هل يعد السيسي الشيخ “الضويني” ليكون مرشحه لخلافة الطيب علي مشيخة الأزهر؟


صراع علني وآخر مستتر شهدته العلاقة بين رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، وشيخ الأزهر أحمد الطيب، برغم صمت الأخير عن الانتهاكات منذ الانقلاب العسكري الذي قاده الأول منتصف 2013.

يتمحور الخلاف بين قائد الانقلاب وشيخ الأزهر حول رفض “الطيب” المنحدر من صعيد مصر، توجيهات السيسي بشأن ما يسميه “تجديد الخطاب الديني”.

مع ذلك الخلاف لم يستطع رأس النظام التخلص من الطيب، بسبب الحصانة التي يمنحها الدستور والقانون للمنصب الذي يعادل درجة رئيس وزراء؛ ولذلك لم يكن أمام السيسي إلا إعداد بديل بدرجة “مطيع جدا”، حسبما يؤكد موقع الاستقلال.

ترقيات سريعة

المؤشرات عديدة على توجه نظام السيسي لإعداد محمد عبد الرحمن الضويني ليخلف الطيب حال وفاته أو مرضه، في المنصب الذي لن يخلو إلا بإحدى هاتين الطريقتين.

إذ إنه لا يمكن للسيسي إقالة الشيخ إلا بتغيير “قانون الأزهر” وهو أمر صعب في ولاية الطيب.

الضويني رجل أكاديمي غير معروف خرج من قلب جامعة الأزهر بالقاهرة للعمل في سلطنة عمان لمدة خمس سنوات في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. وبعدها عاد إلى موقعه كأستاذ لـ”الفقه المقارن” في ذات الجامعة بعيدا عن الأضواء.

إلا أن الرجل وبعد بعثة له لتدريس نفس المساق في الإمارات خلال عهد السيسي، عاد إلى القاهرة بوجه معروف يطل على الإعلام الإماراتي في برامج دينية مدعومة من الدولة وعبر تلفزيون أبوظبي الحكومي.

بمجرد عودة الضويني من الإمارات إلى مصر، نال احتفاء وترقية، دفعت به ليكون الرجل الأول بعد الطيب، وحصل على وكالة الأزهر المنصب الأهم بالمؤسسة بقرارين متتابعين من السيسي في 2020 و2021.

ما فجر الحديث عن مؤشرات إعداد الضويني كبديل مهم وداعم للنظام؛ هو قرار السيسي بتجديد تعيينه وكيلا للأزهر للمرة الثانية ولمدة عام آخر اعتبارا من 15 أكتوبر/تشرين الأول 2021، على أن يعامل معاملة الوزير، من حيث الدرجة والراتب والبدلات.

ويأتي القرار في ظل ما يروجه إعلام النظام عن مرض شيخ الأزهر وتعرضه لوعكة صحية وذهابه إلى ألمانيا بشكل طارئ.

وهو الباب المريب الذي أغلقه بيان من الأزهر 29 سبتمبر/ أيلول 2021، أكد أن الزيارة معد لها مسبقا ليجري الشيخ فحوصات طبية، يشارك بعدها في مؤتمر بإيطاليا.

كما يأتي قرار مد فترة الضويني كوكيل للأزهر في ظل إبعاد أحمد الطيب عن الأضواء، وتقليل ظهوره في الفضائيات المصرية بأوامر من القائمين على الإعلام في مصر.

وهو ما أكدته مصادر صحفية وإعلامية عديدة، مشيرة لـ “الاستقلال” إلى صدور تعليمات بتقليل الحضور الإعلامي للطيب وتجاهله منذ سنوات.

سيرة أكاديمية

الصحف والمواقع المحلية نشرت جميعها وبلا استثناء سيرة ذاتية للضويني إثر قرار السيسي؛ لكن المثير هنا هو تماثل ما نشر عن الرجل بالحرف الواحد دون زيادة أو نقصان، حتى بدا وكأنه بيان مرسل من الجهة السيادية المسيطرة على الإعلام في مصر.

ووفق ما نشر، فإن محمد عبد الرحمن محمد الضويني (56 عاما) رجل ريفي من قلب دلتا النيل، ولد بقرية مجول مركز سمنود بمحافظة الغربية، 29 مارس/ آذار 1965، ونال بكالوريوس “الشريعة والقانون” في جامعة الأزهر 1990.

