرئيس الأمريكي السابق ترامب، في إحدى عظاتها المتلفزة لتقول: “حين تقول لا للرئيس ترامب كأنك تقول لا لله”!!.

وكانت باولا وايت أوّل امرأة في التاريخ تتلو الصلاة خلال مراسم تنصيب رئيس أمريكي عند أداء ترامب اليمين يناير 2017، وفي إحدى عظاتها المنتشرة على الإنترنت، تقول: «حين أطأ أرض البيت الأبيض، فإنّ الله يطأ أرض البيت الأبيض. لديّ كامل الحق والسلطة لأعلن البيت الأبيض أرضاً مقدسة، لأنني كنت أقف هناك، وكل مكان أقف فيه هو مكان مقدّس”.

فماذا عسى مجانين ترامب الروحيين أن يقولوا الآن وقد خسر ترمب الانتخابات وفاز بها بايدن؟ وهل يجرؤون على القول إن خسارة ترامب هي “هزيمة أو اجهاض لمشيئة الله” كما روجوا هم كذبها في البداية؟

خطورة ترامب تطرفه الديني

لذلك لم تكن مفاجأة أن يُصدم مؤيدو ترامب الإنجيليين لهزيمته وأن يخرجوا للشوارع شاهرين أسلحتهم وبعضهم يضع شارة الصليب.

فهناك صراع الداخلي في امريكا بين التيار الانجيلي المتطرف الداعم لترامب واسرائيل، والتيار الديمقراطي المحافظ الذي يتشكل من كافة ألوان الطيف من اجناس وعرقيات مختلفة، والصحف الامريكية نشرت عشرات التقارير تحذر من حرب اهلية حقيقية ذات طابع ديني بسبب تصريحات قساوسة ترامب.

وكان الإنجيليون الأمريكان أصحاب دعمٍ مالي هائل لحملة ترامب في عام 2016، حيث يلعب الإنجيليون أدواراً في السياسة الأمريكية في العالم انطلاقا من تفسيرهم الديني المتطرف، حتى ان الكاتبة في صحيفة نيويورك تايمز، ميشيل غولدبرغ كتبت تقول إن ترامب «غير المتدين» يعتبر «حصان طروادة لليمين المسيحي» الذي يريد السيطرة على السياسة الأمريكية.

إذ شكّل المسيحيون الأمريكيون الإنجيليون كتلةَ تصويتٍ قوية لدونالد ترامب في عام 2016، بنسبة تصويت له بينهم بلغت نحو 80%، وفي انتخابات امريكا الاخيرة 2020 حشدوا كل قوتهم من أجل فوزه بفترة رئاسية ثانية، وظهر ترامب وهو محاط بالقساوسة يباركونه ويدعون له وحرص هو على زيارة كنائس والصلاة قبل هزيمته في الانتخابات.

ولم يختلف أي من المحللين في الصحف الامريكية بشأن الدور الخطير الذي لعبه تيار “اليمين المسيحي الإنجيلي المتطرف” في توجيه سياسات ترامب الخارجية والمعادية للإسلام والداعمة لإسرائيل (لأسباب توراتية)، وبعضهم كان يخشى أن ينتهي الأمر بهؤلاء المتطرفين لإشعال حرب اهلية في امريكا نفسها خصوصا مع محاولات عزل ترامب الذي كانوا يرونه نبيهم الحالي وحامي تيار ما يسمي White evangelicals، أو “التيار الانجيلي ذوي البشرة البيضاء”.

وسبق أن جاء في مقال بمجلة “فورين بوليسي” أن السياسة الخارجية الأميركية في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، تتسم بطابع مسيحي أصولي معاد للتعددية الديمقراطية، وذلك على خلاف كل عهود الرؤساء السابقين في الولايات المتحدة.

وقال الباحث في الأديان والأستاذ بجامعة ساوث فلوريدا كريستوفر ستروب في مقاله إن من يرسمون السياسة الخارجية الأميركية هم “من الأصوليين المسيحيين الذين يضمرون حقدا دفينا على الإسلام والمسلمين”.

وقد كتب “بول دجوبي” الأستاذ المساعد في العلوم السياسية بجامعة دينيسون في جرانفيل بأوهايو والباحث بمعهد أبحاث الديانة العامة (PRRI)، تحليلًا في صحيفة «واشنطن بوست»، يحذر من حرب اهلية داخلية في أمريكا خلال ولاية ترامب، بسبب مخاوف اليمين المتطرف في أمريكا، ولاسيما الإنجيليين والمؤمنين بتفوق البيض، الذين يرون أن “الديمقراطيين” والملحدين سوف يجردونهم من حقوقهم، ويرون أن عزل أو هزيمة ترامب الانتخابية قد يفقدهم هذه الحقوق لهذا زاد تخزين الأسلحة!

وحين دعا قضاة وسياسيون لمحاكمة ترامب وعزله قبل عامين، أدّعي زعيم الإنجيليين فرانكلين جراهام، الذي سبق ان دعم الحرب في العراق بدعوى أنها “حرب انجيليه”، أن «القوى الشيطانية تضغط من أجل مساءلة شخص تعتقد نسبة كبيرة من الإنجيليين أنه الرئيس المبارك من الرب”!!

خطورة التيار “الترامبي” بالتالي، ليست فقط في تطرفه الديني ولكن في انه قد يقود أمريكا لحرب دينية أهلية داخلية لأنه يجري أنصار الحزب الديمقراطي معادين لمشيئة الله من وجهة نظره، والأخطر أنهم يخزنون السلاح بكثيرة، كما أن الانتخابات أظهر أنهم ليسوا أقلية ولكن نصف الشعب الأمريكي تقريبا، فقد صوت 68 مليون منهم لترامب مقابل 72 مليون لبايدن، فهل تقترب الامبراطورية الامريكية من نهايتها بحروب دينية داخلية على غرار انهيار إمبراطوريات أخرى من داخلها؟


Comments

comments

شاهد أيضاً

العفو الدولية: الارتفاع المروع في إعدامات مصر يكشف عمق أزمة حقوق الإنسان

قالت منظمة العفو الدولية إنه في أكتوبر ونوفمبر 2020 فقط، أعدمت السلطات المصرية ما لا …