وائل قنديل

وائل قنديل يكتب :إطلالة الجنرال المثيرة في نيويورك

سيزور إسرائيل إن وجهت له الدعوة وتوفرت الوسائل للذهاب .. هكذا بوضوح سافر، تحدّث رئيس مجلس السيادة السوداني، الجنرال عبد الفتاح البرهان، لوسائل إعلامٍ على هامش اجتماعات الدورة السابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
الترجمة الصحيحة لتصريح البرهان، من دون أدنى مبالغة، أنه يريد أن يزور الكيان الصهيوني، ويغمز بعينه إلى سلطات الاحتلال طالبًا دعوة للزيارة، ومعها وسيلة مريحة للسفر، وينتظر على أحرّ من الجمر تلبية رغبته، لذا فالقرار الآن عند حكومة الاحتلال، تدعوه الآن أو تنتظر، وتقرّر ما نوع وسيلة السفر، وتحدّد على أي درجة سوف يطير إلى تل أبيب.
الأمر يشبه كثيرًا لوثة الإطلالات المثيرة لبعض نجوم المهرجانات المحلية ونجماتها، حيث التنافس على إظهار أكبر قدر من الجرأة على صدم الحضور، لفتًا لأنظار المنتجين والمخرجين والمتحكّمين في الصناعة.
يؤخذ في الحسبان أنه لم تسبق هذا التصريح أية بادرة من تل أبيب تشي بأنها مهتمة بأن تستضيف جنرال السيادة، أو سيادة الجنرال، الذي يبدو وكأنه بصدد إعادة طرح نفسه حاكمًا للسودان، مع اقتراب موعد انتهاء مدة المجلس الانتقالي الذي يرأسه، ومن ثم الذهاب إلى انتخابات لا يرشّح فيها نفسه، كما وعد من قبل، معلنًا زهده والمؤسسة العسكرية في السلطة.
يقول لنا الواقع العربي الراهن إنه كلما أمعن الجنرالات في إظهار عدم الرغبة في تولّي شؤون الحكم، كان إصرارهم على الوصول إلى السلطة أكبر، ويمكن في ذلك الرجوع إلى حالة جنرال مصر عبد الفتاح السيسي، حين أقسم أيمانًا مغلظة بأن الجيش غير طامع في السلطة، وأنه هو شخصيًا لن يرشح نفسه ولا يحب العمل السياسي .. ثم بقية القصة معروفة: هناك إرهاب على الأبواب، فضلًا عن تطاحن الأحزاب والقوى المدنية، التي لا تقدّم بديلًا يحمي الوطن من تهديدات الأشرار المتربّصين.
المثير في القصة أنه فور انتهائه من مغازلة الكيان الصهيوني والدوائر الغربية في نيويورك، قرّر أن يطير الجنرال البرهان منها فجأة، ومن دون سابق ترتيب أو جدولة، إلى القاهرة مباشرة، وليس إلى الخرطوم، ليضع بين يدي أستاذه ورائده في اللعبة الجنرال السيسي حصيلة ما قام به في نيويورك.
قلت سابقًا، ومع فضح اللقاء السري بين البرهان ونتنياهو في عنتيبي (أوغندا) مطلع فبراير/ شباط 2020 إن التلميذ عبد الفتاح البرهان قد حفظ الدرس واستوعبه على يد الأستاذ عبد الفتاح السيسي، وعرف أن على من يريد السلطة أن يدفع مهرها إلى الكيان الصهيوني، وها قد فعلها البرهان، ولا يزال مجسدًا واحدة من مساخر السياسة العربية، كونه أول شخصٍ يدخل فراش التطبيع مع العدو الصهيوني، فور الإعلان عن صفقة القرن، على الرغم من أنه كان الأكثر شراسة في التعبير عن رفض الصفقة، والدفاع عن الحق الفلسطيني، في أثناء المؤتمر الوزاري العربي.
بعد لقاء نتنياهو وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2021 قرّر البرهان الانقلاب على الصيغة التشاركية بين العسكريين والقوى المدنية، ممثلة في حكومة عبد الله حمدوك، وإطاحة اتفاق الشراكة والحكومة معًا. لذا كان القول إن انقلاب البرهان صُنع في عنتيبي، حيث اللقاء مع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي في ذلك الوقت، والذي تكفّلت تل أبيب بتسريب أخباره لوسائل الإعلام، فيما أعلنت القوى المدنية السودانية المشاركة في السلطة تبرّؤها منه وعدم علمها به، بل وكذّب مكتب رئيس الحكومة، عبد الله حمدوك، ادّعاء البرهان أن مقابلته نتنياهو تمّت بعلم حمدوك وموافقته.
في نيويورك، لم يفوّت البرهان لحظة في محاولة تقديم وجه جديد ومطابق للمواصفات لجنرال بقناع مدني، إذ تحدّث لكل من جلس معه من مسؤولين أمميين ودوليين إن الجيش السوداني يرغب في الانسحاب من الحياة السياسية، وهي الصياغة التي يستعملها الجنرالات دائمًا قبل أن يقرّروا خلع السترة العسكرية، وارتداء الوجه المدني، الزائف، تمهيدًا لارتياد ملاعب السياسة التي تكون قد جهزت تمامًا ليفوز العسكريون بالسباق، حتى وإن أقسم كبيرهم أنه لا يعتزم الترشّح لانتخابات رئاسية.
يراهن الجنرالات دائمًا على انتهازية المجتمع الدولي وبراغماتيته، وعلى تلك الهوة الشاسعة بين أناقة المبادئ وعجرفة المصالح، مع العلم أن الثانية تنتصر غالبًا في كل المواجهات، ولا تكسرها إلا ثورات شعبية تفاجئ جميع الأطراف بصمودها وإدراكها  أن أنصاف الثورات هزيمة، وأن التوقف عند منتصف المسافة ضياع كامل.

شاهد أيضاً

د عز الدين الكومي يكتب : خيانة الأوطان و”العودة بخفي حنين”

تتلخص قصة هذا المثل العربي “عاد بخفي حنين” أن حُنَيناً هذا كان إسكافياً من أهل …