 تخصص في “الفقه المقارن”، إذ كان موضوع الماجستير الذي ناله عام 1995، وكان موضوع الدكتوراه عام 1998.

أولى خطوات الضويني في السلم الوظيفي والأكاديمي كان عمله كمعيد بقسم “الفقه المقارن” بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر بالقاهرة 1991، حتى وصل مدرسا مساعدا بالكلية 1995، ثم مدرسا عام 1988، ليبدأ بعدها أولى رحلاته الأكاديمية إلى الخارج.

 غادر الضويني جامعة الأزهر بالقاهرة للعمل كأستاذ مساعد بـ”أكاديمية السلطان قابوس لعلوم الشرطة” في مسقط عام 2002، ثم أستاذا مشاركا بالأكاديمية (2004 – 2007)، ليعود بعدها إلى أزهر القاهرة ليمارس مهمة التدريس في كليته وجامعته.

إلا أن الضويني الأكاديمي المغمور كغيره من الآلاف من أساتذة الأزهر الذين لا ينالون حظهم؛ حدثت له انتقالة جديدة إلى الخارج إذ جرى تعيينه أستاذا مشاركا للشريعة الإسلامية والفقه المقارن بـ”معهد دبي القضائي” بالإمارات بين عامي (2014-  2016)

عاد الضويني من دبي لموقعه بجامعة الأزهر، ولكن الرجل وجد حظوظا أخرى لم تتح لغيره، إذ نال 7 ترقيات علمية وأكاديمية بـ4 سنوات، أولها تعيينه أستاذا للفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر 2017، ثم رئيسا للقسم 2018، ثم وكيلا للكلية 2019، في ثلاث نقلات متتالية.

يناير/ كانون الثاني 2020، مثل تعيينه رئيسا لأكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ نقلة كبيرة صعدت به من الإطار الأكاديمي إلى واجهة المناصب العليا بالأزهر.

وهو ما قربه أكثر من الأضواء والشهرة وذكر اسمه بأخبار مؤسسة الأزهر في الإعلام المصري.

الصعود الأكبر والانتقالة الأهم للضويني الذي لا يتعدى عمره 56 عاما كانت بتعيين السيسي له بمنصب وكيل الأزهر 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، متخطيا الكثيرين من دعاة وعلماء ومشايخ الأزهر وأساتذة الجامعة، ليلمع اسمه بصفحات المواقع الإخبارية وينتقل لوجهة الفضائيات.

بمجرد تعيين الرجل بمنصب وكيل الأزهر ضمه شيخ الأزهر أحمد الطيب إلى عضوية “اللجنة العليا للإفتاء” بالأزهر، لمواجهة الفتاوى الشاذة والغريبة، ثم تعيينه عضوا بـ”الهيئة الاستشارية لوضع السياسات العامة للفتوى” بالأزهر الشريف، وسط كبار مشايخ ودعاة الأزهر.

واصل السيسي النظر إلى الرجل بعين التقدير، ودفع به إلى منصب جديد يدعم مكانته بشكل كبير بين علماء مصر، حتى قرر في يوليو/ تموز 2021، تعيين الضويني بمنصب الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر.

لتلك الهيئة أهمية دينية وعلمية كبيرة وتقدير لافت من دول العالم الإسلامي؛ إذ تعد المرجعية الدينية والعلمية الأعلى في مصر.

لذا كان تعيين الضويني أمينا عاما لها متخطيا الكثير من أعضاء الهيئة أصحاب الكفاءات العلمية الأفضل والأكبر سنا، مثيرا للجدل والتساؤلات.

 وفي مقابل الانتقاد الدائم لشيخ الأزهر من الإعلام المصري ومن مؤيدي النظام لعدم طاعته السيسي، فإنه وعلى الجانب الآخر أبدت صفحات قريبة من السلطة عبر الإنترنت الكثير من الدعم للضويني، معتبرة أنه من سيعيد الأزهر كما كان “منارة للإسلام الوسطي الصحيح”.

مؤشرات الإعداد

الباحث المصري محمد فخري رصد في حديث لـ “الاستقلال”، مؤشرات قال إنها تؤكد أنه يجري إعداد النظام للضويني لمنصب شيخ الأزهر.

ولفت إلى أن قرار السيسي بالمد للضويني بوكالة الأزهر يأتي بعد تعيينه بمنصب أمين هيئة كبار العلماء بثلاثة أشهر فقط.

 ويضيف فخري، أن الضويني يجري تصدير اسمه بشكل لافت بل وحضوره الكثير من الفعاليات والمناسبات نائبا وبديلا عن شيخ الأزهر، مع مشاركاته في الأنشطة الحكومية مع الوزراء المصريين كممثل للأزهر.

وبالفعل وخلال عام من وكالته للأزهر بدا الضويني نشطا ومشاركا في مؤتمرات وزارة الشباب والرياضة، ومؤتمرات نظمها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وأنشطة وزارة الأوقاف، وبالطبع فعاليات الأزهر الشريف وغطى الإعلام زياراته للمعاهد والكليات.

 ويلفت فخري، إلى مؤشر ثالث وهو ظهور الضويني كمؤيد بشدة لسياسات النظام أخيرا، وحديثه الدائم عن الإرهاب وتيار الإسلام السياسي، مؤكدا أنه أحد تلاميذ أستاذ الفقه المقارن سعد الدين الهلالي المعروف بفتاواه وآرائه “الشاذة”، إلى جانب عمله في دبي لمدة عامين.

وكتب فخري، عبر “فيسبوك”، أن “الضويني، ورقة النظام الكامنة حتى إشعار آخر”، مؤكدا أنه “تلميذ سعد الدين الهلالي، وأستاذ سابق بأكاديمية دبي للشرطة”

ويبدو أن مدة عامين للضويني في دبي كانت كفيلة بأن يرتبط الرجل بقادة الدولة الإماراتية، وهو ما بدا واضحا في عدة مواقف؛ بينها ظهوره عبر برامج تلفزيونية دينية بالشاشات الإماراتية، عبر محاضرات “سنتي” ضمن برنامج بعنوان “ضيوف رئيس دولة الإمارات”، خليفة بن زايد آل نهيان.

وهذا إلى جانب مشاركته في “يوم زايد للعمل الإنساني” مايو/ أيار 2021، إذ أشاد الضويني، بالشيخ زايد آل نهيان مؤسس الإمارات ووالد ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد -المثير للجدل بتوجهاته الدينية والسياسية في المنطقة- ووصفه بأنه “قدوة ومثال في الكرم والإنسانية حتى أحبه شعب الإمارات وشعوب العالم أجمع”

وتحدث الضويني عن النظام الديني في الإمارات وقال إن الدولة تطبق السنة وتجرم ازدراء الأديان والمساس بالذات الإلهية أو الطعن فيها، والإساءة لأي دين وشريعة، والتعدي على الكتب السماوية أو التطاول على أحد من الأنبياء.

وأكد أنها “تحافظ على قيمها ودينها وتقاليدها في نفوس شعبها ومن يأتون إليها، حيث لا يجدون أمامهم إلا واجب الالتزام بالقيم والتقاليد الأصيلة المتأصلة والمتجذرة في الشعب وفي دولة الإمارات”

كما كان لافتا تعاون الضويني مع السفارة الإماراتية في القاهرة، إذ نشرت في 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، خبر لقاء رئيس الشؤون الإعلامية والدبلوماسية صالح جمعة السعدي، به كوكيل للأزهر، لتجهيز مكتبة تمولها أبوظبي بالجامعة.

سبق ذلك أيضا ما كشفته السفارة الإماراتية بالقاهرة 9 يونيو/ حزيران 2021، عن لقاء سفير أبوظبي حمد سعيد الشامسي بوكيل الأزهر الضويني لبحث التعاون بمجال التعليم الجامعي والدراسات العليا.

الظهور والمستقبل

الشيخ سامح الجبة أحد علماء الأزهر الشريف تحدث عن الظروف التي برز فيها الضويني، مؤكدا أن اختياره “كشخصية علمية فقط دون أدوار سياسية سابقة يأتي وعلاقة الأزهر بالسلطة على غير ما يرام، حيث شهدت توترا لأكثر من مرة منذ 2017”

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يلفت بحديثه لـ”الاستقلال”، إلى مواقف عدة بينها قول “السيسي لشيخ الأزهر: (تعـبتني يا فضيلة الإمام)، باحتفال عيد الشرطة”، ملمحا إلى أن “هذه العبارة انطوت على العديد من الدلالات، وكشفت تباين المواقف بين الجانبين”

وبحسب الجبة، أوضحت العبارة أيضا ما يستهدفه السيسي من تجديد الخطاب الديني، وما يتمسك به الأزهر من ثوابت يحرص عليها، ويرى في الخروج عنها مساسا بقواعد مستقرة منذ مئات السنين.

 ويضيف: “استمر سلوك السيسي في انتقاد الأزهر في مناسبات مختلفة، وتحدث في احتفال بليلة القدر، عن استشراء التطرف الإسلامي وأثره العالمي وعدم مراجعة الأزهر كتب التراث، التي زعم أن بعضا منها يحمل غلوا في التطرف”، متوجها بخطابه لشيخ الأزهر قائلا: “سأحاججكم أمام الله”

ويرى أن “هذا النقد العلني من السيسي للطيب يدل على أن هناك مساحة من العمل المطلوب لا يوافق شيخ الأزهر عليها”

ويعتقد أنه “لا يستطيع شيخ سوى الطيب الموافقة عليها، كونها تهدم ثوابت الدين وتخالف نصوصه، كقضية عدم الاعتداد بالطلاق الشفوي وغيرها من المسائل التي طلبها السيسي”

وتساءل: “هل يمكن للشيخ الضويني أن يوافق على فعل هذا”، مجيبا: “لا أعتقد ذلك”

وعن منهج الضويني وتفكيره، يرى أنه “في المجمل لا يخرج عن السياق العام الذي يسير فيه الشيخ الطيب، ولن يستطيع”

الكاتب والباحث رأفت صلاح الدين، يؤكد أن “الضويني من المقربين للشيخ الطيب وهو من رشحه لمنصب وكيل الأزهر عام 2020، وكذلك اختياره بمنصب الأمين العام لهيئة كبار العلماء”

ويوضح لـ”الاستقلال”، أنه “لا يعين أحد بهذا المنصب إلا بموافقة المخابرات والأمن المصري”، موضحا أن “منصب وكيل الأزهر كان للدكتور عباس شومان، وقيل إنه بديل الطيب حتى استقال 2019، ثم خلفه الشيخ صالح عباس حتى بلوغه المعاش (التقاعد) 2020”.

وعن فكر الضويني يرى صلاح الدين، أنه “لم يظهر أي ميزة جديدة عن باقي الشيوخ التابعين للنظام، وتفكيره يدور في نفس الدائرة، موظف رسمي في الدولة، وهو مقرب جدا من الشيخ الطيب، وليس كثير الظهور في الإعلام، ولن يكون بديلا مميزا”

ويضيف: “درج النظام على اختيار المفتي شيخا للأزهر، كما حدث مع الشيخين جاد الحق، ومحمد سيد طنطاوي، والاستثناء هو أحمد الطيب إذ كان رئيسا لجامعة الأزهر، ومقربا من جمال مبارك (نجل الرئيس الأسبق)، وعضو لجنة السياسات بالحزب الوطني والتي كانت تدير مصر آنذاك”

ويلفت إلى أن “المفتي حينها كان الشيخ علي جمعة، وهو لا يصلح شيخا للأزهر لعدم انطباق الشروط عليه، فلم يحصل على الثانوية الأزهرية والتحق بالمؤسسة بعد حصوله على بكالوريوس تجارة من جامعة عين شمس”

ويتابع: “كذلك، رئيس جامعة الأزهر الحالي محمد المحرصاوي، لا يصلح للمنصب كونه تخصص لغة عربية، وليس شرعيا، فهو أستاذ بقسم اللغويات وعميد سابق لكلية اللغـة العربيـة جامعة الأزهر بالقاهرة”

لذا يعتقد الباحث المصري أن “المرشحين الأكثر حظا إما المفتي الحالي شوقي علام، وهو رجل النظام ويصدر من الفتاوى ما يوافق هوى السيسي”

ومن المرشحين بقوة وزير الأوقاف مختار جمعة، الذي لا يملك أي مقومات غير أنه رجل النظام ويدير الوزارة بعقلية وسلوك رجل أمن وعسكري، وفق قوله.

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

صحف فرنسا: السيسي الزبون الأول للأسلحة الفرنسية بتمويل سعودي-إماراتي

على الرغم من جميع محاولات التضييق والتعتيم عليها، لا تزال التقارير الإعلامية المتتالية عن ملف …